"الكلاب الضالة".. أزمة تتفاقم في الشارع وأسئلة معلّقة حول الحلول

13-1-2026 | 20:35
 الكلاب الضالة  أزمة تتفاقم  في الشارع وأسئلة معلّقة حول الحلولالكلاب الضالة
ملك إبراهيم

تتصاعد في السنوات الأخيرة قضية الكلاب الضالة باعتبارها إحدى أكثر القضايا المجتمعية إثارة للجدل، لتشابك أبعادها الصحية والبيئية والإنسانية. ففي الوقت الذي يطالب فيه المدافعون عن حقوق الحيوان بالتعامل مع الظاهرة وفق أسس علمية وإنسانية قائمة على التعقيم والرعاية، يرى قطاع واسع من المواطنين أن تزايد أعداد الكلاب داخل الأحياء السكنية بات يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن والسلامة العامة، خاصة مع تكرار حوادث الهجوم والعقر.

موضوعات مقترحة

هذا الانقسام المجتمعي أعاد إلى الواجهة تساؤلات ملحّة حول مسؤولية الدولة، وحدود التدخل، وأفضل السبل لإدارة ملف شائك طال إهماله.

 

واقعة «حي المناخ»… حادثة تعيد الجدل إلى نقطة الصفر

في أحد شوارع حي المناخ بمحافظة بورسعيد،  تحولت لحظات اعتيادية في حياة مسنّ يبلغ من العمر 75 عامًا إلى مأساة إنسانية. الرجل، الذي اعتاد المرور يوميًا من الشارع نفسه، تعرّض لهجوم عنيف من مجموعة من الكلاب الضالة، أسفر عن إصابات بالغة.

ورغم نقله لتلقي الإسعافات اللازمة، فإنه لفظ أنفاسه الأخيرة إثر توقف مفاجئ في عضلة القلب، متأثرًا بما تعرّض له. الحادثة، التي هزّت الرأي العام، لم تكن الأولى من نوعها، لكنها كانت كافية لإعادة طرح السؤال المؤجل: كيف يمكن حماية الإنسان دون اللجوء إلى سياسات قاسية تُنتهك فيها حقوق الحيوان؟

اقرأ أيضا:

من مصل باستور حتى كمامة الكلاب.. كيف ناضلت البشرية للحماية من السُعار؟| صور

تحرك عاجل لمواجهة ظاهرة الكلاب الضالة بالجيزة

 

تحرك رسمي.. ملجأ خارج الكتل السكنية

في محاولة لاحتواء الأزمة، أعلن محافظ القاهرة عن تخصيص قطعة أرض خارج التجمعات السكنية لإيواء الكلاب الضالة، في خطوة تهدف إلى تقليل الاحتكاك المباشر بين الإنسان والحيوان، وتوفير بيئة آمنة يمكن من خلالها متابعة الحالة الصحية للكلاب، وإجراء عمليات التعقيم والتطعيم اللازمة.

القرار اعتُبر تحركًا رسميًا طال انتظاره، وفتح الباب أمام نقاش أوسع حول جدوى الملاجئ، وآليات إدارتها، وضمان عدم تحولها إلى حل شكلي لا يعالج جذور المشكلة.

الكلاب الضالة

«قواعد صارمة»..رؤية جمعية الرفق بالحيوان

الدكتور شهاب عبد الحميد، رئيس جمعية الرفق بالحيوان، أكد أن التعامل مع الكلاب داخل الملجأ سيخضع لقواعد واضحة وصارمة، بإشراف مباشر من الهيئة العامة للخدمات البيطرية. وأوضح أن هذه القواعد تشمل آليات محددة لعمليات التعقيم والتحصين والتغذية، بما يضمن الحفاظ على صحة الحيوانات وجودة الرعاية المقدمة لها.

وأشار إلى أن التخطيط لإقامة الملجأ يقع بالأساس على عاتق الهيئة العامة للخدمات البيطرية بالتنسيق مع وزارة التنمية المحلية، فيما يقتصر دور الجمعية على تقديم الرؤية الفنية والدعم الفكري، باعتبار أن المشروع مسؤولية رسمية للدولة.

«الصحة الواحدة»..الإنسان أولًا دون إقصاء الحيوان

وشدد عبد الحميد على أن الاهتمام بصحة الإنسان يأتي في المقام الأول، دون أن يعني ذلك إهمال صحة الحيوان، مستشهدًا بمبدأ «الصحة الواحدة» الذي بات معتمدًا عالميًا، ويربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة.

وأوضح أن جميع الملاجئ، سواء كانت حكومية أو تابعة لجمعيات أهلية، ستخضع للمعايير نفسها، باعتبارها قرارات ملزمة لا استثناء فيها. كما أكد أن الهيئة العامة للخدمات البيطرية ستكون الجهة المشرفة الرئيسية، بالتعاون مع وزارات التنمية المحلية والبيئة والصحة، وفقًا لأحكام القانون رقم 29 لسنة 2023.

