15-1-2026 | 14:08

أعلم جيدًا أنه سوف يتفق معي كثيرون، وقد يخالفني أكثر منهم، وبمنتهى الصراحة أنا لا أدري ولا يمكنني التأكد هل أنا على صواب أم لا، لكنني أجد راحتي واطمئناني في سلوكي هذا الذي أحرص دومًا على الحفاظ عليه.

إن شاهدت فيلم "ألف مبروك" المصري أو نظيره الأجنبي Groundhog Day فلا تقف أرجوك عند الحبكة التمثيلية والحكاية الشيقة فقط وتجعلها تؤثر عليك وتنسيك الحقيقة التي تفتح هذه الأفلام الباب لمواجهتها، وتعطي إشارة الانطلاق لمناقشتها وفهمها.

انسَ عناصر التشويق في الفيلم وألقِ بنفسك في أعماق الحكاية، تخيل نفسك مكان هذا الشخص، تستيقظ كل يوم وأنت تعلم تمام العلم ما سوف يحدث لك ولمن حولك ثانيةً بثانية! تحفظ الوجوه والأشياء والكلمات والحركات واللفتات وردود الأفعال، ترى المستقبل بكل حذافيره وتفاصيله!

بالطبع وصلت رسالة الفيلم للجميع، أصبحنا نعلم جيدًا ونفهم أن هناك أمورًا في الحياة يمكننا تغييرها وضبطها كيفما نرى ونشاء، وأخرى قدرية حتمية لا دخل لنا بها ولا قدرة لنا على تغييرها ولو تكرر المشهد وعشنا اللحظة مليون مرةً.

لكن الحكاية أخذتني دون شعور وسارت بعيدًا إلى أن وصلت بي إلى سؤال محير: ماذا لو أصبحت أنا بطل هذا الفيلم وتحول الأمر إلى حقيقة؟ ماذا لو كشف لنا الستار عن المستقبل بكل ما سوف يحدث فيه؟ كيف يكون الحال وأنا أستيقظ كل يوم وأنا أعرف كل تفاصيل اليوم الدقيقة المملة، أعلم ما سوف يحدث لي لحظةً بلحظة؟ ما شعورنا ونحن نعلم وقت فراق الأحبة ووقت رحيلنا؟ هل يمكن أن يسعدنا ذلك؟ هل سوف نستعد للأمر كما ينبغي، أم أن ثقافة المذاكرة ليلة الامتحان سوف تحكم الموقف كالمعتاد؟ أقصد إن علمت أن نهايتك بعد عشر سنوات، فهل سوف تحرص على صلاتك وعبادتك وإحسانك للآخرين كما ينبغي، أم تقول إن هناك متسعًا من الوقت لبعض المخالفات، قليل من اللهو.. أو حتى الكثير منه لن يضر ما دام هناك سنة أو سنتان للاستغفار والتوبة!

وما معنى وقيمة الاستغفار والتوبة في تلك اللحظة؟ توبة تم التدبير لها بمهارة، وحساب وقتها بمنتهى الدقة! توبة لا أحسها ولا أجد لها طعمًا.. لا أدري لماذا؟! أرى أن أجمل ما في الأمر دائمًا هو الجهل بوقت الحساب، أن تلهث وراءها دومًا بلهفة وإتقان في العمل حذرًا من أن تكون اليوم أو غدًا.

إن معرفة المستقبل بالنسبة لي مملة، لا أحبها ولا أرغبها ولا ألهث وراءها، كما أرى كثيرين يفعلون!! ولماذا أعرف وأجمل ما في الحياة -كما أراها- هو عنصر المفاجأة، حتى لو كانت سيئةً.

ترى لو كُشف لك المستقبل وعرفت أن أحدًا ممن حولك سوف يصيبه مرض خطير يجعل موته محتمًا، وأن وفاته سوف تحدث بعد ثلاث سنوات مثلًا، ترى هل سوف تحرص على علاجه والسفر به إلى أفضل الأطباء، وصرف كل قرش تملكه عليه، أم أنك سوف تتساهل وربما تتجاهل الأمر؟! فطالما أنه في كل الأحوال سوف يموت، لِمَ إذن كل هذا التعب؟!

بل قد تنصحه بعدم الذهاب إلى الطبيب أساسًا وأن يتحمل الأوجاع أيًا ما كانت توفيرًا للجهد والمال.. الحي أبقى من الميت!! أنا لا ألومك فربما كان رأيك حكيمًا ينوء به عن الأدوية وتبعاتها والقلق الذي يثيره الأطباء في النفس، ولمَ كل هذا وقد أصبح الأمر مقضيًا.

يا أخي أو يا أبي أو يا ولدي لقد انتهى أمرك فلا تتعب نفسك وتتعبنا معك، ارضَ بقضائك وقسمتك ومُت مرتاح البال.

قد يعيش تلك الفترة مرتاحًا بعيدًا عن قلق الأدوية والأطباء بالفعل، لكنه بالتأكيد سوف يفتقد شيئًا آخر ربما كان هو الأهم، سوف يفتقد الدفء، الدفء الذي ينسيه المرض والتعب كلما شعر بقلق من حوله عليه، وأحس بحرصهم على راحته.. تفرغهم له ولخدمته مهما كان أشغالهم.. استعدادهم لإنفاق كل ما لديهم في سبيل تخفيف أوجاعه ولو للحظات!!

نعم سوف يفتقد المشاعر الدافئة، الوقود الذي يُسَيّر حياتنا. ماذا لو انطبق ذلك على كل شيء، وأصبحت الأمور تدار بالورقة والقلم دون اعتبار لمشاعر أو أحاسيس!! وهذا ما سوف يحدث بالتأكيد لو اطلعنا على المستقبل، فحتى التوبة إلى الله -كما رأينا- سوف تتم بحسابات دقيقة لا صلة لها بمشاعرك وإحساسك بالذنب.

لا.. لا أريد أن أعلم شيئًا عن المستقبل!! اتركوه يأتي بمفاجآته مهما كانت، فأنا أفضل الدفء الذي يشعرني أنني إنسان!! إنسان يحيا وسط بشر وليس آلات!!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة