احذروا الوقوع في غفلة الفتن!

21-1-2026 | 13:25

لِمَ الحديثُ عن هذا الموضوعِ ؟! باختصارٍ شديدٍ غيرِ مخلٍّ، لأنه بين الحينِ والحينِ تطلُّ علينا الفتنةُ بوجهِها القبيحِ، نتيجةَ وقوعِ بعضِ الأمورِ التي من وجهةِ نظري أنها تقعُ باستمرارٍ وفي مناسباتٍ عديدةٍ. وحدوثُها عاديٌّ جدًّا.

لكنَّ بعضَ أراذلِ القومِ الذين لا يريدون الخيرَ للبلادِ ولا للعبادِ، يتصيدون في الماءِ العكرِ، فيتصيدون كلمةً من هنا وكلمةً من هناك جراءَ واقعةٍ وقعت أو قولةٍ قيلت في مناسبةٍ ما، فيروحون بمنتهى القوةِ إلى تضخيمِ المسألةِ ويتمُّ تناقلُ الكلامِ عبرَ ناقليهِ، خصوصًا في عصرِنا هذا الذي ساعدت التقنياتُ الحديثةُ في نشرِ الأقاويلِ كسرعةِ البرقِ أو أشدَّ وأقوى. وعليه تقومُ القيامةُ ولا تقعدُ.

وهذا وذلك يقولُ، والآخرُ يزيدُ ويجوِّدُ في القولِ، وثالثٌ ينفي ويبررُ، ورابعٌ يدافعُ وخامسٌ يهاجمُ. ويصلُ الأمرُ إلى حدِّ التلاسنِ والسبابِ، وقد يتعدى الأمرُ إلى رفعِ قضايا على بعضِهم بعضًا، أو قد يصلُ عند عامةِ القومِ إلى الاقتتالِ والاحترابِ. والسببُ كلمةٌ قيلت من زيدٍ على عمروٍ، فعلمَ عمروٌ بها فقامَ بعملِ اللازمِ وزيادة.

لكن بقليلٍ من الفطنةِ والتريثِ في ردودِ الأفعالِ وتحري الدقةِ، والسؤالِ هل فعلًا، قال عمروٌ على زيدٍ ما قالَهُ، سينتهي الموضوعُ بسلامٍ دون حدوثِ تلاسناتٍ أو مشاجراتٍ. لكن الأدهى والأمرُّ من ذلك أن يكونَ (س)، أو (ص)، فعلَ فعلتَهُ من أجلِ إحداثِ فتنٍ يحدثُ من ورائِها وقيعةٌ بين الناسِ، لا من أجلِ شيءٍ اللهمَّ إلا إثارةَ القلاقلِ في المجتمعِ.

كمن يرى مشاجرةً بين اثنينِ، فيتدخلُ بينهما ويظنُّ البعضُ أنه يسعى لفضِّها لكنه ينقلُ كلمةً من هذا إلى ذاك ومن ذاك إلى هذا فيزدادُ الأمرُ سوءًا. وهنا تأتي العبارةُ المشهورةُ التي توارثناها كابرًا عن كابرٍ "الفتنةُ نائمةٌ لعنَ اللهُ من أيقظَها." ومن هذا المنطلقِ ينبغي ألا يسقطَ المرءُ في شراكِ الفتنِ.

ونجدُ على سبيلِ المثالِ أمثلةً كثيرةً للفتنِ في حياتِنا اليوميةِ المعيشةِ. فتنٌ كقطعِ الليلِ البهيمِ الموحشِ، وينبغي توخي الحذرِ حتى لا نقعَ فيها، ونحتكمَ إلى عقولِنا ولا نجعلَ للشيطانِ علينا سبيلًا، فالشيطانُ يتربصُ بنا الدوائرَ فلا نعطي له فرصةً ولا نمكنهُ من عقولِنا.

خلافاتٌ مجتمعيةٌ تقعُ داخلَ الأنديةِ أو في المؤسساتِ العامةِ، ويروحُ المرجفون يروجون للشائعاتِ، أنَّ فئةً بعينِها هي مَن تسببت في ذلك، ويروجُ قليلو الوعي أنَّ الطرفَ الآخرَ هو مَن اعتدى على الحقوقِ، والجميعُ من هذه الصراعاتِ الهامشيةِ براءٌ كبراءةِ الذئبِ من دمِ ابنِ يعقوبَ؛ إنما هو سلوكٌ فرديٌّ مرفوضٌ سواءٌ من مندفعينَ أو متجاوزينَ من هنا أو من هناك، لا يمثلون القيمَ الأخلاقيةَ ولا الأعرافَ المجتمعيةَ، فما علمنا أنَّ نهجًا قويمًا يدعو إلى الفرقةِ وبثِّ الكراهيةِ، وإنما هو انتسابٌ لا يشرفُ أحدًا من أصحابِ المبادئِ الحقيقيين.

أو كالذي يتبنى رؤيةً اجتماعيةً مغايرةً، أو مدرسةً فكريةً غيرَ مألوفةٍ، أو يعتنقُ فلسفةً في الحياةِ تختلفُ عن السائدِ، ويموتُ على ذلك، فتجدُ وابلًا من النقدِ القاسي والاتهاماتِ تصبُّ عليه قبلَ أن يواريه الثرى.

لكنَّ السؤالَ - وأنا لا أقصدُ أحدًا بعينهِ، حتى لا يفهمَ كلامي خطأً - هل نحن من يحاسبُ، هل نحن من يقولُ هذا مؤمنٌ وهذا كافرٌ، هل نحن من سيضعُ الموازينَ القسطَ ليومِ القيامةِ، هل نحن من بيدِنا مفاتيحُ الجنةِ، هل نحن خزنةُ النارِ؟!

الإجابةُ المنطقيةُ، بالنفي طبعًا، لماذا؟! لأنَّ كلَّ هذه الأمورِ من الغيبياتِ وأمورُها موكولةُ إلى اللهِ سبحانه وتعالى، واللهُ سبحانه وتعالى هو الذي يفصلُ ويحكمُ ويقضي بين العبادِ. ولا يظلمُ ربُّك أحدًا. لكن إذا كثرَ اللغطُ والقيلُ والقالُ فما الذي سيحدثُ، سيحدثُ ما لا تحمدُ عقباهُ، ستقعُ الفتنُ وسنسقطُ جميعًا في شراكِها.

وهل هناك فتنةٌ أشدُّ من فتنتي منافقي المدينةِ الذين تخلفوا عن رسولِ اللهِ مدعين أنَّ بيوتهم عورةٌ وما هي بعورةٍ وراحوا يروجون الشائعاتِ وتأليبَ الناسِ على الرسولِ صلى الله عليه وسلم، وأنها معركةٌ غيرُ متكافئةٍ وستنتهي بهزيمةِ المسلمين.

ثم الفتنةُ الكبرى، حادثةُ الإفكِ التي اتُّهمت فيها أمنا عائشةُ رضي اللهُ عنها. ثم فتنةُ الخوارجِ التي انتهت باستشهادِ عثمانَ بنِ عفانٍ رضي اللهُ عنه، وانتهت بحربٍ ضروسٍ بين عليِّ بنِ أبي طالبٍ ومعاويةَ بنِ سفيانَ، وآلت إلى استشهادِ عليٍّ كرمَ اللهُ وجهَهُ. وإذا استعرضنا تاريخنا الإسلاميَّ على مرِّ كلِّ عصورِهِ سنجدُ فتنًا كقطعِ الليلِ المظلمِ. لكنَّ الكيسَ الفطنَ الذي لا يسلمُ نفسَهُ ويعطي عقلهُ لمثلِها. فهل أنتم منتهون؟!

أستاذ الفلسفة بآداب حلوان

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: