ابن عمار واعتماد الرميكية.. كيف حسم «كيد النسا» صراع الوزير والسيدة الكبرى في الأندلس؟

13-1-2026 | 16:48
ابن عمار واعتماد الرميكية كيف حسم ;كيد النسا; صراع الوزير والسيدة الكبرى في الأندلس؟ صورة تعبيرية

كان المعتمد بن عباد، أحد أشهر ملوك الطوائف في الأندلس، تلك الإمارات التي ظهرت على الخارطة السياسية لشبه الجزيرة الإيبرية في أعقاب سقوط الخلافة الأموية 422هـ/ 1031م، لكن أسرة بني عباد ملوك إشبيلية  Sevilla  كانوا أقوى هؤلاء الملوك، وأكثرهم نفوذا بسيطرتهم على العديد من حواضر الجنوب الأندلسي.

موضوعات مقترحة

تولى المعتمد بن عباد الحكم بعد وفاة والده المعتضد بن عباد عام 461هـ /1070م، وكان المعتمد في حياة والده والياً على مدينة شلب "Silves" (مدينة تقع في جنوب البرتغال حاليًا)، وذلك بعد سقوطها عام (455هـ /1053م) في يد المعتضد بن عباد، وكان يعاونه في إدارة شلب صديقه ووزيره فيما بعد الشاعر أبو بكر بن عمار.  

وذات يوم كان المعتمد بن عباد يتنزه مع أبى بكر بن عمار في نهر الوادى الكبير في إشبيلية، وكانا يتبادلان طرائف الشعر، وفى ذلك الوقت هبت الريح وجعلت ماء النهر أشبه بالزرد فنظم المعتمد بن عباد هذه الشطرة :-

صنع الريح من الماء زرد

وطلب من وزيره ابن عمار أن يكملها فعجز ابن عمار عن ذلك، وكانت هناك فتاة ترقبهما ممن يغسلن ثيابهن في ماء النهر فردت على الفور، وقالت:-

أى درع لقتال لوجمد

فاندهش المعتمد بن عباد من براعة هذه الفتاة وحُسنها، وخفة روحها وسألها أذات زوج أنتِ فأجابت بالنفى، وفى اليوم التالى تمت دعوة رُميك بن الحجاج إلى قصر ابن عباد، واشتراها المعتمد من رُميك، وكان ذلك أيام أبيه المعتضد بن عباد، ومالبث أن تزوجها المعتمد.

وقد هام المعتمد حُباً بها، واحتلت اعتماد مكانة مرموقة عند زوجها المعتمد، وقد قال فيها القصائد والأشعار، ومنها:-

حب اعتماد في الجوانح ساكن  من شك أنى هائم بك مُغرمُ
لا القلب ضاق به ولا هو راحل فعلى هواك له على دلائلُ

ونظراً لعلو مكانتها، وتمكن نفوذها كانت تلقب بالسيدة الكبرى، ويبدو أن اعتماد قد ملكت عقله وقلبه، ومن شدة شغفه بها اشتق من اسمها  لقبا له يوافق إسمها، فلُقب (المعتمد)، وقد أشار لذلك عندما نظم أبياتاً يبدأ كل بيت منها بحرف من اسم زوجته اعتماد كرسالة شوق، وهو بعيد عنها فقال:

أغائبة الشخص عن ناظرى  عليكِ سلام بقدر الشجو
تملكتِ منى صعب المرام     مرادى لقياكِ في كل حين  
أقيمى على العهد مابينا     دسست اسمكِ الحلو في طيٍه 
وحاضرة في صميم الفؤادِ  ودمع الشؤونِ وقدر السهادِ
وصادفتِ ودى سهل القيادِ  فياليت أنى أعطى مرادىِ
ولا تستحيلى لطول البعادِ   وألفت فيه حروف اعتماد

وإلى جانب مكانتها ونفوذها وتأثيرها على زوجها المعتمد فقدكانت تشاركه في توجيه شئون الدولة، وفى ذلك الوقت قد بلغ الوزير أبو بكر بن عمار مكانه عظيمة لدى المعتمد، فكان يملك عليه حبه وعطفه بالإضافة إلى صداقتهما المتينة، وكانت اعتماد الرميكية تنظر إلى مكانة ابن عمار لدى المعتمد بعين الحقد والسخط، وأيضاَ ابن عمار كان يحقد عليها ويخشى سعايتها ونفوذها وظلت الوحشة والعداء والمنافسة بينهما حيناً من الدهر، مما دفع ابن عمار على أن نظم أبياتاً يهجو فيها إعتماد الرميكية وقد أفرط ابن عمار في هجاء اعتماد الرميكية، وقال:-

تخيرتها من بنات الهجان  فجاءت بكل قصير العذار
قصار القدود ولكنهم     رميكية ما تساوى عقلا
لئيم النجارين عماً وخالاَ  أقاموا عليها قروناً طوالا

فكما يُقال أن (مصرع المرء بين فكيه)، وقد نظم أبو بكر بن عمار هذه الأبيات أثناء وجوده في مرسية ، ونجح خصمه أبو بكر بن عبد العزيز صاحب مرسية في الحصول على هذه الأبيات  مكتوبة  بخط أبو بكر بن عمار وأرسلها إلى المعتمد بن عباد فإستشاط غضباً، وقامت اعتماد بإيغار صدره ضد وزيره وصديقه ابن عمار وألحت عليه بالتخلص منه ومعاقبته على مافعله، وزاد سخط المعتمد على ابن عمار، وتوجه إلى سجن ابن عمار، وفى يده طبرزين (بلطة) أهداه إليه ألفونسو السادس ملك قشتالة، ففزع ابن عمار عند رؤيته، وارتمى على رجليه يقبلهما، فقام المعتمد بضربه بالطبرزين ولم يتركه إلا وهو جثة هامدة، وعندما رأته اعتماد الرميكية على هذا الحال سخرت منه، وقالت "قد بقى ابن عمار هدهداً"، وأمر المعتمد بغسله وتكفينه والصلاة عليه، وتم دفنه في رُكن من قصر المبارك عام 477هـ/1085م.

وهكذا انتهت معركة الدسائس بين اعتماد الرميكية وابن عمار في التخلص من منافسها ابن عمار بنفوذها وسيطرتها على المعتمد بن عباد بإيغار صدره بقتل رفيق صباه ويده اليمنى  في الحملات العسكرية الناجحة، وقد ندم المعتمد بن عباد فيما بعد على تسرعه بمقتل صديقه ابن عمار، كما نغصت هذه الفعلة صفاء حياة المعتمد بن عباد، ونجحت اعتماد الرميكية في التفرقة بين رفيقين بينهما صداقة عميقة متينة، وظلت تنعم برغد وترف طيلة حياتها. 

د. منة الله صبحى محمد رشاد
كلية الآداب ـ  جامعة الإسكندرية


الدكتورة منة الله صبحي

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: