آسيا وما جرى في فنزويلا

13-1-2026 | 13:21

لم يكن ما جرى في فنزويلا مجرد "عملية كوماندوز" أمريكية، أو مجرد إجراء قضائي ضد رئيس دولة اختلف مع واشنطن. فنحن أمام "واقعة كاشفة" لجوهر النظام الدولي، ولحظة فارقة في صراع القوى، أزاحت الستار عن حقيقة ما كان يُهمس به في الغرف المغلقة حول "حدود القوة" و"معنى السيادة".

إن مشهد اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من عاصمته، ونقله مكبلاً ليقف أمام محكمة اتحادية في الأراضي الأمريكية، هو، في الحقيقة، "زلزال" وصلت ارتداداته إلى سور الصين العظيم، وإلى الكرملين، وإلى مراكز القرار في نيو دلهي وطوكيو وسول وغيرها من العواصم الآسيوية المهمة.

في بكين، كان هناك "هدوء مثير للقلق". التنين الصيني، الذي يبني صعوده بصبر الأنبياء ودقة الجراحين، لم يندفع إلى صياح عاطفي. بل أصدر بيانًا موزونًا بميزان الذهب، رفض فيه استخدام القوة وتمسك بالشرعية. لكن خلف الكلمات الدبلوماسية، كانت هناك "هواجس" عميقة.

بكين رأت في فنزويلا "بروفة" أو "سابقة قانونية" قد تُستدعى يومًا في بحر الصين الجنوبي أو فوق جبال تايوان. إن الصينيين يدركون أننا بصدد نظام دولي بدأ "يخرج عن القانون" حتى بمعاييره التي وضعها هو نفسه غداة الحرب العالمية الثانية. الصين هنا لا تدافع عن "شخص" مادورو، بل تدافع عن "مبدأ" السيادة الذي هو صمام أمان صعودها الهادئ.

أما في موسكو، فالأمر يختلف؛ الروس لا يميلون إلى الصمت الصيني، بل ذهبوا إلى "الغضب العاري" مباشرة. أراد الكرملين أن يقول للعالم: "انظروا.. هذا هو الغرب الذي يكلمكم عن حقوق الإنسان وقواعد الاشتباك!".

روسيا ترى في واقعة فنزويلا تأكيدًا لنظريتها القديمة، التي تقوم على أن القوة هي التي تضع القانون، وأن القانون في يد القوى الكبرى ليس إلا "وجهة نظر"، أو أداة من أدوات الهيمنة. الموقف الروسي كشف عن "عورة" النظام الدولي، وأظهر للعالم أننا نعيش حالة من "الانفصام الحاد" بين الشعارات البراقة والواقع الخشن.

وعندما ننتقل إلى الهند، نجد "الصمت البليغ" و"حيرة الحلفاء". نيو دلهي تدرك بذكائها التاريخي أنها في مأزق "الواقعية السياسية" (Realpolitik). هي تحتاج واشنطن لموازنة العملاق الصيني، لكنها لا تستطيع مباركة "قرصنة دولية" قد تطالها يومًا.

أما حلفاء أمريكا في آسيا -اليابان وكوريا الجنوبية- فقد كانوا في موقف لا يُحسدون عليه. لقد كبلتهم "الالتزامات الأمنية"، فحبسوا أنفاسهم خلف جدران التبعية، عاجزين عن صياغة موقف أخلاقي مستقل. إنها ضريبة أن تكون "عملاقًا اقتصاديًا" ولكن بـ "أقدام سياسية" مربوطة بخيوط إستراتيجية في واشنطن.

ما لفت نظري، ويدعوني للدهشة والقلق معًا، هو صمت المؤسسات الإقليمية في آسيا، والتي كانت "شبه غائبة" تمامًا. أين كانت "منظمة شنغهاي"؟ وأين كانت "آسيان"؟ هذا الصمت يخبرنا بوضوح أن القوة الاقتصادية الهائلة لآسيا لم تتحول بعد إلى "إرادة سياسية" موحدة.

في تقديري، إن القارة التي تقود قطار الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة، وربما لفترة طويلة قادمة في القرن الحادي والعشرين، لا تزال "قزمًا سياسيًا" عندما يتعلق الأمر بحماية القانون الدولي خارج حدودها. والدرس الذي خرجت به آسيا من كاراكاس هو "القلق المحسوب"، فهم يدركون أن اليد الأمريكية لا تزال "طولى"، لكنهم في الوقت نفسه بدأوا "تمردًا صامتًا" في الوجدان، مفاده أن هذا النظام الدولي، الذي تقوده واشنطن، قد انتهت صلاحيته الأخلاقية.

والخلاصة هي إن ما جرى في فنزويلا هو "نذير شؤم" بعودة شريعة الغاب، حيث يصبح اتخاذ الموقف الصحيح مسألة دقيقة بين المبادئ والمصالح. آسيا اختارت الحذر، لكن التاريخ يعلمنا أن الحذر وحده لا يحمي من العاصفة إذا ما قرر القوي أن القانون.. هو القوة!

رئيس وحدة العلاقات الدولية – مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: