عندما تسقط القيم
موضوعات مقترحة
بقلم: محمد إبراهيم الدسوقي
أعلم أن السياسة الدولية والقيم لا يجتمعان تحت سقف واحد، وأعلم يقينًا أن الغلبة والأولوية دائما للمصالح التي لأجل عيونها الساحرة تسقط وتهدر كل القيم الإنسانية السامية والأخلاقية، فالكبار يتبادلون فيما بينهم المنافع ومواطن النفوذ والثروات الطبيعية التي تدير عجلة اقتصاداتهم وتغدق عليهم بالأموال الوفيرة.
أعلم أيضًا أن هناك قيمًا ابتذلت من كثرة استهلاكها وتكرارها من قبل القوى الكبرى في عالمنا المعاصر، منها الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير والإنصاف والعدل واحترام السيادة الوطنية وسيادة القانون. وكم من حروب ونزاعات نشبت على كوكب الأرض تحت لافتة براقة ومغرية، كنصرة المظلومين والمقهورين والمستضعفين في أماكن الصراعات، وتحقيق الديمقراطية الغائبة والمغدور بها.
ولا أخفيكم سرًا أن الغرب، ومعه الولايات المتحدة، فقدا صلاحية تلقين الآخرين دروسًا عصماء في الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد وخلافه؛ لأنهما ببساطة، وبدون مبالغة أو مزايدة، يضربان بهذه القيم عرض الحائط بالداخل في بلادهم وخارجها، ويصمتان عن إدانة انتهاكها ويغضان الطرف عنها.
فالدعوات الصادرة منهما بشأنها لم تعد سوى أسطوانات مشروخة يُعاد تشغيلها حينًا بعد آخر تلبية لغرض محدد ينبغي تحصيله حين تبدأ في ترديدها بخطابتهما الرسمية. وهل ننسى أن أمريكا غزت العراق استنادًا لحجج ومبررات أقل ما توصف بها أنها واهية ولا تمت للواقع بصلة، وبشروا الشعب العراقي بأنه سينعم بالديمقراطية ويرفل في تداول السلطة التي حرم منها بعد القضاء على ديكتاتورية حزب البعث وزعيمه صدام حسين، ومكثوا ببلاد الرافدين سنوات ليست بالقليلة؟
فهل حققوا ما وعدوا به، أم تركوها تنزف بغزارة بعدما فككوا أسس وقواعد الدولة الوطنية ومؤسساتها والجيش الوطني، ونمت فيها الميليشيات المسلحة، وسادت الطائفية على الوئام والتلاحم الاجتماعي، وصولا إلى توفير التربة الخصبة لظهور جماعات الإرهاب والتطرف والتكفير، وفى الصدارة تنظيم "داعش" الإرهابي.
وإن نظرت إلى تعاطي الإدارة الأمريكية الحالي مع فنزويلا، وكيف أنها انتهكت سيادة هذا البلد بدعوى إنهاء حكم الرئيس المنتخب من قبل شعبه "مادورو"، وقدموا كل الدعم الشفهي للمعارضة الفنزويلية وضغطوا لمنح زعيمتها جائزة نوبل للسلام، ثم أعلن الرئيس "دونالد ترامب" أنها لا تصلح لخلافة "مادورو" في سدة الرئاسة نظرًا لرفض الفنزويليين لها!
والآن حان الدور على جزيرة "جرينلاند" وكأنها بلا صاحب، ومستباحة لوضع اليد عليها، ولم يُحرك الأوروبيون ساكنًا، وخرج عدد معتبر من المسئولين بالقارة العجوز بتصريحات يؤكدون فيها عدم قدرتهم على محاربة أمريكا، محذرين في الوقت نفسه من أن الاستحواذ الأمريكي على "جرينلاند" سيقوض حلف شمال الأطلنطي "الناتو"، ويالها من مفارقة.
كل هذا يشي بأن النظام الدولي القائم على القواعد بات قاب قوسين أو أدني من الانهيار وتشييعه إلى مثواه الأخير؛ فلا احترام لمبدأ السيادة والحدود الوطنية وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول والقوانين الدولية المنظمة للعلاقات بين دول العالم. وليس أدل على ذلك من تصريح ترامب لصحيفة
"نيويورك تايمز" الأمريكية، والقائل فيه: "لست بحاجة إلى القانون الدولي".
في مقابل هذا التصريح الخطير والكاشف، حذر الرئيس الألماني "فرانك فالتر شتانيماير" من الاتجاه الذي يسير فيه النظام العالمي مؤخرًا، من فقدان احترام القانون الدولي، الذي وصل بالفعل إلى مرحلة متنامية.
وأضاف "شتانيماير" أنه يجب منع تحول العالم إلى وكر للصوص، حيث يأخذ الأكثر قسوة ما يريد، وتصبح الدول الصغيرة والضعيفة عاجزة تماما عن الدفاع عن نفسها، وركز معي في استخدامه تعبير "وكر للصوص"، فترى لمَن يوجه حديثه؟
انتهي تصريح الرئيس الألماني الذي يحمل في ثناياه معاني ودلالات بالغة الأهمية والخطورة معا؛ فالرجل، بصورة غير مباشرة، يود القول إن ما نراه ونتابعه من حولنا في هذه اللحظة الفارقة بتاريخ البشرية يعيدنا للوراء، إلى شريعة الغاب، واستئساد القوي على الضعيف، والسطو على ثروات الآخرين وتوزيعها وكأنها غنائم حرب يحق للمنتصر التصرف فيها كيفما شاء، بلا حسيب ولا رقيب.