بين نشر الدين وطلب العلم والرزق.. دوافع الهجرة الشرعية في الحضارة الإسلامية

11-1-2026 | 23:20
بين نشر الدين وطلب العلم والرزق دوافع الهجرة الشرعية في الحضارة الإسلامية صورة تعبيرية

الهجرة الشرعية في الحضارة الإسلامية، هي حركة المسلمين من مكان يُضطهدون فيه دينياً إلى مكان آمن يمكنهم فيه إقامة شعائرهم بحرية، وأهم أسبابها كانت الفرار بالدين من الفتنة والاضطهاد في مكة، ونشر الدعوة، وتأسيس دولة إسلامية قادرة على الدفاع عن نفسها، وتتمثل أبرز صورها في هجرة الصحابة الأولى إلى الحبشة، والهجرة الكبرى من مكة إلى المدينة المنورة التي كانت نقطة تحول في تاريخ الإسلام.

موضوعات مقترحة

أما الهجرة النبوية من مكة للمدينة، فلم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل نقطة تحول حضاري أسست مجتمعاً جديداً على أسس العدل والمواطنة والتآخي، مُحققة الوحدة  وتوفير الكفاية للمهاجرين. 

وشملت الهجرة أنواعاً أخرى، كالهجرة طلبًا للعلم والرزق، أو فراراً من الاضطهاد؛ لتصبح الهجرة سُنة إسلامية هادفة لتغيير الواقع نحو الأفضل، وتجسدت فيها أهداف سامية كإعمار الأرض ونشر العدل.

إنّ حدث الهجرة النبوية الشريفة من مكة إلى المدينة المنورة ليس مجرد رحلة تاريخية، بل هو نقطة تحول فاصلة في تاريخ البشرية،وهو البداية الحقيقية لترسيخ قيم الإسلام وبناء صرح الحضارة الإسلامية العظيمة التي غيرت مجرى التاريخ، فكانت الهجرة بمثابة تحول جذري من الظلمة إلى النور، ومن الضعف إلى القوة، ومن الذل إلى العز، مُؤسسةً لدولة ومجتمع متكاملين على أساس الإيمان والتقوى. 

 ومفهوم الهجرة الشرعية بمعناها الأوسع والأشمل في الحضارة الإسلامية، متجاوزين البعد الزماني والمكاني لهجرة النبي ﷺ، لنستكشف دروسها الخالدة في بناء الأمم وتشييد الحضارات، وكيف كانت الهجرة الإلهية نموذجاً للتخطيط المحكم، والأخذ بالأسباب المادية مع التوكل على الله، والتضحية من أجل العقيدة، والصبر والثبات في وجه الاضطهاد. 

 كيف أن الهجرة لم تكن هروبًا،بل كانت مشروعاً حضارياً متكاملاً لبناء دولة جديدة،ترتكز على أسس فكرية وروحية متينة، وتؤسس لنظام اقتصادي عادل،وقيم أخلاقية سامية،ومنهج تفكير علمي وعقلي، لتنتشر رسالة الإسلام وتعم نوره أرجاء المعمورة، مستلهمين ذلك من قول الله تعالى:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ...}ـ سورة الكهف ـ الآية 60 ـ، وقول النبي ﷺ: "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه". 

إن دراسة الهجرة الشرعية اليوم، في ظل تحديات عالمنا المعاصر، تفتح آفاقاً لفهم أعمق لدورنا في بناء مجتمعاتنا، وتأكيد هويتنا الإيمانية، وتصميم مساراتنا نحو التقدم، مع الحفاظ على أصالتنا وقيمنا، فالهجرة إلى الله ورسوله هي هجرة مستمرة نحو الكمال،وسبيل للرقي الحضاري الإنساني.

أسباب  الهجرة الشرعية :

1- الدفاع عن العقيدة وتعرض المسلمون في مكة لأذى شديد من قريش؛ مما جعل الهجرة ضرورة لحماية إيمانهم وممارسة شعائرهم بحرية، كما حدث مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

2- رحلات البحث عن العلم والمعرفة كانت دافعاً للهجرة، كما في قصة موسى عليه السلام مع فتاه، وهذا يمثل هجرة العقول والكفاءات.

3- طلب الرزق الحلال والهجرة ابتغاء الكسب الحلال وتجنب العالة على الآخرين، فالتجارة والعمل في الأرض من دوافع الهجرة.

4- نصرة الدين والجهاد والانتقال إلى المدينة المنورة لتأسيس دولة إسلامية قوية تمكن المسلمين من الدفاع عن أنفسهم ونشر الدين، وهذا تطلب هجرة لتوفير القوة البشرية اللازمة لذلك.

5- الفرار من المعصية والهجرة من الأماكن التي يكثر فيها الظلم والمعاصي وتفرض على المسلم ترك دينه، إلى أماكن تتهيأ فيها العبادة، تحقيقاً لقوله تعالى {فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ـ سورة الأنعام آية 68.

5- السير في الأرض والتفكر في خلق الله ودلائل وحدانيته، كما في قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ}.

6-التكافل وتأسيس المجتمع و الهجرة إلى المدينة ساهمت في تأسيس نظام اقتصادي واجتماعي يقوم على المؤاخاة والتكافل بين المهاجرين والأنصار، مما قضى على التفاوت الطبقي وأسس مواطنة شاملة.

د. سليمان عباس البياضي

عضو اتحاد المؤرخين العرب 


د. سليمان عباس البياضي د. سليمان عباس البياضي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا: