من قلب حي الزمالك العريق، وفي خطوة تليق بفنان عاش للفن ووهب حياته لخدمة الوطن والثقافة المصرية، يكتب الوزير الفنان فاروق حسني فصلاً استثنائيًا من فصول العشق لهذا الوطن، محولاً إرثه الفني الثري ومقتنيات مرسمه إلى ملكية عامة، ليكون هذا المتحف التاريخي أول صرح متخصص للفن التجريدي على أرض مصر، متحف فاروق حسني.
إذ يجسد هذا الإهداء النبيل أسمى معاني المسئولية الاجتماعية للفنان، ويتجاوز مفهوم التملك الفردي ليضع مصر على خريطة الفن العالمي من خلال أحد أبرز رواده.
يصحب المتحف زواره في جولة فنية مدهشة تبدأ منذ اللحظة الأولى، عقب عبور الباب والوصول إلى رحاب حديقته التي تشكل الأشجار والديكورات فيها جزءًا حيويًا من سيناريو العرض، بينما يضفي الضوء سحرًا غامرًا على تمثال رائع للفنان فاروق حسني وضع بعناية فائقة، وقبل الصعود إلى شرفة تقود إلى قاعة العرض الرئيسية التي تحتضن نحو مائة لوحة من أعمال فاروق حسني الشخصية المختارة بدقة لتروي رحلة ريشته بين المدى واللون، إضافة إلى نحو عشرين عملاً لفنانين آخرين تتراوح بين النحت والتصوير الزيتي في تناغم بصري ينقل الزائر بين مساحات لونية وأشكال فنية تتراوح ما بين التجريد والتشخيص، مقتنيات عالمية ومحلية رائعة القيمة لعمالقة أمثال أنتوني تابيس وجورج دي كيركو ونيكولا بوسان ومحمود مختار ومحمود سعيد وآدم حنين وسيف وانلي ومنير كنعان، لتتشابك جميعها في حوار فني يربط بين المدارس والتجارب المختلفة.
مؤكدة أن هذا العمل الوطني النادر ليس مجرد منحة فنية بل هو تتويج لمسيرة حافلة بالعطاء تملأ فراغًا مهمًا في المشهد المتحفي المصري وتعكس قدرة مبدعينا على استيعاب المدارس العالمية والإضافة إليها برؤية مصرية أصيلة.
وبهذا القرار التاريخي يذكرنا فاروق حسني بأن دوره كفنان لم يتوقف عند حماية التراث وتطويره، بل امتد لبناء المستقبل عبر تقديم نموذج حي للرعاية الذاتية للفنون، في درس بليغ في حب مصر يتوج اليوم بتحفة معمارية وفنية ستظل شاهدًا على نبل إنسان وهب عصارة إبداعه وممتلكاته وذاكرته الجمالية لتظل منارة للإلهام ومعلمًا حضاريًا يثري الوعي الجمعي ويبقى رسالة سلام ووطنية تنتقل من جيل إلى جيل.
شكرًا للفنان فاروق حسني، لأنك حوَّلت مقتنياتك الخاصة إلى ذاكرة وطن، وآثرت أن يكون هذا الصرح مدرسة للجمال يستمد منها أبناء مصر إلهامهم إلى الأبد.