وِردُ النائب وحسابُ الآخرةِ

15-1-2026 | 15:31

من المتعارف عليه أن استلام المهام الوطنية يبدأ بالقسم الدستوري، ويمكنك القول إن هذا القسم هو العتبة المقدسة التي يدخل منها الشخص إلى العمل العام، إذ يمثل هذا القسم إعلانًا لطهر النوايا وصدق العزيمة لأداء ما أُوكل إليه.

وليس هذا القسم مجرد عرف دستوري متعارف عليه، بل هو التزام أخلاقي وديني قبل أن يكون التزامًا قانونيًا، التزام أمام المولى تعالى أولًا، ثم أمام الشعب الذي سيحاسب المسئول عليه، قبل أن يعود ذلك المسئول إلى ربه تعالى، فيسأله ما بال الأمانة التي أقسمت عليها؟ فهو بهذا محاسب مرتين.

وربما يمر القسم الدستوري في المناصب الأخرى دون التفات الناس إليها، إلا أن القسم تحت قبة البرلمان له خصوصية مختلفة، فالنائب لا يقسم بلسانه فحسب، ولكنه يقسم بلسان الآلاف الذين استودعوه آمالهم وأحلامهم، ويشعر هؤلاء أن هذا القسم هو العقد الذي أبرم بينهم وبين من ينوب عنهم، ولو أدرك النائب حقيقة المسئولية التي أقسم عليها لعلم أنه يقف في مشهد جليل "تضع فيه كل ذات حمل حملها"؛ فقد أقسم أن يكون عائلًا لمصالح الآلاف من أبناء الوطن "وكفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول".

لقد حصد النواب ما ابتغوه من أصوات وثقة، وطويت بذلك معركة الصناديق، لتبدأ المرحلة الأثقل، مرحلة الوفاء بالعهود التي رددوها صباحًا ومساءً طوال فترة الانتخابات، فالصوت الانتخابي لم يكن يومًا مجرد ورقة في صندوق الاقتراع فحسب، بل كان تفويضًا مطلقًا بالرعاية، وعقدًا ممتدًا ممهورًا بالثقة، غير أن شكر هذا النوع من النعم لا يجب أن يقدمه النائب لناخبيه في لافتات الامتنان أو عبارات المجاملة، ولا بأن تتحول علاقته بهم بعد القسم الدستوري إلى علاقة افتراضية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يتابع الناس ذهابه وإيابه ويمدحه المقربون، بينما يشعر الآخرون ممن لم ينالوا حظهم من اهتمامه، بالخذلان والتهميش.

على كل من أقسم اليمين الدستورية تحت القبة، أن يكون حاضرًا بين من منحوه الثقة وأن يحول أحلامهم إلى واقع يعيشه معهم، وأن يكون قائمًا بما يكلفونه به من مسئولية دون تهاون، وأن يعلم أن هذه النعمة التي أنعم الله بها عليه إنما يكون شكرها في إدراك حقيقة واحدة، أن هذه الأصوات هي دين معلق في الرقاب، وأن هذا الدين التشريعي والرقابي لا يسقط بالتقادم ولا حتى بالموت، فحقوق الشعوب أمانات تؤدى إلى أهلها، وكل يوم يمر تحت قبة البرلمان هو فرصة لسداد الدين، حتى لا تتراكم المظالم، وتتحول إلى ديون مؤجلة يحاسب عليها التاريخ قبل حساب الآخرة.

إن البداية الحقيقية لأي نائب هي أن يرى في مقعده "منصة للسداد لا منصة للوجاهة"، وأن يجعل من حروف القسم وردًا يوميًّا يحكم قراراته ومواقفه تحت القبة وخارجها.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
محمود أبوحبيب يكتب: وصفة العطار

في رحلتي المعتادة عبر قطار الصعيد ذهابًا إيابًا من وإلى العاصمة، أجد من المواقف ما يٌدهشني، لكن هذه المرة كان موقفًا بنكهة الأعشاب، بدأ الحديث مغلقًا بين

محمود أبوحبيب يكتب: عندما يُهان الفن!!

المجتمعات على اتساعها وغزارة مكوناتها وتباين ثقافاتها وأفكارها، بالنسبة للفنان لا تعدو كونها حجرةً صغيرةً يجول فيها بفكره ويتمدَّد فيها ببصره، يُحاكى

محمود أبوحبيب يكتب: سر الرقم 6 ونكسة تل أبيب

الحرية لا تُباع ولا تُشترى.. تلك افتتاحيتي لمعرض الحديث عن القضية التي سطرت كلماتي فخرًا لمناقشتها، فالفكرة الهوليوودية التي استخدمها فلسطينيون ستة؛ لانتزاع

عشية لقاء الرئيس..

هي.. الصدفة لا غيرها التي جعلت من ساق القدر إليه موكب الرئيس ينسى همومه وأوجاعه؛ ليكون أخر عهده بها هو لقاءه الرئيس الذي أمسك بيده وخطى به نحو مأموله،

كأنها السبع السمان يا مصر

تستطيع أن تصفني بما تشاء، لكن عندما أغازل مصر لا تستطيع أن تُنكر ما أقوله في حقها، هي محاولة مني أن أصف جمالها - وليتني أستطيع - أصبحت مصر بعد سنوات تجاوزت

هذه أمي وأمهاتكم

كتب خلق كثير وسيظل يكتب آخرون، لكن مهما تساقطت كلماتهم وجفت صحفهم ونفد مدادهم سيظل ما كتبوه قليلًا من كثير تستحقه الأم، ومهما نُسجت من ألحان الموسيقى سيمفونيات

مصر الرقمية بلا رشوة ولا محسوبية

إطلاق الحكومة المصرية لـ"بوابة مصر الرقمية"، نستطيع القول بأن الخدمات التي يحصل ‏عليها المواطن قد خرجت من العناية المركزة بعد أن كانت تحتضر، إلى حياة

بيروت .. إلى أين .. ؟

يعجز اللسانُ عن الحديث عما حلّ ببيروت، هذه المدينة الساحرة التي هوى إليها خيال الشعراء متغنين بجمالها وسحرها، ويتحسّر القلب لأنين شعبها المعهود بالكرم

الإمام الطيب .. والأيام العجاف

ما كان ليصمت وقت أن اشتد الوجع، وزاد الألم، في وقت اشتغل فيه الجميع بالأزمات الطاحنة، التي باتت الشغل الشاغل، ليس لدولته فقط، بل لعالمه، من ظهور فيروس"كورونا"،

الطبيب الإنسان

ابن مصر "السير مجدي يعقوب" واحد من أهم جراحي القلب في العالم، إنجازاته جعلت اسمه على عناوين كتب الطب في معظم جامعات العالم، وإنسانيته جعلت القلوب تنبض

الطفولة ومخاطر التطور الرقمي في عالمنا المعاصر

الأطفال هم ثروات الأمم، والكنز الدفين لها، والبذرة الخصبة لغدها المشرق، هذا الكائن الرقيق الذي تتجلى فيه فطرة الله النقية، والذي كلفنا برعايته والحفاظ