12-1-2026 | 11:47

اتضح بسرعةٍ هدفُ ترامب من الهجومِ على فنزويلا وخطفِ رئيسِها: إنه النفطُ الذي إذا لم يؤخذْ بالتراضي انتزعَ من أصحابِهِ بالقوةِ.. ويبدو أنَّ ترامب لا ينشغلُ بالتاريخِ أو الفلسفةِ أو المصيرِ، فالقوةُ الآنَ، تُستخدمُ عندما تتوافرُ، ويكونُ المجالُ متاحًا. حتى إنَّ ترامب قالَ إنه لا يعتقدُ أنه سيدخلُ الجنةَ، وتابعَ: الجنةُ هنا وعلى هذه الطائرةِ الرئاسيةِ. بالضبطِ كإشارتِهِ بحضورِ عمدةِ نيويورك زهران ممداني، الذي كان بصددِ الإجابةِ على سؤالِ صحفيةٍ في البيتِ الأبيضِ: بعد لقائِكَ ترامب هل ما زلتَ تعتقدُ أنه فاشيٌّ؟. لكنَّ ترامب عاجلَهُ حتى لا يفكرَ كثيرًا: قل فاشيٌّ ولا تفسرْ شيئًا.

وعبرَ عشراتِ السنينِ لم تقبلْ واشنطن بحكوماتٍ مستقرةٍ سياسيًّا في أمريكا اللاتينيةِ، إلا إذا كانت مواليةً لها، والاحتلالُ الأمريكيُّ ليس كالاحتلالِ البريطانيِّ والفرنسيِّ الذي نعرفُهُ في منطقتِنا؛ لأنه احتلالُ الولاءِ السياسيِّ والاستغلالِ التجاريِّ. فحولت واشنطن دولَ قارةِ أمريكا اللاتينيةِ إلى حديقةٍ خلفيةٍ لها، وثرواتُها للشركاتِ الأمريكيةِ العملاقةِ.

وانتشرَ مصطلحُ "جمهورياتِ الموزِ" منذُ استخدمَهُ كاتبُ القصةِ الأمريكيُّ أوليفر هنري منذُ أكثرَ من مائةِ عامٍ، لوصفِ جمهوريةِ هندوراس في أمريكا الوسطى، حيث سيطرت الشركاتُ الأمريكيةُ على حكومتِها مقابلَ استغلالِ الأرضِ في زراعةِ الموزِ.

وخلدَ المصطلحَ شعراءُ وأدباءُ أمريكا اللاتينيةِ، خصوصًا جارسيا ماركيز الفائزَ بنوبل للأدبِ عام 1982، في روايتِهِ "مائةُ عامٍ من العزلةِ".

وعندما يتحدثُ ترامب من واشنطن عن أنه يقودُ فنزويلا الآنَ، فإنه قد يذهبُ بعيدًا ليصبحَ عدوانُهُ على فنزويلا أمرًا مألوفًا، ويفعلُها في كوبا التي يومئُ بأنها على وشكِ السقوطِ، من دونِ مجهودٍ أو غزوٍ.. أو يقدمُ عرضَهُ الكبيرَ على أراضي كولومبيا ورئيسِها جوستافو بيتر أوريجو، الأعلى صوتًا في رفضِ ما حدثَ، والذي وصفَهُ بـ "وصمةِ عارٍ لن تنساها أجيالٌ من سكانِ القارةِ".. ورغمَ ذلك يهددُ ترامب بأنَّ "فنزويلا قد لا تكونُ آخرَ دولةٍ تتعرضُ لتدخلٍ أمريكيٍّ.

هو النفطُ.. وقبلَ ساعاتٍ أعلنَ ترامب بدءَ شحنِ نفطِ فنزويلا إلى الولاياتِ المتحدةِ لتديرَ الحكومةُ الأمريكيةُ عائداتِهِ. وبالأرقامِ فإنَّ فنزويلا تمتلكُ أكبرَ احتياطيٍّ نفطيٍّ مؤكدٍ على مستوى العالمِ يصلُ لنحوِ 303 مليار برميل، ما يتجاوزُ احتياطياتِ كبارِ منتجي النفطِ مثلَ السعوديةِ وإيران والعراقِ..

إنَّ عبثيةَ الاتهاماتِ الموجهةِ لرئيسِ فنزويلا الشرعيِّ نيكولاس مادورو لم تعدْ مهمةً الآنَ، لأنَّ المهمَّ هو إزاحتُهُ من السلطةِ إلى غياهبِ السجنِ، وبدءُ النهبِ المنظمِ لفنزويلا. نفسُ الأمرِ حدثَ مع العراقِ، فقد ادعى الرئيسُ السابقُ جورج بوش أنه صدمَ لعدمِ وجودِ أسلحةِ دمارٍ شاملٍ في العراقِ كما روجت إدارتُهُ، لكنه غيرُ نادمٍ، وجاءَ في مذكراتِهِ: أنَّ كلًّا من أمريكا والعراقيين أفضلُ حالًا من دونِ وجودِ الرئيسِ العراقيِّ السابقِ صدام حسين.. وهذا رأيٌ لا يملكُ أحدٌ الآنَ دليلًا عليهِ.

لقد جرت العمليةُ الهمجيةُ لخطفِ رئيسِ دولةٍ ذاتِ سيادةٍ، في زمنٍ شبهِ صامتٍ.. لسنا في سنةِ 1968، حينَ كانَ الشبابُ يغلي في العالمِ، وثوراتُ الطلبةِ في بلدانٍ عدةٍ، منها مصرُ، ولأسبابٍ مختلفةٍ. وأتذكرُ ما حكاهُ الفنانُ عمر الشريف للصحفيةِ هدى عبدالحميد (مجلة الوسط على حلقاتٍ في صيف 1999) أنَّ الشبابَ الأمريكيَّ ثارَ على فيلمِ "جيفارا" الذي لعبَ بطولتَهُ، وحطموا مقاعدَ دورِ العرضِ، ما اضطرَّ شركةَ الإنتاجِ إلى سحبِهِ.

يحكي عمر الشريف أنه اهتمَّ بدورهِ في الفيلمِ وأنصفَ جيفارا، لكنه لم يعبأ بشخصيةِ صديقِهِ كاسترو، الذي تحولَ على يدي المخرجِ إلى رجلٍ أخرقَ يفتقرُ إلى الحكمةِ والمرونةِ، ولم يبلع الشبابُ في أمريكا الإساءةَ إلى كاسترو، بينما كوبا كلُّها مهددةٌ الآنَ من إدارةِ ترامب.

وخطفُ واغتيالُ الزعماءِ الأجانبِ ملفٌّ ضخمٌ تتولاهُ المخابراتُ الأمريكيةُ، من الألفِ إلى الياءِ، بالقتلِ المباشرِ أحيانًا وبالتشويهِ والإساءاتِ والاتهاماتِ الخاطئةِ أحايينَ كثيرةً. ومثلما صدام حسين يمتلكُ أسلحةَ دمارٍ شاملٍ، فإنَّ كاسترو التقى في هافانا لي هارفي أوزوالد، ثم كلفتهُ موظفةٌ مكسيكيةٌ في القنصليةِ الكوبيةِ في المكسيك بمهمةِ اغتيالِ الرئيسِ جون كيندي.

وحتى يصدقَ الأمريكيون الحبكةَ فإنهم نسبوا الكشفَ الجديدَ إلى وثائقَ سريةٍ لمكتبِ التحقيقاتِ الفيدراليةِ الذي لا يخفى عليهِ شيءٌ في أيِّ مكانٍ في العالمِ... إلى آخرِ تلكَ الحبكاتِ التمثيليةِ المفبركةِ.

وأعرفُ عن انتشارِ الشوفينيةِ في أمريكا ترامب (التعصبُ الأعمى وازدراءُ الشعوبِ الأخرى) وتكريسُ شعارِ "أمريكا أولًا" وبموجبهما لم نسمعْ احتجاجاتٍ شبابيةً أو غيرَها في الولاياتِ المتحدةِ، عندما يقتادُ رئيسُ دولةٍ تمَّ خطفُهُ لتقديمِهِ إلى محكمةٍ في نيويورك.

لقد كانت هناكَ خيانةٌ، كما فسرَ رئيسُ بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو، وهذا ليسَ بعيدًا، وإذ تمشي في شارعِ المعز جنوبًا لتصادفَ بابَ زويلة وتَرى طومان باي معلقًا أيضًا بحبلِ خيانةِ خاير بك له، بعدَ أن تواصلَ مع العثمانيين، وكوفئَ بولايةِ مصرَ، لكنَّ المصريين سموهُ "خاين بك". وصدام وصلَ إليهِ الأمريكيون بسخائِهم في دفعِ ملايينِ الدولاراتِ، وهو في مخبئِهِ، وقدموهُ لمحكمةٍ هزليةٍ في العراقِ، ويبدو أنهم لم يكونوا بحاجةٍ إلى عرضِهِ في قفصٍ في مانهاتن أو فلوريدا.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة