"الرهان على مستقبل كازاخستان"

14-1-2026 | 12:30

كازاخستان لم تعد تنتظر ليرسم الآخرون مسارها ولا مستقبلها. أنها تتحرك أولًا وبسرعة، ودخلت مرحلة جديدة من التحديث الشامل، حيث لا عودة عن الإصلاحات.

وبينما تجادل مراكز الأبحاث ودوائر غربية كيف، ومتى، وبأي ثمن يمكن لكازاخستان أن تتحرر من قيود الماضي، وتتغلب على العزلة، فقد سارعت كازاخستان بدون ضجيج بإجراء عملية إعادة هيكلة الاقتصاد والأسس التكنولوجية للبلاد. أنها أكبر عملية تحديث، وفي ذات الوقت رهان على "مستقبل كازاخستان".

ويجري رئيس كازاخستان قاسم جومارت توكاييف حسابات دقيقة من أجل كسب الرهان، ودخول المستقبل بالاعتماد على الذات والانفتاح على العالم، وتنويع الشراكات بهدف "التوازن الإستراتيجي"، ويري توكاييف أن عام 2026 سيكون عامًا حاسمًا، مع انطلاق مرحلة جديدة من الإصلاحات السياسية العميقة، وإحياء الذكرى الـ35 لاستقلال كازاخستان، وإطلاق مبادرة «كازاخستان النظيفة – Taza Qazaqstan» باعتبارها مشروعًا وطنيًا أخلاقيًا وحضاريًا.

ومن وجهة نظره فأن التحديث يجب أن يكون غير قابل للتراجع، وأن يغيّر جوهر الدولة والمجتمع. ويؤمن توكاييف بقوة أن "شعبنا، ولا سيما الشباب"، قادر على مواجهة تحديات العصر الجديد.

ولقد ظهرت مؤشرات إيجابية لهذه التوجهات الجديدة في عدة مجالات أبرزها:

أولًا: التجارة بالتحول من الاعتماد على التنوع.

وثانيًا: العلوم والتكنولوجيا من اتباع الآخرين إلى الإبداع والمساهمة في تكنولوجيا وعلوم المستقبل.

ثالثًا: تنويع التعاملات المالية والتمويل بما يتجاوز الدولار والروبل، وذلك تحسبًا لأي مفاجآت أو تطورات عالمية.

رابعًا: بناء نموذج كازاخستان في عملية التنمية.

خامسًا: الاستثمار في التعليم لإمداد كازاخستان بالعقول المبدعة، والحفاظ عليها في مواجهة إغراءات "هجرة الأدمغة".

ومن ناحية أخرى حرص رئيس توكاييف على الشفافية، ومصارحة شعبه بالحقائق، وجاء ذلك مؤخرًا في مقابلة موسعة مع صحيفة توركستان، تناول فيها نتائج عام 2025، والتحديات الاقتصادية، والإصلاحات الضريبية، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والسياسة الخارجية، إضافة إلى قضايا العدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد.

وأوضح توكاييف أن كازاخستان حققت إنجازات اقتصادية ولكنها تواجه تحديات قائمة، وأشار إلى أن الاقتصاد الكازاخستاني سجل نموًا تجاوز 6% خلال عام 2025، وبلغ الناتج المحلي الإجمالي أكثر من 300 مليار دولار، فيما تجاوز نصيب الفرد من الناتج 15 ألف دولار، وهي أرقام قياسية على مستوى البلاد والمنطقة.

ورغم هذه النتائج، حذر الرئيس من خطورة التضخم، مؤكدًا أن الحكومة تعمل على خفضه من خلال انضباط مالي صارم، وبرنامج مشترك مع البنك الوطني يمتد لثلاث سنوات.

وفيما يتعلق بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أشار توكاييف إلى أنه أعلن عام 2026 عامًا للرقمنة والذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن كازاخستان تسعى للتحول إلى “قوة رقمية”.

ولفت إلى إنشاء وزارة مختصة بالذكاء الاصطناعي، وإطلاق حاسوبين عملاقين، وتأسيس منظومة متكاملة لدعم الشركات التقنية، حيث بلغت صادرات خدمات تكنولوجيا المعلومات نحو مليار دولار في 2025.

وفي الوقت نفسه أكد توكاييف أن الطاقة النووية ضرورة إستراتيجية لدعم الاقتصاد التكنولوجي الحديث، مشيرًا إلى أن بلاده، رغم كونها من أكبر منتجي اليورانيوم عالميًا، لم تبنِ محطة نووية واحدة حتى الآن، وهو “خلل تاريخي” يجري تصحيحه.

كما كشف عن توسع التعاون الدولي في مجال المعادن النادرة، التي تشكل عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد العالمي الجديد.

ومما لاشك فيه أن مكانة كازاخستان تزداد أهمية بفضل السياسة الخارجية، ويعكس النشاط الدبلوماسي المكثف لكازاخستان تزايد مكانتها الدولية، ويشير الرئيس توكاييف باعتزاز إلى توقيع بلاده اتفاقيات استثمارية تجاوزت قيمتها 70 مليار دولار خلال عام واحد، مع التزام بلاده بسياسة خارجية متوازنة ومستقلة.

وبالعودة إلى الأوضاع الداخلية في كازاخستان فقد تناولها توكاييف بشكل صريح، وأعطى أهمية خاصة لاستعادة الأصول ومكافحة الاحتكار.

وأوضح الرئيس أن الدولة استعادت أكثر من 1.3 تريليون تنغي- "عملة كازاخستان"- من الأصول المكتسبة بطرق غير قانونية، مؤكدًا أن استعادة العدالة الاجتماعية ليست إجراءً سياسيًا أو دعائيًا، بل مبدأً ثابتًا للدولة، ولا استثناءات فيه.

وفي الوقت نفسه تناول قضية الطاقة والبنية التحتية، وضرورة تصحيح اختلالات تاريخية. وأعلن توكاييف أن كازاخستان بدأت أكبر عملية تحديث لقطاعات الطاقة والخدمات منذ الاستقلال، مؤكدًا أن التعريفات المنخفضة لم تكن تخدم الفئات محدودة الدخل، بل كانت دعمًا غير مباشر للأثرياء، والشركات الكبرى. وأضاف أن الدولة ستعتمد مبدأ “كلما زاد الاستهلاك زادت الكلفة”، مع تقديم دعم مباشر وموجّه للفئات المحتاجة، بما يعزز العدالة الاجتماعية.

ومن ناحية أخرى كشف عن سياسة جديدة تتبنى عملية إصلاح ضريبي يقوم على الشراكة، وفيما يتعلق بقانون الضرائب الجديد، شدد توكاييف على أن الإصلاح لا يهدف إلى زيادة الأعباء على المواطنين، بل إلى بناء نظام يقوم على الشفافية والشراكة بين الدولة وقطاع الأعمال والمجتمع، معتبرًا الضرائب جزءًا من “عقد اجتماعي حديث” يضمن العدالة وإعادة توزيع الأعباء بشكل منصف.

ويبقى أن كازاخستان تخطو باتجاه المستقبل بثقة، ويمكن لمصر الرهان بقوة على مستقبل بوابة آسيا الوسطى. ولاشك أن كازاخستان تمثل شريكًا إستراتيجيًا واعدًا لمصر إذا ما أُعيد تعريف العلاقة خارج الإطار التقليدي للتبادل التجاري المحدود، لتتحول إلى شراكة متعددة الأبعاد تمتد من الأمن الغذائي إلى الجغرافيا السياسية. فالدولة الواقعة في قلب آسيا الوسطى تعد من أكبر منتجي الحبوب عالميًا، وخاصة القمح، ما يمنح مصر فرصة حيوية لتأمين احتياجاتها الغذائية عبر تعاقدات طويلة الأجل تقلل من تقلبات السوق العالمية والضغوط السياسية التي تحيط بالمصادر الأخرى.

وفي الوقت نفسه تمتلك كازاخستان ثروات ضخمة في مجالات النفط والغاز واليورانيوم والمعادن النادرة، وهو ما يفتح أمام مصر بابًا لتنويع مصادر الطاقة، واستقطاب استثمارات كازاخية في مشروعات الطاقة والتعدين داخل السوق المصرية، بما يدعم خطط التنمية الصناعية.

ومن ناحية البعد اللوجستي، فإن مصر يمكنها العمل كمنفذ بحري رئيسي لكازاخستان نحو أفريقيا والبحر المتوسط، عبر قناة السويس والمنطقة الاقتصادية التابعة لها. ويمكن إنشاء مراكز لوجستية وصناعية مشتركة في هذه المنطقة لتجميع السلع القادمة من آسيا الوسطى، وإعادة تصديرها، ما يحول مصر إلى حلقة وصل أساسية بين أوراسيا وأفريقيا.

وثمة مساحة أخرى للشراكة بين البلدين، وخاصة مجالات التعليم والتكنولوجيا، ويتيح التعاون فرصًا لتبادل الخبرات في الزراعة الجافة، والطاقة النووية السلمية، والهندسة، بما يخدم احتياجات مصر التنموية.

وبعيدًا عن ذلك يبرز بقوة التعاون على المستوى الجيوسياسي، وبلا شك فإن الانفتاح بقوة على كازاخستان يمنح القاهرة مدخلًا مؤثرًا إلى فضاء آسيا الوسطى ومنظمة شنغهاي، ويعزز من قدرتها على لعب دور توازني بين الشرق والغبر، خاصة أن أستانة نفسها تنتهج سياسة خارجية متوازنة مع روسيا والصين والغرب.

وبذلك، تتحول كازاخستان من دولة بعيدة جغرافيًا إلى رافعة إستراتيجية للأمن الغذائي والنفوذ الاقتصادي المصري في قلب أوراسيا، وتصبح مصر بوابة كازاخستان إلى قلب العالم وممرًا إلى المستقبل.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: