من المتعارف عليه أن استلام المهام الوطنية يبدأ بالقسم الدستوري، ويمكنك القول إن هذا القسم هو العتبة المقدسة التي يدخل منها الشخص إلى العمل العام، إذ يمثل هذا القسم إعلانًا لطهر النوايا وصدق العزيمة لأداء ما أُوكل إليه.
وليس هذا القسم مجرد عرف دستوري متعارف عليه، بل هو التزام أخلاقي وديني قبل أن يكون التزامًا قانونيًا، التزام أمام المولى تعالى أولًا، ثم أمام الشعب الذي سيحاسب المسئول عليه، قبل أن يعود ذلك المسئول إلى ربه تعالى، فيسأله ما بال الأمانة التي أقسمت عليها؟ فهو بهذا محاسب مرتين.
وربما يمر القسم الدستوري في المناصب الأخرى دون التفات الناس إليها، إلا أن القسم تحت قبة البرلمان له خصوصية مختلفة، فالنائب لا يقسم بلسانه فحسب، ولكنه يقسم بلسان الآلاف الذين استودعوه آمالهم وأحلامهم، ويشعر هؤلاء أن هذا القسم هو العقد الذي أبرم بينهم وبين من ينوب عنهم، ولو أدرك النائب حقيقة المسئولية التي أقسم عليها لعلم أنه يقف في مشهد جليل "تضع فيه كل ذات حمل حملها"؛ فقد أقسم أن يكون عائلًا لمصالح الآلاف من أبناء الوطن "وكفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول".
لقد حصد النواب ما ابتغوه من أصوات وثقة، وطويت بذلك معركة الصناديق، لتبدأ المرحلة الأثقل، مرحلة الوفاء بالعهود التي رددوها صباحًا ومساءً طوال فترة الانتخابات، فالصوت الانتخابي لم يكن يومًا مجرد ورقة في صندوق الاقتراع فحسب، بل كان تفويضًا مطلقًا بالرعاية، وعقدًا ممتدًا ممهورًا بالثقة، غير أن شكر هذا النوع من النعم لا يجب أن يقدمه النائب لناخبيه في لافتات الامتنان أو عبارات المجاملة، ولا بأن تتحول علاقته بهم بعد القسم الدستوري إلى علاقة افتراضية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يتابع الناس ذهابه وإيابه ويمدحه المقربون، بينما يشعر الآخرون ممن لم ينالوا حظهم من اهتمامه، بالخذلان والتهميش.
على كل من أقسم اليمين الدستورية تحت القبة، أن يكون حاضرًا بين من منحوه الثقة وأن يحول أحلامهم إلى واقع يعيشه معهم، وأن يكون قائمًا بما يكلفونه به من مسئولية دون تهاون، وأن يعلم أن هذه النعمة التي أنعم الله بها عليه إنما يكون شكرها في إدراك حقيقة واحدة، أن هذه الأصوات هي دين معلق في الرقاب، وأن هذا الدين التشريعي والرقابي لا يسقط بالتقادم ولا حتى بالموت، فحقوق الشعوب أمانات تؤدى إلى أهلها، وكل يوم يمر تحت قبة البرلمان هو فرصة لسداد الدين، حتى لا تتراكم المظالم، وتتحول إلى ديون مؤجلة يحاسب عليها التاريخ قبل حساب الآخرة.
إن البداية الحقيقية لأي نائب هي أن يرى في مقعده "منصة للسداد لا منصة للوجاهة"، وأن يجعل من حروف القسم وردًا يوميًّا يحكم قراراته ومواقفه تحت القبة وخارجها.