الكلاب الضالة

دعوة للمشاركة المجتمعية.. بين الدعم الحقيقي والمتاجرة بالقضية

وفي سياق متصل، دعا رئيس جمعية الرفق بالحيوان إلى استجابة مجتمعية أوسع، سواء من المواطنين أو الجهات الرسمية، للمساهمة في دعم المشروع ماديًا وعلميًا، بما يضمن استمراريته.

وانتقد بعض الممارسات التي تقوم بها جمعيات تجمع التبرعات دون توجيهها بشكل فعّال، مؤكدًا ضرورة توحيد الجهود خلف الدولة بدلًا من العمل بشكل منفرد يفتقر إلى الرقابة والتنسيق.

رؤية بيطرية: «لا للقتل.. نعم للتنظيم»

من جانبها، أكدت الدكتورة شيرين زكي، الطبيبة البيطرية، أن محافظة الجيزة خصصت بدورها قطعة أرض لإقامة ملجأ للكلاب الضالة، في خطوة مماثلة لتحرك محافظة القاهرة، ضمن إطار أوسع لتنظيم وجود الحيوانات داخل المدن. 

وأوضحت أن القانون الجديد لم يتضمن أي نص يسمح بقتل أو إبادة الكلاب، بل جاء لتنظيم اقتناء الأنواع الخطرة، واستبدال سياسات الإبادة ببرامج التعقيم وتوفير أمصال السعار، مؤكدة أن خيار القتل لم يعد مطروحًا على الإطلاق.

اختلال التوازن البيئي..عندما نُطعم الشارع

وترى زكي أن إطعام الحيوانات في الشوارع أدى إلى تجمع أعداد كبيرة منها في مناطق محددة، ما أخلّ بالتوازن البيئي. وأشارت إلى أن الكلاب تمثل جزءًا من الهرم الغذائي، إذ تساهم في الحد من انتشار القوارض والثعابين، وأن تعطيل هذا الدور الطبيعي أحدث آثارًا سلبية غير محسوبة.

وأضافت أن بعض الدول تخصص مساحات مفتوحة خارج العمران لإيواء الحيوانات دون إيذائها، معتبرة أن هذا الحل أكثر أمانًا على المدى الطويل.

الكلاب الضالة

 

"التعقيم" حل مكلف وبطيء النتائج

وأوضحت الطبيبة البيطرية أن عمليات التعقيم، رغم أهميتها، تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تؤتي ثمارها، فضلًا عن تكلفتها المرتفعة. فإجراء عملية تعقيم لكلب يتطلب تجهيزات طبية، وإقامة الحيوان داخل الملجأ لعدة أيام، مع توفير عمالة مدرّبة، ثم إعادته إلى الشارع، وهو ما يجعل تعميم التجربة أمرًا بالغ الصعوبة.

وترى أن تجميع الحيوانات في أماكن مخصصة خارج الكتل السكنية يسهّل عمليات التعقيم والعلاج، ويقلل من انتشارها العشوائي.

نحو 2030 بلا سعار.. التزام دولي

وأكدت زكي أن مصر ملتزمة باتفاقية دولية تهدف إلى القضاء على مرض السعار بحلول عام 2030، تحت إشراف منظمات دولية، من بينها منظمة الصحة العالمية. وأشارت إلى أن التطعيم ضرورة صحية، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن ليس كل كلب يعقر إنسانًا يكون مصابًا بالسعار.

وأضافت أن أمصال السعار تكلّف الدولة مبالغ طائلة، وأن تقليل الاحتكاك بين البشر والكلاب من خلال الملاجئ سيسهم في خفض الإصابات والتكاليف العلاجية.

الكلاب الضالة

حل متوازن لقضية معقّدة

بين الخوف المشروع على سلامة المواطنين، والواجب الأخلاقي في حماية الحيوان، تقف قضية الكلاب الضالة عند مفترق طرق. القرارات الأخيرة بتخصيص أراضٍ لإقامة ملاجئ في القاهرة والجيزة تمثل خطوة مهمة، لكنها تظل بداية لمسار أطول يحتاج إلى تخطيط، وتمويل، ورقابة، ومشاركة مجتمعية واعية.

يبقى الرهان الحقيقي على قدرة الدولة والمجتمع معًا على تحويل هذا الملف من أزمة متكررة إلى نموذج متوازن يحمي الإنسان، ويحفظ للحيوان حقه في الحياة، دون فوضى أو عنف أو حلول مؤقتة.

موضوعات قد تهمك:

احرص عليها.. أطعمة صحية تعزز اليقظة والتركيز أكثر أمانًا من القهوة

اهتزازات الأنامل.. هل هي مجرد توتر عابر أم جرس إنذار لخلل عضوي خفي؟

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة