يأتي على الإنسان وقت يشعر فيه بفتور غريب، إعراض عن كل شيء اعتادته نفسه من قبل وامتلأ به صدره بهجة وفرحًا، يتوقف عند ذلك الأمر الذي يجدُّ عليه، يتفحص سلسلة أفكاره المختلطة، يستعرض ما يمر بها متسائلًا: لِمَ يحدث هذا؟ وما الذي يجعله يتكرر هكذا بين الحين والآخر؟
يقلب صفحات كتابه ليبحث فيه عن السبب، فإذا به يسقط فجأة من بين يديه، وهو لم يزل يعكف على معرفة سبب من ورائه سبب، فيضل طريقه إليه، وإذا بسهم جامح ينطلق على غير انتظار يشير نحو حياة تغيرت كثيرًا، تبدل يومها عن الأمس، امتلأت طرقها بعقبات، بصعاب لا أول لها ولا آخر، فتأتيه رسالة عاجلة مضمونها أن عقله بدأ يتغلب على قلبه، بأهوائه وعواطفه، تطالبه أن ينتبه من قبل أن تدور الحياة به، لتأخذه معها في دوامتها دون أمل في عودة به قريبة الأجل.
يواجه أفكاره المنسدلة على جدران غرفته المغلقة، تكشف عن نفسها إليه، بعد أن خرجت من خلف ستار كان يخفي خلفه كل ما جال بخاطره، يتناول حلمًا برحيل ألم، يعقبه حلم آخر بزراعة أمل، يفترش أرضًا جديدة يتنفس أريج عطرها الآخاذ، ينثره وهو يراقب سماء مشاعره، يتطلع لصفوها وجمالها وهو يحارب بيده سحابًا يتجمع ويتراكم، يصارع شعورًا يود أن يجرده من قوته، يضخم من مشكلاته، ويضاعف من حجم متاعبه.
يقبل على الله بصدر منشرح، يرجوه ويأمل في تحقيق ما أراده، يغلبه التململ أحيانًا، وأحيانًا تعاوده الرغبة في التحمل والصبر على المكاره، يدرك أنها حياة، دنيا وليست جنة، يتحامل أكثر وهو يعلم أن الغلبة ستكون له، بعون من الله الغالب على أمره، يتحمل ألم قبضته على جمرته المستعرة، جمرة لا مفر منها لمؤمن متيقن.
تشرق الشمس وتعكس أشعتها على وجهه، يذكره دفئها بما مر به من قبل وما يمر به الآن وهو عليه شاهد ورقيب، تعده النجمات المتلألئات، تخبره بأن الظلام راحل وإن بدا حالكًا، وبأن النور سيحل يومًا قريبًا لينير ظلام دروبه، فينزع عنه البدر رداء حزنه، يبشره بأن حزنه زائل وبأن سعادته أصبحت وشيكة تنتظره وهو لا يعلم بما ستؤول إليه دنياه من بعد طول صبر وانتظار، احتمال وجلد.
يطلب من الله العون على مواجهة مستحدثات عصره بكل قوة يقف بصلابة نابعة من قلب إنسان مؤمن بربه، ممتلئ صدره بإيمان حق ويقيني، يبشره بالخير مهما ساد عالمه من تغير ومهما تسارعت نوبات جنونه.
ها هو الأمل يلوح له من بعيد، يغرد كعصفور شيد وكره بين أغصان هذا الشجر المثمر المزهر، والسعادة في عرشها تناديه، تدعو من يود أن يجاورها في ملكها ليسكن، الألم يغرب عن صحراء يأسه، يهجر كل قلب سكنه الحب بلا ثمن، شغله العطاء عن المطالبة والأخذ.
لا تسأل عن سعادة ضاعت، قم واصنعها الآن بيديك، حتى وإن لم تكن في متناولها ابتعدت عنها غائبة مغتربة، اشغل فؤادك بما تستطيع أن تقدمه لغيرك عسى أن تسعدك سعادته فتقاسمه ابتسامة امتنانه.
لا توقف سعادة حياتك على منحة من بشر فمنحته قد تكون غير دائمة، توجه لمن خلق الحياة؛ فاسأله رشدًا وحسن ظن لا يغادرك أبدًا ولا تغادره.