«تجارة السلع المنهوبة».. كيف واجهها أمراء وخلفاء الأندلس خلال العصر الأموي؟

13-1-2026 | 16:07
;تجارة السلع المنهوبة; كيف واجهها أمراء وخلفاء الأندلس خلال العصر الأموي؟ صورة تعبيرية

ازدهرت التجارة بالأندلس في فترات الاستقرار السياسي واستتباب الأمن التي نعمت بها البلاد في عصر الدولة الأموية (138-422هـ/ 755-1031م). فقد اشتهرت كبريات المدن الأندلسية، ومنها: الحاضرة قرطبةCordoba ، وإشبيليةSevilla، وبجانةPechina، والمرية Almeria، ودانية Denia، بأسواقها الضخمة، وسلعها المتنوعة، فأصبحت مراكز جذب للتجار، فتدفقوا عليها ببضائعهم وقصدوها من سائر البلدان. وقد حرص حُكام بني أمية،وأمراء الكيانات الإقطاعية المستقلة زمن إنحلال الإمارة الأموية فيما يعرف بعصر الطوائف الأول (275-300هـ/ 888-912م)، على جلب السلع النفيسة واقتنائها، ولم تكن كل تلك البضائع التي دخلت الأندلس.

موضوعات مقترحة

وقد أضرت المجاعات الناجمة عن الكوارث الطبيعية وارتفاع الأسعار بالفقراء والمعوذين والعاطلين بالمدن والبواديالأندلسية، فانخرط بعضهم في أعمال السلب والنهب، وقاموا ببيع المسروقات، ليقتاتوا بأثمانها. وفي زمن إنحلال الإمارة الأموية وإنعدام الأمن كان اللصوص والصعاليك يقتحمون دور الأرستقراطية والأثرياء وينهبونها، وكانوا يغيرون أيضًا على الأموال والقوافل في الطرق التجارية المؤدية إلى الموانئ بمدن تدميرTudmir، وبجانة، والمرية، والجزيرة الخضراء  Algeciras، والمدن المشهورة بإستيراد سلع الكماليات ومواد الترف كقرطبة وإشبيلية، ويبيعون المسروقات لمن يقبل عليها ببقية المدن الأندلسية. 

وفي عصر الفتنة La Fitna (399-422ه/ 1009-1031م)، تعرضت القصور الخلافية بقرطبة والزهراء والزاهرة، وبعض مساجد قرطبة ومُنياتها، وقصور القرطبيين، وكبار رجال الدولة من العامريين والبربر والصقالبة لأعمال النهب والتخريب، وامتدت أيدي النهّابة إلى ما وجدوه من نفيس الجوهر، وفاخر المتاع، والآلات، والسلاح، والكتب، وبيعت داخل الأندلس وببغداد وبعض بلدان المشرق. واستغُلت أنقاض تلك القصور وأطلالهما وبيعت للتجار، ووجوه الأرستقراطية الأندلسية، وبعض ملوك الطوائفLos Reyes de Taifasبأثمان باهظة. وقامت الدولة أيضًا بمصادرة الذخائر من أصحابها، وقاموا ببيعها بالإكراه وبأثمان باهظة للأغنياء وأعيان التجار. وقد تأثرت الوضعية الاجتماعية لبعض الرجال والنساء والأطفال الأحرارمن جراء الصراعات الدامية في أزمنة الصراعات السياسية والحروب الأهلية، إذ هاجمهم المتصارعون وأسروهم وباعوهم كالرقيق. وكان بعض أهل الأندلس، خاصة الفقراء، يقبلون على شراء تلك السلع المنهوبة، لرخص أسعارها، بينما كان بعض الأثرياء والُحكام يشترونها، ليدخرونها لنوائب الزمان. وقد استنكر أهل الأندلس حكومة وشعبًا تجارة السلع المنهوبة وحاولوا منعها، وقد تمكنوا من الحد منها في أزمنة الاستقرار وانتشار الأمن إلا قليلًا.  

(أ) الدراسات السابقة ومشكلة البحث

أفرد بعض العلماء المتخصصين في دراسة المجتمع الأندلسي خلال عصر الدولة الأموية جوانب من بحوثهم لدراسة النشاط الاقتصادي ، واهتم آخرون بالنشاط الاقتصادي في الأندلس خلال الحقبة نفسها، فخصصوا بحوثًا قيمة لدراسة مختلف أوجه ذلك النشاط، كالزراعة والرعي، والصناعة، والتجارة ، وبحوثًا أخرى عن صاحب السوق (المحتسب)El Senor del Zoco، ودوره في الإشراف على الأسواق  ، وتخصص بعضالباحثين في دراسة النشاط التجاري الأندلسي فقط .

غير أن أولئك الباحثين قد تعرضوا في دراساتهم لنشاط التجارة الطبيعي وتدوال السلع في الأسواق، وما تعرضت له التجارة من أزمات في أوقات المحن والأزمات السياسية، ولم يتوقفوا عند تجارة السلع المنهوبة، بل ذكروا بعض أنواع من تلك التجارة دون أن ينبهوا على ذلك. ويرجع السبب في إحجام الباحثين عن تخصيص بحوث عن تجارة السلع المنهوبة، إلى فقر المادة العلمية التي تسلط الأضواء على ذلك النشاط، مما دفعني لمعالجته في هذه الدراسة.

(ب) الإطار الزمني للدراسة ومنهجها 

وقد حددت الفترة منذ عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط حتى نهاية الخلافة الأموية (206-422ه / 822-1031م)، كمجال زمني للدراسة، فعهد الأمير عبد الرحمن الأوسط يمثل انفتاح الأندلسيين على الحضارة العراقية، وإقبالهم على إقتناء الذخائر العراقية النفيسة بغض النظر عن كون بعضها من السلع المنهوبة، أما التاريخ الثانى فهو يؤرخ لنهاية حقبة الفتنة التي استمرت قرابة ربع قرن، وخلّفت الدمار وانهيار الحالة الاقتصادية للمدن المضارة من الحرب الأهلية، خاصة قرطبة، ومالقة Malaga ، وجيًان Jaen، مما أدى إلى انتشار تجارة السلع المنهوبة. وقد ارتكزتُ في الدراسة على عدة مناهج بحثية، نذكر منها: المنهج التحليلي الاستقرائي، والمنهج السوسيو - تاريخي،والمنهج الوصفي.

(ج) تقسيمها 

أشرت في المقدمة إلى موضوع الدراسة وأهميته، والدراسات السابقة ومشكلة البحث، والإطار الزمني للدراسة، ومناهج المعالجة. ثم قسمت الدراسة إلى عدد من المباحث، فأفردت مبحثًا منها للحديث عن أسباب ظاهرةتجارة السلع المنهوبة ومدى انتشارها في الأندلس، ثم استقصيت في مبحث مُطوّل أنواع تجارة السلع المنهوبة وأماكن بيعها،وخصصت مبحثًا للحديث عن أسباب إقبال بعض الأندلسيين على شراء السلع المنهوبة، ثم ألقيت الضوء على جهود الأندلسيين حكومة وشعبًا لمنع تلك تجارة السلع المنهوبة، وختمت الدراسة بذكر أهم النتائج التى توصلت إليها. 

(د) مصادرها 

حرصتُ على توثيق كل فكرة، وتحليل، واجتهاد، انطلاقًا من الأصول التي اتسمت بالكثافة والتنوع. فاعتمدتُ على ثبت مُهم من المصادر الأصلية المتنوعة في دراسة الموضوع. فقد أمدتني كتب التاريخ العام بمعلومات قيّمة عن تجارة السلع المنهوبة، ويُعتبر المقتبس لابن حيان، والبيان المغرب لابن عذاري، من أبرز الكتب التي اعتمدت عليها فى هذا الصدد، وجاءت روايات ابن الأبار في الحلة السيراء، وابن سعيد في المغرب في حلى المغرب، وابن سماك العاملي في الزهرات المنثورة، وابن الخطيب في أعمال الأعلام، والمقري في نفح الطيب، لتأكيد ما ورد في المقتبس لابن حيان، خاصة أنهم نقلوا عنه في مؤلفاتهم.

وكان كتاب الذخيرة لابن بسام من أهم أعمدة الدراسة، فقد استقيت منه معلومات مُهمة عن تجارة السلع المنهوبة زمن الفتنة البربرية، وتكمن أهمية هذا الكتاب أنه نقل جُل رواياته عن ابن حيان المعاصر لتلك الحقبة، ووقفت أيضًا على مادة علمية ثرية تخدم موضوع الدراسة فى كتب التراجم؛ فقد زودني كتاب الصلة لابن بشكوال بروايات مهمة عن تجارة الكُتب المنهوبة زمن الفتنة البربرية، وأمدتني كتب الحسبة، ومنها: رسائل ابن عبدون وابن عبد الرؤوف والسقطي المالقي في الحسبة وآدابها بمعلومات مهمة عن بعض السلع المنهوبة، والاجراءات التي اتخذها المحتسب لمنع تلك التجارة في الأسواق داخل المدن الأندلسية وخارج أسوارها. وتكمن أهمية تلك الرسائل أيضًا أنها تحوي فتاوى مشاهير الفقهاء المالكية بقرطبة في عصر الدولة الأموية، ومنهم: محمد بن وضاح، وعبد الملك بن حبيب. ويكتسي كتاب المعيار المعرب للونشريسي (ت914هـ/ 1008م)، أهمية خاصة للدراسة، فهو يعتبر رغم تأخره زمنيًا من أهم مصادر دراسة المجتمع الأندلسي؛ فقد احتوى على فتاوى فقهاء عصر الدولة الأموية، ومنهم: ابن لبابة، وابن زرب، وابن المكوي، وكانت تلك الفتاوى تمثل الأساس الفقهي الذى اعتمده أهل الأندلس عند قيامهم بردع اللصوص والجياع تجار السلع المنهوبة.

(1) أسباب ظاهرة تجارة السلع المنهوبة ومدى انتشارها في الأندلس

كانت تجارة السلع المنهوبة في الأندلس من الآثار السلبية للإضطرابات الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية في المجتمع الأندلسي كما في غيره من المجتمعات الإسلامية. وقد اتخذت تلك الاضطرابات مظاهر عدة، نذكر منها: الكوارث الطبيعية، والفقر، والأزمات السياسية، وغيرها.

1/1 الكوارث الطبيعية: ارتبطت اللصوصية ونهب السلع وبيعها، بتعاقب المجاعات وتوالي سنوات الجفاف في عصر الدولة الأموية، وما ترتب عليها من غلاء الأسعار وانعدام الأقوات. ففي أثناء المجاعة الشديدة التي وقعت في سنة 260هـ/ 873م، كثر تطاول الفسدة، بسبب ما كانوا يعانونه من ضر السنة ، وتطاول الفسدة أيضًا عقب القحط العام الذي شهدته الأندلس وأطرافها وثغورها في سنة 302هـ/914م، فقد غلت الأسعار في جميع جهات الأندلس، وقلت الميرة في الأسواق.

وقد تفاقمت اللصوصية كلما حَلْت المجاعة بالأندلس، فكان الجياع يَسْطُون على كل ما تصل إليه أيديهم كما حدث أثناء مجاعة سنة 303هـ/915م، إذ كانوا مع غلبة الجوع عليهم لا يَفْتُرون كما ذكر ابن حيان "عن العدوان على مًنْ مرّ بهم مِن رفاق المسلمين، وطالبي المعيشة، وجالبي الميرة". 

1/2 الفقر: كان الفقر أحد أسباب انتشار اللصوصية وبيع السلع المنهوبة . وقد أكدت المصادر الأندلسية أن الفقر كان يعتبر من عوامل فساد الذمم والأمانة، فقد هاجم العوام مدينة الزاهرة ونهبوها سنة 399هـ/1009م، وهم يومئذ كما ذكر ابن عون الله "بحال إضاقة" ، وكان بعض الفقراء والمعدمين يلجأون إلى السرقة، وكان بعضهم يأكل بعض المسروقات، خاصة الأطعمة والمزروعات ولحوم المواشي، ليسدوا رمقهم، بينما قام بعض المعدمين ببيع بعض مسروقاتهم، خاصة الثياب، والحلي، وجلود الحيوانات ، لتدبير بقية احتياجاتهم، ولذلك تعاطف الفقهاء معهم، فخففوا من أحكامهم لصعوبة الظروف التي دفعتهم إلى السرقة، فأفتوا بعدم قطع يد السارق في سنة المجاعة . 

1/3 الأزمات السياسية 

تعرضت بلاد الأندلس لبعض القلاقل والاضطرابات السياسية والعسكرية الحادة في فترات متباينة من العصر موضوع الدراسة، وقد ترتب على ذلك انهيار وحدة البلاد السياسية وإنعدام الأمن، فانتشرت اللصوصية، وراجت تجارة السلع المنهوبة. 

1/3/1 إنحلال الإمارة الأموية (275 - 300هـ/ 888 - 912م): تمركزت حركة الصعلكة في الجبال، والقرى، وأحواز المدن. وفي كثير من الأحيان كان الصعاليك يقتحمون المدن فينهبون دور الأستقراطية والأثرياء، وكانت مداهمتهم لها تقع يوميًا  . ففي سنة 276هـ/889م، قطعت جماعة من اللصوص وقطاع الطرق بقيادة الطماشكة الطريق ما بين قرطبة وإشبيلية، وتصدوا للقوافل التجارية التي تحمل سلع الكماليات ومواد الترف وكافة أصناف التجارات الأخرى.

ونشأت فرقة من الصعاليك في قرية قسولة في غربي الأندلس، وكانوا يغيرون على الضياع المجاورة للقرية، ووجدوا ضالتهم في هذه الغارة حيث امتلأت أياديهم بالغنائم.

وأقفرت كثير من قري إشبيلية آنذاك، وقد علق ابن حيان على ذلك، فقال: " وكانت تلك القرى كلها خالية من أجل الفتنة "، وفي الطريق المؤدية إلى بجانة تكونت مجموعة كبيرة من الصعاليك في حصن منت روي، ونظرًا لغياب سلطة قادرة على إقرار الأمن كانت تعترض سبيل التجار القاصدين مدينة بجانة، وتسلب منهم تجاراتهم وأموالهم " فكان من سلك تلك السبيل من وارد أو صادر لا يسلم من عادية ذلك الحصن، وكانوا يسفكون الدماء ويسلبون الأموال، ويخيفون السبيل".

وكان يحيى بن ذي النون أجرأ بني ذي النون أصحاب كورة شنت برية على السلطان "وأثقلهم وطأة على الرعية وأدومهم على قطع السبيل وإشاعة الفساد في الأرض وسفك الدماء وافتراص الرفاق".

1/3/2 الفتنة الكبرى (399 - 422هـ/ 1009 - 1031م): وقعت الأندلس فريسة للفتن والاضطرابات من جراء الصراع الدامي بين الأندلسيين والصقالبة Los Eslavos، والبربر الطارئين Nuevos Los Bereberes في أعقاب سقوط الدولة العامرية حتى نهاية الخلافة الأموية، فيما عرف بالفتنة الكبرى (القرطبية، والبربرية) ؛ فقد أمر الخليفة محمد بن هشام بن عبد الجبار المهدي سُفال جند العامة بمهاجمة دور بني ماكسن بن زيري وزاوي بن زيري، وغيرها من محلات زعماء البربر، في حي الرصافة بقرطبة وانتهبتها ، وتعرضت منازل القرطبيين على اختلاف طبقاتهم لأعمال السلب والنهب، فعند دخول البربر قرطبة عقب انتصارهم على الخليفة المهدي في معركة قنتيش (ربيع الأول 400هـ/ نوفبر 1009م)، نهب بعض عبيدهم عدد من منازل أرباضها.

وبعد هزيمة الخليفة سليمان بن الحكم المستعين بالله وأنصاره البربر في موقعة عقبة البقر El Vacar (شوال 400هـ/ مايو 1010م)، واستيلاء الخليفة المهدي على الخلافة للمرة الثانية، تعقبهم القرطبيون ففروا عن قرطبة، وكانوا يعانون من قلة الأقوات والميرة، فهاجموا مدن وقرى موسطة وجنوب الأندلس، ومنها: جيان، ومالقة، وقبرة  Cabra، وأستجة Ecija، وكانت تلك المناطق كثيرة الثمار والبساتين، ولها أعمال وقرى كثيرة، وتعدوا على أموال الأندلسيين.

وقد علق  ابن الأبار على تلك الغزوة التخريبية، فذكر أن سليمان المستعين كان يجوس الأندلس " ورجاله ومن معهم من البربر ينهبون ويقتلون ويقفرون المدائن والقرى بالسيف، وينهبون كل ما يجدون من الأموال "  ،وقد دفعت الحاجة بعض الناس إلى ارتكاب السرقات والقيام بأعمال السلب والنهب آنذاك، فكان رجال الحاجب واضح الصقلبي، ينهبون ما يفضله البربر في القرى والأقاليم بقرطبة وأرباضها. 

وكان متلصصة البربر يترصدون أهل قرطبة في الظلام في الطرق المتفرعة من ساحة المسجد عند خروجهم إلى صلاة العتمة وعودتهم منها بقصد الاعتداء عليهم وسلبهم، وقد استفتى أهل قرطبة فقهاء المالكية أن يعجلوا صلاة العتمة، فأجازوا ذلك . وأجاز الفقهاء للتجار أيضًا أن يصلوا الصلوات الجامعة في حوانيتهم مع قرب المسجد إليهم، لعذر يخرجهم إلى ذلك  ، وكان مبعث هذا التوجه عدم أمن الناس على بضائعهم بسبب كثرة السرقات.

ولم يتوقف بعض اللصوص القرطبيين والبربر والصقالبة عن سرقاتهم رغم استقرار الأوضاع بقرطية نسبيًا في عهد الخليفة علي بن حمود (407-408هـ/1016-1018م)، فقد ضبط الخليفة أحد فرسانه البربر بحِمْلُ عنب، فلما سأله عن مصدره، برر سرقته له بأنه أخذه كما يأخذ الناس . ويدل ذلك على استشراء ظاهرة السرقة في المجتمع القرطبي آنذاك، وأن الناس تحت ضغط الحاجة قد حللوا الحرام. ونظرًا لسوء الأوضاع الاقتصادية وفقر الخزانة بقرطبة الناجم عن الحرب الأهلية زمن الفتنة، فقد قام جند الخليفة عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار الملقب بالمستظهر (414هـ/1023م)، وحرسه بنهب أملاك القرطبيين المهاجرين عنها، وباعوها، لينفق من ثمنها على  نفسه وعلى جنده، وقد صور ابن حيان سوء أحوال ذلك الخليفة وجنده بدقة، فقال" سلطان فقير، لا يقع بيده درهم إلا من صُبابة مُسْتَغَل جَوف المدينة، أو نَهْب مَغلول ممن تَقلْقَل عنها، يُقيمُ منه رَمقّه، ويفرّق جملته على مَنْ تكنفهُ من جنده ودائرته".

وقد تأثر النشاط التجاري القرطبي زمن الفتنة؛ إذ فقد التجار حرية التنقل وشعروا بعدم الأمان على أرواحهم وتجارتهم عند سلوكهم الطرق التجارية في الداخل، وتوقفت تقريبًا حركة الصادرات نتيجة الحصار الذي فرضه البربر على قرطبة، فارتفعت الأسعار وتفاقم الغلاء، فاضطر أهل قرطبة إلى الهجرة إلى البوادي والسواحل، وألجأتهم الحاجة إلى أكل الدم من مذابح البقر والغنم، كما أكلوا الميتة.

وقد كسد النشاط التجاري الطبيعي بأسواق قرطبة أيضًا نتيجة لسياسات بعض الحكام، فكان الخليفة المهدي مفترسًا للتجار ، فهاجر كثير منهم من قرطبة إلى مناطق الاستقرار بالأندلس ، ونتيجة لسياسة الخليفة علي بن حمود التعسفية مع القرطبيين، فقد لزم تجار قرطبة بيوتهم، وقلْ ظهورهم، فخلت أسواقهم، فإذا دنا المساء وكف الطلب عنهم، انتشروا تحت الظلام لبعض حاجتهم ، وكان حَكم بن سعيد وزير الخليفة هشام المعتد أخر الخلفاء الأمويين (421هـ/1030م)، يأخذ أموال التجار.         

1/4 التطلع إلى الحرية: كان التطلع إلى الحرية أحد أسباب السرقة وبيع المنهوبات، فكان بعض العبيد يلجأون إلى السرقة وبيع مسروقاتهم، ليدبروا المال اللازم لفداء أنفسهم، فالونشريسي يذكر أن أحد العبيد سرق بعض الأشياء من سيدته وباعها، ليفتدي نفسه عند سيده الجديد الذي اشتراه من المالكة الأولى لرقبته . ونستدل من رواية مهمة لابن عبدون أن العبيد وخدم القصور كانوا يتعدون على أموال الناس في أيام حصاد الغلات، ويعبرون بها أودية الأنهار، لبيعها في ناحية أخرى من المدينة بعيدًا عن عيون أصحابها . ونهب العبيد ما لم تحرقه النيران التي اندلعت بأسواق قرطبة زمن الفتنة، وباعوا تلك السلع المنهوبة.

(2) أنواع تجارة السلع المنهوبة وأماكن بيعها 

 رصدت الدراسة عددًا من أنواع تجارة السلع المنهوبة، وهى: تجارة السلع المنهوبة من القطاعين الزراعي والحيواني، وتجارة بيع الأحرار ضحايا الحروب الأهلية،وتجارة المتاع والجواهر النفيسة المنهوبة والمُصَادَرَة، وتجارة الكتب المنهوبة، وتجارة الأنقاض المنهوبة من القصور الخلافية ودور الأرستقراطية.

2/1 تجارة السلع المنهوبة من القطاعين الزراعي والحيواني

تعرض القطاعين الزراعي والحيواني للسلب والنهب مرات كثيرة في أوقات النكبات السياسية والطبيعية التي حلت بالأندلس، وبيعت المحاصيل والحيوانات المنهوبة قريبًا من المناطق المنهوبة وبعيدًا عنها أيضًا. 

2/1/1 تجارة المحاصيل والثمار المنهوبة 

كان اللصوص والنّهابة يتعدون على أموال الفلاحين وغلاتهم في البوادي في أيام الحصاد ، وكان بعض السرّاق من الشبان وأهل البادية يبيعون منهوباتهم بأنفسهم في الأسواق، ومنها: الزيتون الغض، والفاكهة . وهاجم رجال الخليفة علي بن حمود، وغيرهم من السراق والجياع، بساتين أهل قرطبة وسرقوا محاصيلها، ومنها العنب، ليأكلوها  .وصادر حكم بن سعيد وزير الخليفة هشام المعتد أموال وجوه أهل قرطبة وضياعهم ومحاصيلهم، وباعها؛ فقد ذكر ابن حيان أنه صادر أموال أحد أبناء القاضي أبي العباس بن ذكوان، ونهب ضياعه وغلاله وباعها، فاضطر ابن ذكوان إلى الفرار من قرطبة.

2/1/2 تجارة المواشي والضأن المنهوبة

تعرضت ثروات الأندلسيين من الدواب والبقر والمواشي للنهب من جراء الصراعات الدموية في عصري الطوائف الأول والفتنة البربرية. فقد أغار بعض متلصصة أهل شذونة Sidona على جزيرة المنذر بن عبد الرحمن عم الأمير عبد الله بن محمد عند مصب نهر الوادي الكبير Guadalquivir، فهاجموا ما بها من ثروة حيوانية ونهبوها، وكانت مائة جواد ومائتين من البقر، فاستاقوها كلها وغنموها ، وهاجم عمر بن حفصون، وكان أتباعه شُطار الناس وشرارهم فكان يمنيهم بفتح البلاد وغنائم الأموال ، نواحي جَيّان سنة 297هـ/909م "فأصابوا الدواب والبقر والمواشي" ، وعند نكوث محمد بن إبراهيم بن حجاج عن طاعة الأمير عبد الرحمن الثالث سنة 301هـ/913م، بادر بالخروج نحو حصن قبرة في طريقه إلى مدينة قرمونة، فألفى في طريقه أغنامًا لأهل قرطبة، فأغار عليها ، وكان جياع أهل قرطبة زمن الفتنة الكبرى يسطون على حظائر المدينة ويسرقون مواشيها، ويذبحونها ثم يبيعونها، فيأكلها الناس كالحلال الذي لاشك فيه.

وأغار البربر كما ذكر ابن الخطيب على مالقة والبيرة وما اتصل بأحواز قرطبة سنة 401هـ/ 1011م، ينسفون الأنعام ، وذكر ابن عذاري أن البربر خرجوا من جيان إلى أرملاط فى جمادى الآخرة سنة 401هـ/1011م، وقد ملؤوا أيديهممن البقر والغنم حتى عجزوا عن ضبطه، فكان جياع أهل قرطبة يسرون ليلًا على رعاة متفرقة فيأخذون منها ما قدروا عليه، فلا يتورّع عن شرائها كبير ولا صغير ، وكان الجند القشتالي حلفاء البربر في صراعهم مع أهل قرطبة يغيرون على قرطبة وأحوازها وينهبون ويسرقون " ثم يأتي أهل قرطبة فيشترون منهم نهبهم وأموال أصحابهم المسلمين، فلا يرجع عنها أحد منهم". 

وكانت بعض السلع المنهوبة تختلط مع السلع العادية في الأسواق الصغيرة (السويقات) المقامة خارج أبواب بعض المدن الأندلسية ، ونستدل من رواية لابن عبدون على كثرة تداول السلع المنهوبة، خاصة جلود البقر ولحومها، في تلك الأسواق، فذكر أنه يجب على القاضي أن يجعل رجلًا خارج الأبواب "يبحث عمّا يُباع هناك من جلود البقر ولحومها، فإنها مسروقة، ويبحث عن أربابها، فإن عرف أن صاحبها ساقها، يترك، وإلا أُنكر عليه، ولا يقال بإنه سارق، فأكثر ما يباع هناك السرقات".

وإذا تشكك ذلك الرجل في أحد الباعة والسلع المباعة في هذه الأسواق أوقف بيعها " حتى يؤتى عليه ببينة أو شبهة أنه ماله وملكه، فيُترك له". وقد وجدت في بعض المدن الأندلسية فنادق للتجار والغرباء ، فمن المرجع أن بعض التجار الغرباء ممن كانوا يحملون سلعًا منهوبة من بلادهم، قاموا ببيعها في هذه الفنادق. 

وكان بعض اللصوص يبيعون منهوباتهم من القطاعين الزراعي والحيواني بأنفسهم، ولكن في أماكن بعيدة عن المدن، وغالبًا ما تكون بخارج أبوابها، فأكثر ما يباع هناك كما ذكر ابن عبدون السرقات . وحرص بعضهم على إبعاد الشبهات عن أنفسهم، فكان يعهد إلى بعض الوسطاء لبيعها بالأسواق، فالونشريسي يذكر أن القوم المعروفين بالغصب كانوا "يدفعون الثياب والماشية لمن يبيعها لهم، أو الغنم لمن يذبحها، والثياب لمن يقطعها". وكان بعضهم يُغيّرون ملامح مسروقاتهم، خاصة الحيوانات، للتمهويه وتسهيل بيعها، خشية أن يفتضح أمرهم ويتعرف عليها أصحابها، فالعامة تقول: "اللون يبيع البرذون" ، ويذكر أحد الدارسين أن غجر الأندلس كانوا يقومون بصبغ الحمير، ليسهل بيعها .   

وجدير بالذكر أن الرقابة على الأسواق قلت في أوقات الفتن والحروب الأهلية وانعدام الأمن. وقد انعكس نهب الضياع والبساتين والحظائر على ما يجلب إلى الأسواق من سلع ، إذ اختلط حلالها بحرامها، فتحرّج الناس من شرائها، وعرض ذلك على أحد الفقهاء المعاصرين للفتنة، فأفتى بأن "من أراد الورع فلا يشتري من تلك الأسواق شيئًا، إذ كان الأغلب فيها الحرام"،  ورغم تحريم الفقهاء لذلك، فإن الناس لم يمتنعوا عن التردد على تلك الأسواق، وشراء السلع المنهوبة، لرخص أسعارها.  

2/2 تجارة بيع الأحرار ضحايا الحروب الأهلية 

أسفرت الحروب الأهلية وغارات الممالك الإسبانية على ثغور الأندلس في عصر الدولة الأموية عن نوع آخر من تجارة السلع المنهوبة، هو بيع الرجال الأحرار أسرى الصراعات، والنساء الحرائر والأطفال المخطوفين، فقد هاجم بعض المنتزين على الإمارة الأموية المناطق القريبة من قرطبة وغدروا بأهلها، فسبوا النساء وخطفوا الأطفال من ذويهم، فذكر ابن حيان أن عمر بن حفصون قد عاهد أهل بيّانة Baena قاعدة كورة قبرة بموسطة الأندلس على الأمان عند حصاره لحصنهم في سنة 276هـ/ 889م، فلما نزلوا إليه، نكث بعهده وغدر بهم، وتقبض عليهم " فقتل جماعة منهم، وأصاب أموالهم، وسبى ذراريهم، وأقبل بجميع نهبهم وما غنمه لهم فصيره بداخل حصن بلاي من كورة قبرة " ، ونستدل من رواية لابن سهل أن يهوديًا من أهل طليطلة خطف صبيًا حُرًا من أهله وباعه كرقيق، فاشتراه يهودي آخر واتخذه لخدمته ، وهاجم البربر أيضًا قرية طلياطة من أحواز إشبيلية وقتلوا " كل مَنْ وجدوه فيها، واستباحوا أموالهم، وسبوا ذراريهم".

وقد استعبد عمر بن حفصون الرجال أسرى الحروب مع الإمارة الأموية، وباع بعضهم في أسواق الرقيق، وقد أكد فقهاء قرطبة ذلك حين قالوا: " إذ كثر بيع الأحرار في فتنة ابن حفصون " ، وفي موضع آخر ذكر ابن سهل أن بيع الأحرار كان فاشيًا في بعض المدن الأندلسية من جراء فتنة ابن حفصون ، وذكر السقطي أن بعض العبيد الذين كانوا يباعون في الأسواق الأندلسية كانوا من الأحرار.

وسبيت إحدى النساء بحصن بلاي Poley، فبيعت بإشيلية، فأضر بها مالكها، فهربت إلى قرطبة، فقبض عليها فارسان وأراد أخذها إلى بطليوس وبيعها هناك، ففرت منهما إلى القاضي واشتكتهما عنده، ففرا، فأفتى الفقهاء بإطلاق سراحها  . وذكر ابن حيان أن المجوس الخارجين بساحل الأندلس الغربي أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن أسروا سعدون بن فتح السرنباقي "ففداه منهم بعض تجار اليهود يتبغى الربح معه، فقارض اليهودي إلى أ هرب عنه واخفر ذمته وأخسره ماله".

وعندما هاجم سانشو بن غرسية Sancho Garcesبن ونقة Onneca(وبالإسبانية الحديثة Iniga) البشكنسية Vasconesصاحب بنبلونة Pamplonaقاعدة مملكة نافارا Navarra، أهل مدينة تطيلة Tudelaمن نواحي الثغر الأعلى سنة 303هـ/915م، قتل خلقًا من أهلها وممن جاورها من أهل القرى، وأسر بعض أهالي تلك المناطق، وأسر أيضًا أميرها عبد الله بن محمد بن لب بن موسى القسوي، ومما لاشك فيه أن ملك بنبلونة استعبد بعض هؤلاء الأسري، وباع بعضهم الآخر في أسواق الرقيق.

وانعكس ذلك الوضع على بعض طوائف المجتع الأندلسي، فباع بعض الأحرار بناتهم كعبيد، وفي مستهل الفتنة البربرية بالأندلس وأثناء الصراع بين البربر والأندلسيين، هاجم البربر مدن إلبيرة Elvira، ومالقة، والجزيرة الخضراء بجنوب الأندلس، فنهبوا وخربوا، وسبوا النساء، والذراري ، وذكر ابن حيان أن حرس الدائرة وعامة قرطبة انقلبوا على الخليفة المستظهر ورجاله البربر، فهاجموا قصر الخلافة بقرطبة، ليفتكوا بهم، ففروا، فبحثوا الثوار عنهم وقتلوا من وجدوه منهم، وفضحوا حريم الخليفة " وسبى أكثرهن الدائرة وحملوهن إلى منازلهم علانية، وجرى عليهن ما لم يَجْرِ على حُرم سلطان في مدة تلك الفتنة". 

وكانت مسألة سبي النساء والأطفال بادرة خطيرة في تعامل الأندلسيين مع بعضهم بعضًا إبان الفتن، وقد انزعج الفقيه محمد بن وضاح من تلك الحالة التي تمر بها البلاد، فطفق يردد في مجالسه مرارًا قوله: " كتابُ الله قد بُدل، وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم قد غيرت، ودماء قد سفكت، وكرائم قد سبيت " . ومما لا شك فيه أن هؤلاء الأطفال لم يدخلوا بيوت المتغلبينللخدمة، ولم تدخلها النساء كزوجات، ومحظيات، وجواري خدمة فقط ، فقد عرف بعضهم طريقه إلى أسواق الرقيق. فقد شارك التجار القرطبيين جند العامة في قتل البربر بقرطبة سنة 399هـ/ 1009م، وكان الخليفة المهدي قد حرّض على قتل البربر واستئصال شأفتهم من قرطبة، فخصص المكافأت لمن يأتي برأس بربري، فتسارع أهل قرطبة في قتلهم، فلم يبق تاجر ولا جندي إلا وعمل مجهوده في ذلك، فنهبت "ديار البربر، وهتك حريمهم، وسبي نساؤه وباعوهن في دار البنات " ، وقام القطلان الإسبان حلفاء الخليفة المهدي بعد انتصارهم على البربر في موقعة عقبة البقر (شوال 400هـ/ مايو 1010م)، بسبي النساء القرطبيات بالبوادي أيضًا، ورفضوا ردهن إلى ذويهم رغم المبالغ الكبيرة التي دفعوها لهم لفدائهن ،  وذكر المؤرخ المجهول صاحب ذكر بلاد الأندلس أن البربر أخذوا أموال الأندلسيين في دولة الخليفة المستعين وهتكوا " أستارهم وحريمهم، فاستحلت الحرم في دولته، وبيعت الحرائر وسفكت الدماء"، وقد كانت أيام المستعين كما وصفها ابن حيان " شِدادًا نَكِدات، صعابَا مشئومات"، وأذن الوزير ابن مناو في دولة الخليفة هشام المؤيد الثانية لمن يرغب من أهل قرطبة في الخروج منها، وأمر بفتح أبواب المدينة، فلما حصلوا خارجها، ومشوا قليلًا " أمر بهم فأخذت أموالهم وقتل أكثرهم مع نساء كُن معهم، وأمر ببعضهن أن يبعن كما تباع السبي، فكان هذا من جملة محنة أهل قرطبة " . وأقبل أبو القاسم محمد بن عباد عند استقلاله بإشبيلية زمن الفتنة البربرية كما ذكر ابن حيان على شراء العبيد، فامتلك كثير منهم، فزاد على أكثر ملوك الطوائف " بكثافة سلطانه وكثرة غلمانه".

وقد يكون بعض هؤلاء العبيد من الأحرار الذين استعبدوا آنذاك وبيعوا في الأسواق. وقد يكون بعضهم أيضًا من العبيد المسروق الذين يبيعهم النخاسون كما ذكر السقطي في الأسواق  .

2/3 تجارة المتاع والجواهر النفيسة المنهوبة والمُصَادَرَة

2/3/1 نهب ومُصَادَرَة المتاع والجواهر النفيسة والتجارة بها: تردد بعض تجار التحف ونفيس الجوهر المشارقة على حُكام الأندلس والأمراء الإقطاعيين المشهورين بولعهم بإقتناء الذخائر النفيسة، لإحسانهم إليهم، وشراءهم تلك البضائع بالأسعار الباهظة. ففي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط (206-238ه/ 822-852م)، دخل الأندلس كما ذكر الرازي " نفيس الجهاز من فاخر المتاع، ونفيس الجوهر، وشريف الكساء، وغالي الوطاء.

وقصدتها تجار البحر بكل عِلْقِ كريم، ومتاع نفيس، فنفق الأمير عبد الرحمن أسواقهم، وثامنهم في بضائعهم، فاغتبطوا ببياعاتهم، ووالوا انتجعاتهم " ، وفي عهد خليفته وولده الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط (238-  273هـ/ 852-  886م)، دخلت الأندلس كما ذكر ابن حيان صنوفًا من المتاع الفاخر، والرياش النادر" ما لم يدخل في أيام مَنْ قبله من الخلفاء " ، وجُلبت تلك البضائع كما ذكر ابن عذاري " من بغداد وغيرها".

وكان التُجار يقصدون إبراهيم بن حجاج المنتزي على الأمير عبد الله بن محمد بإشبيلية (ت288هـ/ 901م)، بسلع الكماليات والترف، فكانت سوقها نافقة عنده، فابن حيان يذكر أنه كان " مُنتجعًا على البر والبحر، مقصودًا بالغرائب والطرائف من الأمتعة والألة "  ، وكان ابن حجاج يرسل الأموال إلى أسواق المشرق الإسلامي، لشراء ما يلزمه من السلع الثمينة؛ فقد وجه بأموال عظيمة إلى المشرق كما ذكر أبو عامر السالمي صاحب  كتاب " دُرر القلائد وغُرز الفوائد " لشراء قمر الجارية البغدادية، وكانت " كالبدر المُنير، ذات بيان وفصاحة ومعرفة بالألحان والغناء"، وقدم أحد التجار المشارقة من مدينة عدن إلى الأندلس في خلافة هشام المؤيد ومعه جوهر كثير وأحجار نفيسة، فاشتراها منه الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر. 

وكان تجار السلع النفيسة المنهوبة، خاصة الحلي والأحجار الكريمة، لا يبيعونها في ذات الأماكن التي نُهبت منها، بل كانوا  يتوجهون بها إلى أماكن بعيدة بداخل البلد أو خارجها. فالتجار الذين عثروا على العقد المعروف بالثعبان، وكان للسيدة زبيدة زوج الخليفة العباسي هارون الرشيد، وأم الخليفة الأمين، وغيره من الأعلاق والذخائر الخلافية  ، قاموا بالإبتعاد بها عن العراق إلى الأندلس كما ذكر ابن حيان حيث أمِنوا عليها، وقد حصل الأمير عبد الرحمن الأوسط من رفيع ذلك، ما لا كِفاءَ له تجلّة، فاشترى عقد الثعبان بعشرة آلاف دينار، فعُرف بعد ذلك بعقد الشفاء حظية الأمير عبد الرحمن، ووافق ذلك أوان تنازع محمد الأمين وعبد الله المأمون ابني الرشيد الملك بالمشرق، وغلبة أصحاب المأمون على بغداد، وقتلهم لأخيه الأمين، وانتهابهم لخزائنه.

وعند اندلاع ثورة القرطبيين على العامريين سنة 399هـ/1009م، وتحولها إلى حرب أهلية بين طوائف المجتمع الأندلسي فيما عرف بالفتنة الكبرى (400هـ/1010م)، تعرضت القصور الخلافية بقرطبة والزهراء والزاهرة، وبعض منيات قرطبة، وقصور القرطبيين، وكبار رجال الدولة من العامريين والبربر والصقالبة للنهب، فقد امتدت أيدي النهّابة إلى ما كل وجدوه من نفيس الجوهر، وفاخر المتاع، والآلات، والسلاح. وكانت مدينة الزاهرة " ذات القصور الفخمة والمنزهات المخترعة "، الضحية الأولى لثورة القرطبيين ضد الاستبداد العامري، فقد هاجمها الثوار صبيحة يوم الأربعاء 17 جمادى الآخرة 399هـ / 16 فبراير 1009م، واستولوا على الحاجبية قصر عبد الملك المظفر العامري وولده وأمه الذلفاء، وكان إلى جانب الزاهرة بخارج سورها، ونهبوا ما به من تحف وروائع وسلبوا أمتعته وذخائره ، وترتب على ذلك استسلام أهل الزاهرة، فاجتاحتها العامة وانتهبت ما كان فيها من الأموال وخزائن الأسلحة وخزائن الجوهر والأمتعة والآلات السلطانية، فاستأثر  محمد بن هشام بن عبد الجبار زعيم الثوار بأكثره ، وقد أفاض ابن الخطيب في وصف ما كانت تحويه الزاهرة من خزائن الأسلحة والعدد، وخزائن الحلية، وذكر أن كل تلك الخزائن أحاط بها " النهب يوم قيام ابن عبد الجبار خطفة في ساعة، لم يحصل منه على شركة، فأعظم بها نكبة".

ونهبت العامة مساء نفس اليوم دورًا كثيرة لرؤساء الدولة العامرية من صقالبة وبربر، ونهبت أيضًا دور الوزراء المجاورة للزاهرة  . ثم أمر الخليفة المهدي برفع الأيدي عن النهب لما بقي بداخلها، وتمكن من بيوت الأموال فأخذ في نقلها إلى قصر الخلافة بقرطبة على سبيل من النهب، إلى أن استصفى كلما وجد بها  ، فلم يتخلف عن أخذ مال ابن عبد الجبار الذي بويع بالخلافة وتلقب بالمهدي " واستحلال نهبه والدخول في فتنته فقيه ولا عالم ولا عدل ولا إمام ولا حاج ولا تاجر إلا قام في نصرته بما قوي عليه من لسانه ويده وتكلف حمل السلاح". 

وقد تمكن الخليفة المهدي من بعض خزائن الجوهر والأمتعة والآلات السلطانية عند دخوله قصر الخلافة بقرطبة ، وقد دله الفتى فاتن الصقلبي الكبير صاحب القصر الضابط لأبوابه على خزائن أخرى لم يهتدي إليها، فقد دفع إليه كما ذكر ابن عذاري كتابًا " فيه جميع ما تركه الخلفاء الأمويون وذخائرهم مما لم يقف عليه ابن الجبار ولا اهتدى إلى موضعه من بيوت الأموال، وغير ذلك من نفيس الأعلاق والأمتعة العالية والآنية وما شبه ذلك، فاحتوى ابن عبد الجبار على الجميع " . وتعرض القصر الخلافي للنهب في دولة الخليفة هشام المؤيد الثانية، فقد سلبه ابن متيوه كل متاع منه، وتسلل هاربًا إلى بطليوس Badajoz في رجب 403هـ/ يناير 1013م، وتعرض من جديد للنهب إبان ثورة العامة على الخليفة هشام المعتد، فقد امتدت أيدي النهابة إلى ما وجدوه من فاخر المتاع والآلات والسلاح حتى كفهم ابن جهور عميد الجماعة والوزراء عن ذلك ودفعوهم عن القصر. 

وقد بيعت تلك المنهوبات في جهات كثيرة بالأندلس، واشتراها التجار وحكام الأقاليم، ولم يتورع عن شرائها حتى الأتقياء وأهل الصلاح، ويعلق الرقيق القيرواني على ذلك، فقال: " وصار يباع بكل جهة، لا يَرْع عنه مَنْ يُشار إليه بصلاح أو عفة " ، وأكد المقري ذلك، فقال عن الزاهرة " نُهبت ذخائرها، وعم بالخراب سائرها، فلم تبق دار  في الأندلس إلا ودخلها من فيئها حصة كثيرة أو قليلة " . ولم يقتصر بيع منهوبات القصور الخلافية بالأندلس فحسب، إنما بيعت أيضًا ببعض بلدان المشرق، فذكر المقري أن بعض ما نهب من الزاهرة " بيع ببغداد، وغيرها من البلاد المشرقية". 

واضطرت الأوضاع المتردية في قرطبة خلفاء بني أمية الأواخر إلى بيع ما كان بقصر قرطبة من الذخائر من سائر المتاع  بأرخص الأثمان، وقد انتشرت تلك الذخائر بأقطار الأندلس زمن الطوائف  ، وقد حرص بعض ملوك الطوائف على إقتناء المتاع الفاخر والجوهر النفيس، فكان هذيل بن خلف بن لب بن رزين صاحب السهلة المعروفة بشنتمرية الشرق، موسطة ما بين الثغرين الأعلى والأدنى (403- 436هـ/1013-1045م)، أرفع ملوك الطوائف همة في اكتساب الآلات، وإقتناء القينات ، وذكر ابن حيان أنه لما اتسعت الدنيا للفتيين مبارك ومظفر الصقلبيين صاحبا مدينة بلنسية بشرق الأندلس  Valencia، طلبا فاخر الأسلحة والآلات والخيل المغرفات ونفائس الحلي والحلل، فصارت دولتهما أثرى الدول، ولحق بهما " كل عريف ورئيس كل صناعة معروف، فنفق سوق المتاع لديهم وجلبت كل ذخيرة إليهم "  ، وبرهن ابن حيان على ارتحال تجار السلع النفيسة المنهوبة نحو بلنسية، فقال: " وبُعْثِرَ عن ذخائر الأملاك لقصرهم، وضرب تجّارُها أوجه الركاب نحوهم، حتى بلغوا من ذلك البغية".

وقد اقتدى بعض أصحاب مبارك ومظفر بهما في اقتناء الذخائر والآلات والأمتعة النفيسة المنهوبة من قرطبة، فذكر ابن حيان أن قصر مؤمل القشتالي ببلنسية احتوى على الآلات والآنية والمائدة الفخمة ما لم يشاهد مثله قط في قصر قرطبة ، وقد حرص أحمد بن عباس وزير زهير العامري صاحب المرية  على اقتناء فاخر المتاع، ونفيس الأثاث والكُراع والآنية، فاجتمع عنده من هذه السلع النفيسة كما ذكر ابن بسام ما لم يجتمع عند أحد من نظرائه. 

وذكر منندث بيدال أن عقد الشفاء ظل في خزائن خلفاء بني أمية بقصر قرطبة حتى سقوط الخلافة، ثم انتقل فيما نهب من تلك الخزائن إلى بني ذي النون ملوك طليطلة Toledo ، وذكر منندث بيدال أيضًا أن القادر بن ذي النون حمل ذلك العقد ضمن ذخائره عند رحيله من طليطلة بعد سقوطها إلى بلنسية، فصادره قاضيها جعفر بن جحاف المعافري البلنسي . ولما استولى السيد القنبيطور على بلنسية سنة 487هـ / 1094م، ظفر بهذا العقد، فأهداه لزوجته شمانة Jimena .

وقد شكك محمود علي مكي في صحة رواية منندث بيدال، وذكر أنه ليس على يقين من صحة ما ذكره من خبر ذلك العقد . ولم يقدم مكي سببًا لعدم اقتناعه برواية منندث بيدال. وإن كان ذلك لا يمنع أن عقد الشفاء المنهوب من خزائن قصر الخلافة بقرطبة قد بيع لأحد ملوك الطوائف، أو أحد أثرياء تلك الممالك أو وجوه الفارين إليها من مناطق التوتر، فقد كانت أكثر الذخائر المنهوبة من قصور الخلافة تباع بكل جهة. 

2/3/2 الأثار المترتبة على نهب ومصادرة الذخائر والمتاع والتجارة بها: ترتب على نهب الذخائر والمتاع ومصادرتها من أصحابها والتجارة بها آثار اجتماعية وخيمة؛ فقد أفادت الروايات أن الخليفة هشام المعتد ورث خزانة خاوية، فلجأ وزيره حكم بن سعيد إلى نكبة وجوه أثرياء قرطبة بمصادرة أموالهم، وذخائرهم، فاضطر بعضهم إلى الفرار من قرطبة  ، ودبر حكم بن سعيد أيضًا مؤامرة للإيقاع بالحاجب محمد بن المظفر عبد الملك بن أبي عامر، توطئة لنكبته ، فاتهمه بقتل سليمان بن هشام أحد أحفاد الخليفة عبد الرحمن الناصر، فلما علم ابن المظفر بنواياه ضده خاف على نفسه، ففر من قرطبة حاملًا معه عيون ذخائره وخاصة حريمه، تاركًا بداره بقرطبة بقية ودائعه، وتوجه إلى مدينة شاطبة Jativa، فرفض أصحابها الموالي العامريين استقباله، وأغلقوا أبواب مدينتهم دونه، فتحول إلى مدينة قرمونة Carmona، فخيب صاحبها محمد بن عبد الله البرزالي آماله، ورفض إجارته  ، فلما ضاقت به السبل لجأ إلى أبى حمامة حرزة اليصدراني صاحب حصن داره المطل على الوادي الكبير، فأجاره وأواه وبوأه منزلًا في حصنه المنيع ، فاستغل الوزير حكم بن سعيد فرصة استقرار ابن المظفر عند أبى حمامة حرزة اليصدراني، لمصادرة أمواله وذخائره التي خلفها فى قرطبة، فجد فى البحث عنها، حتى ظفر بها، فاستولى الخليفة المعتد عليها ونقلها إلى قصر الخلافة، ثم باعها بالإكراه وبأثمان باهظة للأغنياء وأعيان التجار من أهل قرطبة ، ويعلق ابن حيان على ذلك الحادث وآثاره السيئة فى نفوس تجار أهل قرطبة وغيرهم، بقوله: " فانفتح على أهل قرطبة فى هذا الوقت بذلك الوقت بلاء عظيم، أجلى بعضهم عن الأوطان بسبب تلك الودائع العامرية ". فرحل بعض تجارها بتجارتهم وأموالهم، ومنها: السلع المنهوبة من أطلال الزهراء، وغيرها، إلى بلنسية واستوطنوها.

وقد تأثر ابن المظفر تأثرُا شديدًا لمصادرة ودائعه بقرطبة وبيعها كسلع منهوبة، فقام بالتخلص من جوهره الثمين الذي كان معه كما ذكر ابن حزم " لئلا يتمتع به أحد بعده "  ، وعاش بعدها في منفاه بحصن داره في كمد وغُصة متحسرًا على ضياع ثرواته وتشرده إلى أن مات في رمضان سنة 421هـ/ أغسطس 1030م.

2/4 تجارة الكتب المنهوبة      

وكان لتجارة الكتب المنهوبة أيضًا سوقًا نافقة في بعض مدن الأندلس التي لم تتأثر بشدة من جراء الحروب الأهلية. فقد تعرضت مكتبة قصر الخلافة بقرطبة للعدوان، فقد أمر الحاجب المنصور بن أبي عامر كما ذكر صاعد الأندلسي بإخراج كتب المنطق والنجوم وغير ذلك من علوم الأوائل حاشا كتب الطب والحساب، وأمر بإفسادها، فطرح بعضها في آبار القصر وهيل عليها التراب والحجارة، وفعل ذلك تحببًا إلى عوام الأندلس " إذ كانت تلك العلوم مهجورة عند أسلافه مذمومة بألسنة رؤساهم، وكان كل من قرأها متهمًا عندهم بالخروج من الملة ومظنونًا به الإلحاد في الشريعة "  ، وباع واضح العامري حاجب الخليفة هشام المؤيد أكثر الكتب الموجودة بها بأوكس ثمن وأتفه قيمة ، ونهب البربر وعبيدهم ما بقي من كتب هذه الخزانة المشهورة عند دخولهم قرطبة عنوة في شوال 403هـ/ إبريل 1013م . ولم تسلم بعض المكتبات الخاصة من النهب والسلب أيضًا على أيدي البربر، فقد انتهبوا ثمانية أحمال من الكتب كان صاحبها عمر بن عبيد الله بن يوسف قد أعدها ليخرجها من بيته بالربض الغربي بقرطبة ، وتكرر نهب العامة لمكتبة مسجد القاضي عبد الرحمن بن فطيس، وكانت أعظم مكتبة بقرطبة بعد مكتبة القصر الخلافي، وقدر ثمنها بأربعين ألف دينار، وأقاموا في بيعها مدة عام كامل حسب رواية ابن بشكوال ، ونهب العوام أيضًا مكتبة فاتن الفتى الصقلبي محافظ قصر الخلافة بقرطبة بعد وفاته سنة 402هـ/ 1013م، وباعوها .

وقد وجدت تلك الكتب المنهوبة طريقها إلى مكتبات مدن الطوائف، وانتشرت بأقطار الأندلس كما ذكر صاعد الأندلسي، فأثرت في نهضتها العلمية والأدبية . فقد حرص بعض ملوك الطوائف وكبار رجال الحاشية والوزراء على خلق وعي علمي في نفوس مواطنيهم، فعملوا على تكوين مكتبات بمدنهم، فظهرت في طليطلة بقايا متفرقة من مكتبة القصر الخلافي بقرطبة ، واشتهرت دانية بمكتباتها العديدة، فقد جمع ملكها مجاهد العامري، وكان من أهل الأدب، والمحبة للعلوم وأهلها، وأكثر أهل الأندلس علمًا بالثقافة، من دفاتر العلوم ما لم يجمعه أحد من نظرائه من ملوك الطوائف، فامتلأت بها خزائن قصره ، ونفقت سوق الكتب المنهوبة بالمرية أيضًا زمن الفتنة، فقد كان الوزير الأديب أحمد بن عباس وزير زهير العامري كما ذكر ابن حيان جماعًا للكتب مقتنيًا للجيّد منها، مغاليًا فيها، نفّاعًا مَنْ خصه بشئ منها، حتى بلغت أربعمائة ألف مجلد . فلا شك أنه كان مقصدًا لتجار الكتب المنهوبة من قرطبة، طمعًا في مكاسب أكثر، فقد " أثرى كثير من الوراقين والتُجار معه فيها، حتى جمع منها ما لم يكن عند ملك "  . 

2/5 تجارة الأنقاض المنهوبة من القصور الخلافية ودور الأرستقراطية

تعرضت القصور الخلافية ودور الأرستقراطية القرطبية للهدم والتخريب من جراء الفتن والحروب الأهلية التي تعرضت لها البلاد، ثم بيعت أنقاضها المنهوبة داخل قرطبة وخارجها. فقد اجتاحت العامة مدينة الزاهرة وانتهبتها حتى اقتلعت الأبواب والوثائق والخشب الضخم، وغير ذلك مما حوته قصورها  . ولما فرغ المهدي من تحويل كل ما كان بالزاهرة " أمر بهدمها، وحط أسوارها، وقلع أبوابها، وتشعيث قصورها، وطمس آثارها، وسوغ العامة ما اقتلعوه من مرمرها وأنقاض قصورها ودورها فبلغوا من تدميرها في أيام قلائل ما لم يقدّر أنه يبلغ في مدة طويلة، وعفا رسمها "  . وأمر الخليفة المهدي فيما يبدو بهدم قصر الحاجبية، بعد الاستيلاء عليه ونهبه، وإخراج الذلفاء وولد المظفر منه  .  

وتعرضت دور الأرستقراطية القرطبية من أهل قرطبة والصقالبة والبربر الطارئين عليها للهدم والتخريب، وبيعت أنقاضها وأطلالها داخل قرطبة وخارجها. فالخليفة المهدي أمر بهدم دور رؤساء الدولة العامرية ودور الوزراء المجاورة للزاهرة  بعد أن نهبتها العامة . فنالها بذلك ما نال الزاهرة. وتعرضت أيضًا دور الأرستقراطية القرطبية الذين هاجروا قسرًا من قرطبة بعد اقتحام البربر لها سنة 403هـ/1013م، للتخريب والنهب، وصارت أطلالها وخرائبها نهبًا للصوص والتجار والفقراء والمعوذين، فسطوا عليها وباعوا أنقاضها، ومنها دور بني حزم ومنازل رؤساء البربر ببلاط مغيث في الجانب الغربي من قرطبة .    

وتعرضت مدينة الزهراء للنهب والتخريب عدة مرات على أيدي القرطبيين والبربر خلال الصراع الدامي بينهم، وكان أول تخريب تعرضت له على أيدى القرطبيين أنفسهم، فعقب هزيمة المستعين بالله والبربر في عقبة البقر 16 شوال 400هـ/ 2 يونيو 1010م، وجلائهم عنها، توجه عامة قرطبة إليها " فنهبوا ما وجدوا فيها من آلات البربر، وقتلوا من وجدوا بها، ودخلوا الجامع ونهبوا حصره وقناديله ومصاحفه وسلاسل قناديله وصفائح أبوابه " .

وعندما أخذ حصار البربر بمخنق القرطبيين سنة 401هـ/1011م، دفعهم حدة الغلاء إلى الخروج إلى الزهراء، فأحرقوا جامعها، وسلبوا ما بقي من قناديله، وصفائح أبوابه، ومنبره وحُصره . ونظرًا لفقر خزانته، وحاجته الملحة للأموال عمد الخليفة محمد بن عبد الرحمن المستكفي بالله (414-416هـ/ 1024-1025م)، إلى استغلال أطلال مدينة الزهراء محجرًا لبيع العمد والتيجان والأبواب، واعتبر ذلك موردًا لانعاش خزانته " واستؤصل بقية قصور جده الناصر بالخراب، وطمست أعلام قصر الزهراء، واقتلع نحاس الأبواب ورصاص القني، وغير ذلك من الآلات " . ونستدل من الروايات أن ملوك الطوائف كانوا يقبلون على شراء أدوات البناء من أطلال قصور الزهراء بأثمان باهظة  . 

وجدير بالذكر أنه قد استمر بيع أنقاض القصور الخلافية في أعقاب إلغاء الخلافة الأموية من الأندلس سنة 422هـ/1031م، فقد اهتم أبو الحسن إبراهيم بن محمد بن يحيى المعروف بابن السّقاء مدبر دولة بني جهور بقرطبة ، بحصر جميع آلات ما تهدم من تلك القصور المعطلة، لبيعها، والاستفادة من أثمانها، فعهد بذلك إلى ابن باشة (باسة) المعروف بالأصغر، فاغتدى عليها أعظم آفة، فقام بهدمها، فصارت قاعًا صفصفًا، حتى وصفه ابن حيان بهدّام القصور، ومبوّر المعمور، وبيده بادت قصور بني أمية الرفيعة، ودرست آثارهم البديعة، وحُطت أعلامهم المنيعة. وقام ابن باشة ببيع الأشياء الجليلة القدر، الرفيعة القيمة، كرفيع المرمر، ومُثمّن العَمَد، ونضار الخشب، وخالص النحاس، وصافي الحديد والرصاص، فكانت رُسل ملوك الطوائف تأتيه كثيرًا في ابتغاء ما لديه من تلك الآلات بالأثمان الباهظة، وللأسف أنفق ابن السقاء وابن باشة تلك الأموال في أنواع الضلالات حتى نفذت بمرور الوقت. 

حكى أبو الحسن الصفار: أن يوسف بن تاشفين ملك المغرب لماا دخل الزهراء، وقد خربت بالنيران والهدم من تسعين سنة قبل دخوله إليها، وقد نقل أكثر ما فيها إلى قرطبة وإشبيلية، ونظر آثار تشهد على محاستها، فقال: الذي بنى هذه كان سفيها، فقال له أبو مروان بن سراج: كيف يكون سفيها وإحدى كرائمه أخرجت مالا في فداء أسارى في أيامه، فلم يوجد ببلاد الأندلس أسير يفدى (الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج8 ص.268).

(3) أسباب إقبال بعض الأندلسيين على شراء السلع المنهوبة

أقبل بعض  أمراء بني أمية، وأمراء الإقطاع المنتزين على حكومة قرطبة على شراء السلع القيمة المنهوبة بأسعار باهظة، لإدخارها لنوائب الزمان؛ فقد إقتنى الأمير عبد الرحمن الأوسط بعض الأعلاق والذخائر النفيسة المنهوبة من خزائن قصور الخليفة الأمين، وقصر أمه السيدة زبيدة، بأسعار مرتفعة، فبلغ سعر أحد هذه الأعلاق عشرة آلاف دينار، وقد أودعت في خزائن بيت المال ذخيرة لأوقات الشدة ونوائب الدهر . ونستدل من الروايات أن الأمير عبد الرحمن الأوسط اشترى تلك الذخائر المنهوبة من قصور العباسيين، ليهديها لمحظياته ، فقد وهب عقد الثعبان لمحظيته الشفاء، ثم أهداه بعدها لطروب، وكانت إحدى حظاياه المشتهرات بأثرته . وقد عظم بعض من حضر من وزراء الأمير وخاصته الأمر عليه؛ محتجًا بأن هذا العقد " من الأعلاق المضنون بها، المدخرة للنائبة "، فقال له الأمير عبد الرحمن: " إن لابسه أنفس منه خطرًا وأرفع قدرًا! " .

ومن أسباب شراء الأمير عبد الرحمن الأوسط لتلك الذخائر أيضًا، رغم أنها منهوبة، إعجابه الشديد بما أنتجته الحضارة العراقية في مختلف المجالات الفكرية، والعلمية، والفنية. وقد يكون لحالة العداء بين الأمويين في الأندلس والعباسين بالعراق دور في إقبال الأمير عبد الرحمن الأوسط على شراء ذخائر العباسيين، تشفيًا فيهم، وثأرًا لما نهبوه من قصور أجداده بعد القضاء على دولتهم في المشرق سنة 132هـ/755م. ويؤيد هذا التخريج تحريض بعض القوى الداخلية، والخارجية للأمير عبد الرحمن على الثأر من العباسيين، واستعادة مُلك أجداده بالمشرق؛ فابن حيان يذكر أن الشاعر إبراهيم بن سليمان الشامي قد نظم قصيدة طويلة حض بها الأمير عبد الرحمن بن الحكم على غزو العباسيين، المخرجين لهم من الشرق، وأغراه بطلب الثأر منهم، وذكرّه بقتلى بني أمية، أولها: 

عجبا لنومك عن طلاب الثار    أم هل نسيت مصارع الأبرار 

وذكر ابن حيان أيضًا أن الإمبراطور البيزنطي توفلس بعث إلى الأمير عبد الرحمن سنة 225هـ/841م، بهدية يطلب مواصلته " ويذكر له حقه في الخلافة المغتصبة من أهل بيته هناك، ويحركه لمطالبة واتريهم من ولد العباس، ويحضه على استرجاع حقه لديهم " ، فكافأه الأمير عبد الرحمن عن الهدية، وبعث إليه يحيى الغزال من كبار أهل الدولة، وكان مشهورًا في الشعر والحكمة، فأحكم بينهما الوصلة، وارتفع لعبد الرحمن ذكر عند منازعيه من بني العباس. 

ولجأ بعض أهالي المدن الأندلسية المنكوبة فيما يبدو إلى شراء السلع المنهوبة بسبب كساد التجارة الطبيعية، نظرًا لما حل بأسواقهم من دمار وتخريب، وإنعدام السلع فيها، ففي أثناء احتدام الصراع بين الأمير عبد الله بن محمد وعمر بن حفصون، أمر الأمير عبد الله في عام 278هـ/ 891 م، بهدم حوانيت مدينة أستجة وجعلها براحًا  ، وغزا الخليفة عبد الرحمن الناصر مدينة طليطلة لاستنزال أهلها وتوطيد طاعته فيها سنة 320هـ/932م، فحاصرهم حصارًا شديدًا، فأغلقت حوانيتهم، وعَدُمَت سلعهم، وكسدت تجارتهم . وفي زمن الفتنة البربرية أحرق الجند البربري بعض المنشأت التجارية بقرطبة، منها: سوق السرادق، وفندق ابن أبي الأصبغ، ووقعت أيضًا بسوق الخشابين حريقًا كبيرًا، وامتدت إلى أسواق أخرى كثيرة  .  فقلت السلع، مما دفعهم إلى أسواق السلع المنهوبة، لتلبية احتياجاتهم.   

ومن أسباب إقبال بعض الأندلسيين على شراء السلع المنهوبة أيضًا رغبة بعض ملوك الطوائف، وكبار رجالهم، ومياسير أهل قرطبة الذين هاجوا من قرطبة إلى غيرها من ممالك الطوائف، وتبوأوا بها المنازل والقصور، في تزيين قصورهم ومنشآتهم بأطلال القصور الخلافية بقرطبة، لقيمتها الرفيعة. ومنها: الأعمدة ونفيس المرمر، ونضار الخشب، وخالص النحاس، وصافي الحديد والرصاص ، مجلوبًا من مظانه كما ذكر ابن حيان ، وكان مبارك ومظفر صاحبا بلنسية قد سلكا كما ذكر ابن حيان سبيل الملوك الجبارين في تشييد البناء والقصور والتباهي في عليات الأمور إلى أبعد الغايات، ومنتهى النهايات " واشتمل هذا الرأي على جميع أصحابهما ومن تعلق بهما من وزرائهما وكتابهما فاحتذوا فعلهما في تفخيم البناء".   

(4) جهود الأندلسيين حكومة وشعبًا لمنع تجارة السلع المنهوبة  

بذل أهل الأندلس جهودًا كبيرة لمنع تجارة السلع المنهوبة، فاتخذوا بعض الإجراءات من أجل ذلك، فراقبوا الأسواق التجارية بإحكام في أوقات السلم والاستقرار السياسي، ولذلك لم  تجد السلع المنهوبة طريقها إليها. فقد كان المحتسب يمشي بنفسه راكبًا على الأسواق، وأعوانه معه، ليتأكد من صحة الأوزان، والأسعار، فلا يجسر أحد من الباعة " أن يبيع بأكثر أو دون ما حَدّ له المحتسب "  ، وكذلك كانت العقوبات للباعة المتلاعبين شديدة تتراوح بين الضرب والتجريس في الأسواق، والنفي من البلد  ، فلا شك أن تلك الإجراءات كانت رادعًا للتجار المتخصصين في بيع السلع المنهوبة أن يدخلوا بها إلى تلك الأسواق لبيعها. ولدينا نص مهم لابن عبدون يؤكد صحة تخريجنا، فذكر " ولا تباع في السوق بهيمة قد سيقت مذبوحة حتى يتعرّف صاحبها بأنها ليست مسروقة " . وكان المحتسب يأمر أيضًا بطرد الدلالين خربي الذمة لمنع وساطتهم لبيع السلع المنهوبة  . وأمر المحتسب المُعَدّين للأودية أن لا يجوزوا عبيد البربر والخدم واللصوص الذين يتعدون على أموال الناس في أيام الغلات، ومنعهم من بيعها، وأخذ السلع المنهوبة منهم، وإبلاغ صاحب المدينة عنهم . 

وقد حرص ولاة الأمور على مواجهة اللصوص ورصد حركاتهم، للحد من قيامهم بأعمال النهب والسرقة، فأنشأوا خُطة الطواف بالليل، وعرف أصحابها بالدرّابين، فقد كانوا يبيتون في الدروب التي تغلق أبوابها بعد العتمة، ويحتفظون بداخلها بسراج معلق وكلب يسهر وسلاح معد . واستحدث الأمير عبد الرحمن الأوسط كما ذكر الرازي شرطة العَدْو ، وهى فرقة من الشرطة توجد خارج أبواب المدن الأندلسية، لمنع اللصوص وقطاع الطرق الذين يستخدمون الخيل من الفرار بمسروقاتهم، ولحماية التجار والأفراد من أخطار السلب والنهب على الطرق الواصلة من الكور إلى البادية أو بين الكور . وقضى عمر بن حفصون على السلب والنهب وقطع الطرق واللصوصية التي سادت باقي أقاليم الأندلس ، فكانت " المرأة في أيامه تجئُ بالمال والمتاع من بلد إلى بلد منفردة، لا يعترضها أحد من خلق الله. وكانت عقوبته السيف".

وكان لإبراهيم بن حجاج المنتزي بإشبيلية صاحب مدينة يقيم الحُدود، وكان ابن حجاج كما ذكر ابن حيان " فظًا على أهل الريب، قامعًا لأهل الشر منكلًا بهم "   ، وكان لبكر بن يحيى بن بكر صاحب مدينة شنت مرية Santa Maria Al Garve من كورة أُكشونبة Ocsonba، ترتيب وأهبة رجال شجعان، وعدة موفورة " وكان له عهد مؤكد إلى جميع مَنْ في طاعته بإضافة أبناء السبيل، وقِراء النزيل، وحفظ المجتازين، فكان السالك بناحيته كالسالك بين أهله وأقاربه "  . وشدد عبد الرزاق بن عيسى صاحب مدينة بجانة على اللصوص وقطاع الطرق، فنعم تجار مدينة بجانة والتجار الواردين عليها بالأمن والأمان، وانتعشت تجارتهم، فكانوا بضعون أمتعتهم في الشوارع والأسواق، وتظل مطروحة بدون حارس فلا يضيع منها شئ . 

وقام الأمير عبد الرحمن الثالث بن محمد بمهاجمة حصن منت روي في سنة 310هـ/922م، وكان يقع فى منتصف الطريق بين كورتي إلبيرة وجيّان على قارعة طريق بَجّانة فرضة الأندلس القبلية، فقد كان أهله يقطعون الطريق ويخيفون السبيل، ويسفكون الدماء ويسلبون الأموال؛مما كان يهدد الأمن والأمان اللازمين لازدهار التجارة، فضربه بالمجانيق، وحاصر أهله داخله حصارًا شديدًا وضيق عليهم، فمالوا إلى الطاعة صاغرين، واستنزلهم من معقلهم وهدمه   . وأمر بقتل المفسدين في أنحاء دولته وصلبهم بحاضرته قرطبة، فابن عذاري يذكر أنه صلب علي بن عشرة من أهل أشبونة بعد أن قطعت يداه ورجلاه سنة 327هـ/949م " وكان من المفسدين في الأرض بقطع السبيل " . وكان الجند يحرسون الطرق التجارية البرية الرئيسية والفرعية، لحماية المسافرين والتجار من سطو اللصوص وقطاع الطرق.

فقد كانت عملية نقل السلع والمنتجات تتم عبر تلك الطرق البرية، وكانت الطرق البرية أكثر استخدامًا في أوقات الاستقرار السياسي وفي ظل الأمن الذي كان يفرضه الأمويون، خاصة أن معظم الأنهار الأندلسية كانت في بعض أجزائها غير صالحة للملاحة". 

واستخدم الخليفة علي بن حمود في مستهل ولايته زمن الفتنة البربرية (المحرم 407هJ/ يوليو 1016م)، قوة القانون وسطوته، لإستعادة الأمن وتأمين الطرق التجارية والسيطرة على الأسعار وإنعاش الأسواق، فوضع حدًا لتطاول النّهابة، وما يترتب عليه من تجارة المنهوبات، فأقام الحدود بنفسه، فأمر بضرب عنق أحد فرسان البربر كان قد سرق حِمْلُ عنب، ووضع رأسه وسط الحمل، وطيف به البلد كله، ليجعله عبرة للصوص وتجار السلع المنهوبة، فبرقت للعدل يومئذ بارقة، واستمر ذلك الحال قرابة ثمانية أشهر، فانتشر أهل قرطبة كما ذكر ابن حيان " في الأرض ذات الطول والعرض، وسُلكت السُبُل ورخا السعر". 

وقد احتاط أهل الأندلس لحماية منازلهم، وضِياعهم، وثرواتهم الزراعية والحيوانية من عبث اللصوص والنّهابة الذين كانو يسطون عليهم، ويبيعون مسروقاتهم. فكانوا يحكمون غلق منازلهم من الداخل بواسطة أقفال غلاظ توضع على الأبواب ، وحفر حفرة بداخل الدار، ليقع السارق بها إذا ما داهمها، فيتمكن صاحبها من القبض عليه، واستخلاص المسروقات  . وكان القرويون يتخذون الكلاب في دورهم خشية سرقة مواشيهم، وكانوا يستأجرون أيضًا حراسًا لحراسة كرومهم وزروعهم ومواشيهم ليلًا ونهارًا خاصة في أوقات الحصاد، حتى تخزين محاصيلهم في الأهراء.

ورغم ذلك فكان يصعب ضبط بعض السلع المنهوبة ومنع بيعها في الأسواق، فكان جالبو القمح والشعير إلى الأسواق يقومون ببيعها بأنفسهم، وأجاز الفقيه عبد الملك بن حبيب القرطبي لهم تسعيرها، وأفتى أيضًا بألا يترك التجار يشترونها منهم، ليبيعوها على أيديهم، أو كما قال ابن عبد الرؤوف " لا يترك حاضر يبيع لبادِ، وذلك في كل مجلوب من الأطعمة وما أشبهها" . وقد نبه المحتسب على الأمناء في الأسواق بتحذير الناس من شراء الزيتون الغض، والفاكهة إلا " ممن يُعرف له مال، فإن ذلك سرقة من المعتدين على أموال الناس "  .  وفي حالة تدخل الحاكم بتسعير تلك السلع بمشورة أهل السوق، كان يحق لبعض الباعة البيع بأرخص من السعر المحدد، فإن كثر عدد مَنْ يبع بأرخص الأسعار، قيل لمن بقي من أهل السوق: " إما أن تبيعوا كبيع هؤلاء، وإلا فارفعوا"،  والكلام مع الفخارين ابتداء في أصل ترابهم " لأنه مغصوب في الغالب، لعدم الإذن من أربابه".

أما السُراق والذعرة فكانوا يسرقون وينهبون بالليل، ولذلك أمر المحتسب الحرس أن يمشوا أدوارًا كثيرة، ويُبدلوا الطرق " فإن السرّاق والذعرة والطائفين بالليل يرتقبون مشي الحرس وينطلقون بعد ذلك لطلب الشر والفجور، فيجب أن يشتد على السراق والذعرة في الحكم والنكال أكثر من غيرهم، فإنما غرضهم أخذ الأموال "  . وكان السراق يبيتون في المدن ويبكرون في الخروج من أبواب المدينة، وكان المحتسب يأمر البوابين بمراقبة من يخرج منها مبكرًا " لئلا يخرج عليه سرقة أو شئ من الأعمال السوء، إلى أن ينكشف النهار فيعرفه " . وبلغت الجسارة ببعض اللصوص إلى حد مهاجمة الدار التي قرروا سرقتها في محضر من القوم  أثناء النهار، فينهبونها ويذهبون بما فيها من مال أو حُلي، أو ثياب، أو طعام، أو ماشية، ثم يقومون ببيعها . 

وقد أفتى الفقهاء بأن قاطع الطريق خارج عن الجماعة، بل ويصبح جهاده واجبًا دينيًا مفروضًا، وأفتى ابن لبابة بأن يكون السجن مدى الحياة هو جزاء محترفي أعمال اللصوصية، وربط ذلك بوجوب ملاحقتهم واستعمال كل وسائل القمع والبطش ضدهم . 

الخاتمة

يتضح من حصيلة الدراسة أن تجارة السلع المنهوبة في الأندلس منذ عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط حتى نهاية الخلافة الأموية (206-422هـ / 822-1031م)،كانت من الآثار السلبية للكوارث الطبيعية، والفقر، والتطلع إلى الحرية، والأزمات السياسية. وبينت الدراسة أن تجارة السلع المنهوبة التي انتشرت في الأندلس شملت أنواع كثيرة من السلع والبضائع، ومنها: تجارة السلع المنهوبة من القطاعين الزراعي والحيواني، وتجارة بيع الأحرار ضحايا الحروب الأهلية،وتجارة المتاع والجواهر النفيسة المنهوبة والمُصَادَرَة، وتجارة الكتب المنهوبة، وتجارة الأنقاض المنهوبة من القصور الخلافية ودور الأرستقراطية ودور العبادة. وكشفت الدراسة عن تخصص اليهود في تجارة بيع الأحرار كعبيد. وقد تباينت أماكن بيع السلع المنهوبة كما أظهرت الدراسة تبعًا لاختلاف مناطق جلبها؛ فكانت السلع المجلوبة من بلدان المشرق، خاصة بغداد، تباع في الأندلس، وانتقلت بعض السلع المنهوبة من بعض المدن الأندلسية لتباع في مدن أندلسية أخرى، وبيعت أيضًا ببعض بلدان المشرق الإسلامي، وفي أوقات الأزمات كانت السلع المنهوبة من ناحية ما تباع لجياع وفقراء نفس الناحية. وتوصلت الدراسة إلى أن تجارة السلع المنهوبة لم تقتصر على التجار فحسب، إنما شاركهم في ذلك أيضًا الجياع والفقراء والمعدمين، وشاركهم أيضًا كبار رجال الدولة الذين تاجروا في السلع النفيسة المنهوبة والمُصَادَرَة.

وأظهرت الدراسة الأسباب المختلفة لإقبال الأندلسيين على شراء السلع والبضائع المنهوبة والمُصَادَرَة؛ فأثبتت أن اقتناء الجوهر النفيس كان للإدخار لمواجهة صروف الدهر وتقلبات الأيام، وتشفيًا في أصحاب السلع المنهوبة، وثأرًا لما نهبوه من قصور غيرهم. وأثبتت الدراسة أيضًا أن شراء أطلال خرائب القصور الخلافية بقرطبة كان لتزيين قصور ملوك الطوائف والأرستقراطية الأندلسية، بينما أقبل المحتاجون على شراء بعض السلع والبضائع المنهوبة لرخص أسعارها.

وتوصلت الدراسة إلى أنه قد ترتب على نهب بعض الذخائر والمتاع ومصادرتها من أصحابها والتجارة بها آثار اجتماعية وخيمة؛ فقام بعض المنكوبين بالتخلص من بقية جوهرهم الثمين لكي لا يتمتع به أحد بعد وفاتهم، وأن بعضهم قد مات كمدًا على نهب ثرواتهم. وأظهرت الدراسة موقف الأندلسيين حكومة وشعبًا من تجارة السلع المنهوبة، فقد أظهر الفقهاء عدم مشروعيتها دينيًا، وحرصت بعض الحكومات على منعها بما اتخذته من الإجراءات لمنع تسرب بعض السلع والبضائع المنهوبة إلى الأسواق واختلاطها بغيرها من البضائع، وبينت الدراسة أنه رغم رفض الفقهاء والحكومات لنلك التجارة ومحاربتها، فإنهم لم يستطيعوا منعها نهائيًا، وأقبل عليها الناس كالحلال المباح. 

الأستاذ الدكتور: إبراهيم عبد المنعم سلامة 

أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية ـ كلية الإداب جامعة الإسكندرية


الأستاذ الدكتور إبراهيم سلامةالأستاذ الدكتور إبراهيم سلامة
كلمات البحث
اقرأ أيضًا: