..حين سُئِل الرئيس الأمريكي ترامب قبل أيام من صحيفة نيويورك بوست عما إذا كان سيحذو حذو رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتناياهو ويعترف بأرض الصومال كدولةٍ؛ قال: لا ليس حاليًّا، لكن عاد وأردف: إن "كل شيء قيد الدراسة.. "سندرس الأمر".
هذا الرد في ظاهره وباطنه يعكس نيةً سيئةً من جانب هذا الرجل الذي قدم مشهدية سطوٍ مسلحٍ أمام العالم على فنزويلا وخطف رئيسها وثرواتها، ولا يمكن الاطمئنان إليه في قضية أرض الصومال التي باتت بعد اعتراف إسرائيل بها تهديدًا للأمن القومي العربي وفي القلب منه مصر والسعودية..
وبحسابات العلاقات الإسرائيلية-الأمريكية ومشروعهما المشترك للهيمنة على المنطقة، والتمكين من مفاصلها، يصبح القرار الأمريكي بالاعتراف بأرض الصومال مسألة وقتٍ مع تسارع الأحداث العالمية، ومع مخطط ترامب في هدم النظام الدولي وإحلاله بنظام الهيمنة وإخضاع الدول بقوة السلاح، كما أنه من السذاجة استبعاد الولايات المتحدة عما تقوم به إسرائيل، فهما شركاء في كل شيءٍ.
وعدم اعتراض الولايات المتحدة على قيام إسرائيل بالاعتراف بهذا الإقليم الانفصالي، وتركها تتموضع فيه، وتتجه لإقامة قاعدةٍ عسكريةٍ لها يعني بطريقةٍ غير مباشرةٍ أن تحرك إسرائيل يأتي على هوى واشنطن؛ لأنه واقعيًّا يخدم مصالح الولايات المتحدة، ويحقق أهدافها في المنطقة، وفي مقدمتها الهيمنة على البحر الأحمر؛ انطلاقًا مما يربط الدولتين من تعاونٍ إستراتيجي وصل إلى حد الدفاع المشترك، وبدا ذلك بوضوح في الحرب على غزة التي أبادتها إسرائيل بسلاح الولايات المتحدة، بل لا أستبعد أن يكون التحرك الإسرائيلي في أرض الصومال قد تم بإيعازٍ ومباركةٍ من أمريكا وتحت رعايتها.
كما أن هذا التحرك الإسرائيلي في الصومال لا يمكن تناوله بمعزلٍ عن محركاته في واشنطن، التي لا يجرؤ نتناياهو القيام بأي عملٍ في المنطقة دون مباركةٍ منها، فقد كشف الحديث الدائر حول الاعتراف الإسرائيلي بما يسمى أرض الصومال عن وجود دعمٍ له من أبرز أنصار ترامب من أعضاء حركة "ماجا"؛ الذين رأوا فيه خطوةً متقدمةً لدعم أمن أمريكا يجب مساندته، كما يتبنى 4 من الأعضاء الجمهوريين البارزين بمجلس النواب الأمريكي، وهم: سكوت بيري من ولاية بنسلفانيا، وتوم تيفاني من ولاية ويسكونسن، وآندي أوجلز، وتيم بورشيت من ولاية تينيسي، مشروع قرارٍ بالكونجرس يدعو الإدارة الأمريكية للاعتراف بأرض الصومال كدولةٍ، وحمل المشروع عنوان "قانون استقلال جمهورية أرض الصومال".
وفي هذا السياق يمكن أن تتم قراءة ما جاء في تغريدة السناتور الأمريكي تيد كروز الذي سارع في منشورٍ على منصة إكس بقوله: إن الاعتراف بأرض الصومال يتماشى مع المصالح الأمنية الأمريكية، واصفًا إسرائيل بأنها “حليف يشاركنا قيمنا في منطقةٍ حيويةٍ للتجارة العالمية ومكافحة الإرهاب".
ولم يتوقف الدعم الأمريكي السافر عند هذا الحد، بل إن منتدى الشرق الأوسط، وهو جهة بحثية أمريكية قريبة جدًّا من إسرائيل طالب الرئيس ترامب بإعادة النظر في ضرورة الاعتراف بأرض الصومال.
وبرر المنتدى هذه الدعوة المشبوهة بأسبابٍ تتعلق بالأمن القومي الأمريكي في المنطقة.
إذن الدعم الأمريكي لإسرائيل في دخولها أرض الصومال والاعتداء على سيادة دولة الصومال، وتهديد أمن مصر والسعودية وكل العرب، والتي توجتها بأول زيارةٍ لوزير الخارجية الإسرائيلي قبل أيام لهذا الإقليم الانفصالي، يكشف أبعاد المخطط الأمريكي-الإسرائيلي للسيطرة على البحر الأحمر والتحكم في حركة الملاحة، والذي أشرت إليه في مقالٍ لي الأسبوع الماضي بعنوان "مصيدة البحر الأحمر".
ولا أرى أن بيانات الاستنكار والإدانة يمكن أن تكون كافيةً لردع إسرائيل أو انتزاع موقفٍ أمريكيٍّ واضحٍ يمنع إسرائيل من التموضع في أرض الصومال، أو يقنع أمريكا أن سعيها الخبيث أو غضها الطرف عما يحدث من إسرائيل لابد أن يتوقف.
إن التعامل مع هذه القضية يقتضي تجاوز مرحلة الإدانة والبيانات إلى اتخاذ خطوات عملية وأكثر فاعلية، وبما أن السياسة الدولية، وتحديدًا التوجهات الأمريكية، ترتكز بشكل أساسي على لغة المصالح المتبادلة، فإنه من الضروري توجيه رسالة واضحة تربط بين المواقف السياسية -كالاعتراف بـ أرض الصومال- وبين استدامة التعاون الاقتصادي والمشروعات المشتركة؛ فإن مراجعة الشراكات الاستثمارية والاتفاقات القائمة، بما في ذلك العلاقات الدبلوماسية والتعاون المشترك، تمثل أداة ضغط حيوية؛ لضمان احترام السيادة وإعادة النظر في تلك القرارات.
وليعلم الجميع إن سياسة الاستنكار والإدانة لن تجلب الأمن للعرب، ولم يعد يجدي نفعًا مع طرفين متحالفين على استخدام القوة وسياسة الأمر الواقع..
ولا شك أن التحركات العاجلة التي تقودها مصر ونجحت في تشكيل ما يمكن وصفه بتحالفٍ عربيٍّ إفريقيٍّ إسلاميٍّ دوليٍّ يمكن البناء عليه وتفعيله دوليًّا بما يساهم في تشكيل قاعدةٍ دوليةٍ ضاغطةٍ على أمريكا وإسرائيل لوقف هذا المشروع الخبيث، وبالتوازي لابد من تحركٍ فاعلٍ لدعم دولة الصومال في بسط نفوذها وكامل سيادتها على أراضيها، مع العمل لتفعيل آلية التعاون المشترك بين الدول المتشاطئة على البحر الأحمر باعتباره مجالًا حيويًّا لأمنها القومي.
الخطورة الكبرى للتحركات الإسرائيلية-الأمريكية المشبوهة في أرض الصومال تتمثل في عدة أوجهٍ؛ في مقدمتها التحكم في أمن الملاحة بالبحر الأحمر، وما يترتب على ذلك من تأثيراتٍ محتملةٍ على حركة الملاحة في قناة السويس، وتهديد أمن السعودية ودول الخليج؛ عبر السيطرة على مضيق باب المندب، وعلاوةً على ذلك فإن البحر الأحمر يحتوي على شبكة كابلاتٍ عملاقةٍ للاتصالات العالمية، وتتحكم أيضًا في التجارة الرقمية في العالم، وهو ما يعرضها لهجماتٍ سيبرانيةٍ من إسرائيل وأمريكا، أو على الأقل جعلها تحت سيطرة الدولتين والتحكم فيها، بل والحصول على المعلومات الاستخبارية التي يريدونها من خلال هذه الشبكة، ولديهما من التقدم التكنولوجي المعلوماتي ما يوفر لهما أدوات التجسس بسهولةٍ ويسرٍ.
لكن السؤال: إذا كانت أرض الصومال بهذه الأهمية الإستراتيجية الكبيرة؛ للدرجة التي تهدد الأمن القومي العربي في البحر الأحمر، لماذا تم تركها طوال هذه العقود حتى أصبحت مطمعًا لإسرائيل وأمريكا وشوكةً تهدد أمن العرب؟ فقد أعلنت استقلالها عن الصومال في 1991 كحركةٍ انفصاليةٍ غير شرعيةٍ، وطوال هذه السنوات بقيت بعيدةً عن دائرة الاهتمام الأمني العربي، حتى استفحلت وتحولت إلى أرض تهديدٍ من الدرجة الأعلى خطورةً.. أليس كان من الأفضل قيام الدول العربية بدعم سلطة الدولة الصومالية؛ ببسط سيطرتها على كامل أراضيها، وإجهاض هذا المشروع المشبوه في المهد؟!!..
[email protected]