يا لجحود الأبناء!!

14-1-2026 | 11:50

حادثة يشيب لها الولدان، حادثة وقعت إنما تدل دلالة قاطعة الثبوت على أننا في آخر الزمان، وأن الوعد الحق قد اقترب موعده.
سمعنا كثيرًا عن العقوق في شتى صوره، وشاهدنا أيضًا ما يحدث في مجتمعاتنا العربية والإسلامية من مظاهر عقوق الأبناء وأيضًا عقوق الآباء لأبنائهم.

وكتبنا عن ذلك مرارًا وتكرارًا، لكن يبدو أن ذاكرة الجحود تنسى بسرعة، أو أن عقولاً قد رَانَ الله عليها وقلوبًا غلفها الجحود، فسمعت وقرأت ودمعت عيناها، دموع التماسيح، ثم عادت كما كانت وأكثر أشد عقوقًا وجحودًا.

شاهدنا عقوق الطلاب لأساتذتهم، وعقوق بعض الناس وجحودهم ونكرانهم لفضل أوطانهم عليهم فراحوا يدبرون المكائد والحيل القميئة للنيل من هذه الأوطان، باعوها بثمن بخس دراهم معدودة، وكانوا لها من الجاحدين.

أما أن الظلم يتجاوز المدى، فنستيقظ على فاجعة أب مكلوم في أولاده، يحكي في فيديو مسجل، ما حدث له من عقوق وجحود من أبنائه، بعدما أفنى عمره عليهم ووهبهم حياته، ولم يدخر جهدًا في سبيل توفير حياة كريمة لهم. النتيجة الحتمية أن يرفع على الرأس ويكرم ويحترم.

لا النتيجة جاءت مخالفة للقانون والناموس الإلهي، المتمثل في قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا)، والقضاء هنا في هذه الآية سبق العلم الإلهي بالشيء قبل وقوعه، ثم تأتي التلازمية في اقتران العبودية، ثم الوالدين، فلا تتحقق العبودية للإله إلا إذا كان هذا العبد بارًا بوالديه.

جاءت النتيجة مخالفة لسنة رسولنا الكريم؛ حيث صعِد النَّبيُّ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" المنبرَ، فقال: (آمين، آمين، آمين، فلمَّا نزل سُئل عن ذلك، فقال: أتاني جبريلُ، فقال: رغِم أنفُ امرئٍ أدرك رمضانَ فلم يُغفرْ له، قُلْ: آمين، فقلتُ: آمين، ورغِم أنفُ امرئٍ ذُكِرتَ عنده فلم يُصلِّ عليك، قُلْ: آمين، فقلتُ: آمين، ورغِم أنفُ رجلٍ أدرك والدَيْه أو أحدَهما فلم يُغفرْ له، قُلْ: آمين، فقلتُ: آمين).

جاءت النتيجة مخالفة لما ورد عن سيدنا يحيى عليه السلام: (وبَرًّا بوالديه)، وجاءت أيضًا مخالفة لسيدنا عيسى عليه السلام: (وبَرًّا بوالدتي)، وجاءت مخالفة لسيدنا إسماعيل عليه السلام: (يا أبت افعل ما تؤمر).

تخيلوا ما النتيجة؟! يعود الأب من غربته فيجد أولاده جردوه من كل ما يملك، أخذوا كل أمواله وممتلكاته بعقود مزورة، ليس هذا وحسب؛ بل ضربوه ضربًا مبرحًا أدى إلى إصابات خطيرة قد تنهي حياته.

كل ذلك لماذا؟! لماذا كل هذا الجحود؟!، هل لأجل المال؟! النبي "صلى الله عليه وسلم" قالها صراحة: "أنت ومالك لأبيك"!! هل لأجل إرضاء الزوجة؟! من الذي زوَّجك إياها؟! من الذي أسس لك ولها بيت الزوجية؟! ومن الذي اشترى لكما بيتًا لتعيشا فيه؟!

هل الرجل يفضل زوجته على والديه؟! هل الرجل يفضل زوجته على رضا الله تعالى؟! إن كان فعل ذلك فهو ليس رجلاً، وإنما هو ذَكرٌ، كذَكرِ الحيوانات.

بالله لا نجد مبررات نحاول أن نقدمها لمثل هذه الأفاعيل النكراء، اللهم إلا عقوق وجحود، ومنكر لا يرضي الله تعالى.

إن مجتمعاتنا العربية والإسلامية لن تنهض، ولن تقف على قدميها، ولن تقوم لها قائمة بمثل هؤلاء المفسدين الذين يعيثون في الأرض فسادًا، الذين يعقون آباءهم وأمهاتهم.

إن جريمة العقوق عقوبتها لا تسقط بالتقادم، بل عقوبتها معجلة في الدنيا ومؤجلة للآخرة أيضًا. (...فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَ).
وحتى يتم القضاء على هذه الظاهرة القميئة ضرورة ملحة أن نتبع ما يلي:

أولاً: العودة إلى الله تعالى، والبعد عن كل ما يغضبه سبحانه وتعالى.

ثانيًا: المحاسبة والمراجعة، والندم والتوبة والإقلاع عن مثل هذه الأفاعيل التي تورد فاعليها موارد التهلكة.

ثالثًا: ضرورة سن قوانين وضعية شديدة الصرامة لمعاقبة من يفعل ذلك بعقوبات عاجلة أمام محاكم أمن الدولة العليا؛ لأن هذه جريمة أمن قومي، فكيف سيأمن الآباء والأمهات المستضعفون الطاعنون في السن على أنفسهم إذا لم يكن هناك تصدٍ وعقوبات رادعة في الدنيا قبل الآخرة؟

رابعًا: على الإعلام الديني والاجتماعي والنفسي دور مهم لتوضيح خطورة هذا الأمر عن طريق الكتابة أو المشاهدة أو السماع، في الصحف، في التلفاز، في الإذاعة، في الخطب المنبرية والوعظية والإرشادية.

خامسًا: حملات توعية مستمرة لا في المناسبات فقط كعيد الأم، وإنما حملات توعية من خلال مكاتب الأحزاب المنتشرة في كل أماكن الجمهورية، واستضافة علماء من الأوقاف ومن الأزهر الشريف ومن أساتذة الجامعات؛ ليحدثوا الناس عن جريمة جحود وعقوق الوالدين.

وأختتم حديثي قائلاً: "بروا آباءكم تبركم أبناؤكم". وأذكر بأن إقامة الحجة على والديك تدخلك في باب العقوق. وأذكر بأن قولك أُفٍّ لهما تدخلك في باب العقوق. فما بالنا بمن يضرب ويسب ويشتم ويطرد ويشرد ويستولي؟ أي جحود وعقوق هذا؟ إنها لإحدى الكبر نذيرًا للبشر.

لا نعمم وإنما نقول إلا ما رحم ربي، فكما هناك الطالح، هناك الفالح الصالح الذي يضع والديه فوق رأسه وهذا حقهما، وهذا واجبه مصدقًا للحديث الشريف: "جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، يَسْتَأْذِنُهُ في الجِهَادِ فَقالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَفِيهِما فَجَاهِدْ". وأذكر بما قاله الفاروق عمر رضي الله عنه، عندما أتاه شاب قائلاً: أمي مريضة سهرت عليها فهلا وفيتها حقها، قال: "ولا يساوي ذلك طلقة من طلقات مخاضها فيك".

اتقوا الله في الأرحام، وخير الأرحام وأولها الوالدان، ثم الأمثل فالأمثل.

أستاذ الفلسفة بآداب حلوان

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: