ذكرت صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية في تقرير لها، أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تواصل إصدار أوامر متكررة بوقف العمل في مشروعات طاقة الرياح البحرية قبالة الساحل الشرقي للولايات المتحدة؛ ما دفع ما لا يقل عن مشروعين إلى حافة الانهيار وهدّد استثمارات بمليارات الدولارات كانت تُعد ركيزة أساسية لتوسع الطاقة المتجددة وخلق آلاف الوظائف.
موضوعات مقترحة
وأوضحت الصحيفة الأمريكية أن الصدمة الكبرى جاءت بعد أن تبين لرئيس اتحاد العمال في رود آيلاند باتريك كراولي أن إدارة ترامب قررت من جديد تعليق أعمال البناء في مشروع «ريفوليوشن ويند»، مزرعة الرياح البحرية التي قاربت على الاكتمال بتكاليف 6.2 مليار دولار قبالة سواحل رود آيلاند، والتي توفر فرص عمل لمئات من أعضاء الاتحاد العمالي، في تكرار لقرار سابق أعاد حالة عدم اليقين إلى المشروع مرة أخرى.
فقد تكرر الأمر نفسه في أغسطس الماضي، ما أصاب قادة في ولايتي كونيتيكت ورود آيلاند بالذهول، حيث كان من المتوقع أن يزوّد المشروع أكثر من 350 ألف منزل ومنشأة بالطاقة عند اكتماله غير أن الولايتين إلى جانب شركة أورستد الدنماركية العملاقة للطاقة التي تقف خلف المشروع، رفعت دعاوى قضائية، وفي سبتمبر سمح قاضٍ فيدرالي باستئناف أعمال البناء حيث مرت أشهر منذ ذلك التعطيل الأول وكانت الأعمال قد بلغت 87% من الإنجاز، مع تركيب 58 توربين رياح من أصل 65.
وبحسب نيويورك تايمز، فإن الشركات حول العالم تعاني من تقلبات حادة بسبب التحولات المفاجئة في سياسات الرئيس ترامب لكن قلة من القطاعات تضررت بقدر ما تضررت شركات طاقة الرياح البحرية.
ففي إعلان مفاجئ صدر في 22 ديسمبر الماضي، أوقفت إدارة ترامب العمل في جميع مزارع الرياح الخمس الجاري إنشاؤها حالياً قبالة الساحل الشرقي للولايات المتحدة؛ وتبلغ القيمة الإجمالية لهذه المشروعات نحو 25 مليار دولار، وكان من المتوقع أن تزود أكثر من 2.5 مليون مبنى بالطاقة، وأن تخلق قرابة 10 آلاف وظيفة.
وتُعد هذه المشروعات الخمسة بمثابة رواد لمرحلة جديدة من طاقة الرياح البحرية في الولايات المتحدة ، وهي المرحلة التي كان الرئيس السابق جو بايدن يأمل في إطلاقها ..فقد راجعت إدارة بايدن هذه المشروعات ومنحتها التصاريح اللازمة، ما أتاح للمطورين تأمين التمويل، وتوقيع عقود بيع الكهرباء للولايات والجهات الخدمية، وتوظيف العمال، واستئجار المعدات، وبدء أعمال البناء.
وتشمل هذه المشروعات: ريفوليوشن ويند، وإمباير ويند (Empire Wind)، وصنرايز ويند (Sunrise Wind) قبالة نيويورك، وفاين يارد ويند (Vineyard Wind) قبالة ماساتشوستس، ومشروع الرياح البحرية الساحلية في فيرجينيا (Coastal Virginia Offshore Wind).
وكان من المقرر أن تنضم هذه المشروعات إلى مزرعتين أصغر تعملان بالفعل في المياه الساحلية الامريكية لكن، وكما حدث في أغسطس قالت إدارة ترامب الشهر الماضي إن هذه المشروعات تشكل مخاطر غير معلنة على الأمن القومي، رغم أن القاضي الفيدرالي كان قد رفض سابقاً ادعاءً مماثلاً؛ ونتيجة لذلك، وجد العمال أنفسهم عاطلين عن العمل في منتصف فصل الشتاء، وهو وقت تقل فيه فرص العمل الأخرى في قطاع البناء.
وفي الوقت نفسه.. تنزف الشركات المطورة للمشروعات عشرات الملايين من الدولارات يومياً وقد حذرت بعض هذه الشركات من أنها قد تضطر إلى التخلي عن مشروعاتها بالكامل إذا استمر وقف العمل لفترة أطول، ما يعني تحمل خسائر بمليارات الدولارات وتسريح آلاف العمال.
وخلال الأشهر التي سبقت وقف العمل في ديسمبر، كان العديد من جماعات الضغط والتنفيذيين في قطاع طاقة الرياح البحرية يعتقدون أن الاضطرابات السياسية انتهت، وأن المشروعات باتت قادرة على المضي قدماً بأمان.
وبدا المشهد مستقراً بما يكفي لأن تضخ شركة إكوينور المطورة لمشروع إمباير ويند البالغة قيمته 5 مليارات دولار قبالة ساحل لونج آيلاند في نيويورك، استثمارات إضافية بقيمة 1.5 مليار دولار في المشروع منذ مايو، وفقاً لوثائق قضائية.
وكانت إدارة ترامب قد أوقفت أعمال البناء في إمباير ويند في أبريل، لكنها سمحت باستئنافها في مايو بعد أسابيع من المفاوضات مع حاكمة ولاية نيويورك، كاثي هوكول..مشيرة إلى أنها تراجعت عن قرارها فقط بعد موافقة هوكول على تمرير خطوط أنابيب غاز جديدة في الولاية، وهو ما نفته الحاكمة.
وخلال فصل الخريف، بدا كل شيء وكأنه عاد إلى طبيعته وحتى يوم الجمعة 19 ديسمبر، أي قبل ثلاثة أيام فقط من أحدث قرار بالوقف، كان العديد من المطورين يعتقدون أن مشروعاتهم في مأمن، وفقاً لاثنين من جماعات الضغط الجمهورية في قطاع الطاقة.
لكن في ذلك اليوم، عقد مسؤولون كبار في الإدارة اجتماعاً لمناقشة تقرير سري صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية خلص إلى أن هذه المشروعات قد تشكل تهديداً للأمن القومي من خلال تداخلها مع أنظمة الرادار، بحسب جماعات الضغط.
وبحلول يوم الإثنين، أعلنت الإدارة تعليق عقود الإيجار التي تستند إليها المشروعات الخمسة للبناء والتشغيل في المياه الفيدرالية.
وأكد ممثلو أورستد وإكوينور، اللتين كانتا تعقدان اجتماعات منتظمة مع مسؤولين من وزارة الداخلية الامريكية وخفر السواحل طوال الخريف، أنهم فوجئوا بالقرار، وقالت الشركتان في ملفات قضائية إن أي مخاوف تتعلق بالأمن القومي لم تُطرح مطلقاً خلال تلك الاجتماعات.
وكانت وزارة الدفاع الأمريكية قد راجعت خطط المشروعات الخمسة مراراً على مدى سنوات منذ اقتراحها، كما اتخذت الشركات خطوات طلبها الجيش للحد من التأثيرات على أنظمة الرادار.
ودفعت شركة دومينيون إنرجي (Dominion Energy)، المطورة لأكبر مشروع متعثر قبالة فيرجينيا، مبلغ 250 ألف دولار لتحديث رادارات عسكرية في المنطقة.
وطلبت أورستد وإكوينور ودومينيون من إدارة ترامب تقديم إحاطات سرية حول هذه المخاوف لممثلين يحملون تصاريح أمن قومي، إلا أن وزارة الدفاع لم تمنح هذه الطلبات حتى الآن، وفقاً للملفات القضائية.
وقالت مولي موريس، نائبة الرئيس الأولى في إكوينور والمشرفة على مشروع إمباير ويند: «كنا واضحين ومتسقين في استعدادنا لمعالجة أي مخاوف إضافية تتعلق بالأمن القومي لم يتم التعامل معها بالفعل خلال تواصلنا المطول مع وكالات الدفاع»..مضيفة : «لذا فإن هذا القرار فاجأنا، ولم يُتح لنا الاطلاع على الأدلة السرية للغاية التي يُقال إنها متوافرة الآن».
ومن جانبه .. قال النائب الجمهوري عن ولاية نيوجيرسي، جيف فان درو، وهو من أبرز منتقدي طاقة الرياح البحرية في الكونجرس، إنه يرى أن المخاوف الأمنية مشروعة..مضيفا : «إذا حاول أحد الإيحاء بأن ترامب يستخدم وزارة الدفاع كأداة لوقف طاقة الرياح، فلا أعتقد أن هذا دقيق».
لكن خبراء درسوا مسألة تداخل مزارع الرياح البحرية مع أنظمة الرادار يرون أن المشكلة معروفة ويمكن معالجتها عبر حلول تقنية وتدريب لقادة السفن.
وقال فرانك روسكو، مدير شؤون الموارد الطبيعية والبيئة في مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي وأحد معدي تقرير صدر في أبريل 2025 حول الموضوع: «هذه مشكلة معروفة وتمت دراستها، لكن لا يبدو أنها مشكلة غير قابلة للحل».
ويرفع مطورو أربعة من المشروعات الخمسة، إلى جانب ولايات كونيتيكت ونيويورك ورود آيلاند، دعاوى قضائية لاستئناف أعمال البناء؛ ومن المقرر أن تبدأ جلسات الاستماع غدا الاثنين، وقد تصدر الأحكام في وقت مبكر من الأسبوع المقبل.
وأكد مسؤولون في البيت الأبيض أن موقفهم من طاقة الرياح البحرية لم يتغير منذ اليوم الأول لعودة ترامب إلى منصبه، حين أصدر مذكرة بتجميد الموافقات على جميع مشروعات الرياح الجديدة في الأراضي والمياه الفيدرالية وكان الرئيس الأمريكي قد وصف مراراً توربينات الرياح بأنها قبيحة ومكلفة وغير فعالة.
وقالت تايلور روجرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض، في رسالة إلكترونية: «موقف الرئيس ترامب من طاقة الرياح البحرية كان ثابتاً لسنوات — من إجراءات ولايته الأولى، إلى خطابه خلال الحملة الانتخابية، وصولاً إلى قراره التنفيذي في اليوم الأول الذي ألغى عقود إيجار طاقة الرياح البحرية».
واختتمت (نيويورك تايمز) تقريرها بأن إيقاف مشروع لطاقة الرياح البحرية بقيمة مليارات الدولارات وهو قيد الإنشاء في عرض المحيط ليس بالأمر السهل أو الرخيص؛ فهذه المشروعات تعتمد على تنسيق دقيق بين عمال متخصصين ومعدات وسفن ضخمة، وأي تأخير يمكن أن يؤدي إلى انهيار الجدول الزمني بالكامل.
ففي مشروع ريفوليوشن ويند، تستخدم أورستد سفينة بطول 450 قدماً تُدعى ويند سايلا (Wind Scylla) لتركيب التوربينات الفولاذية العملاقة ولا يمتد عقد السفينة سوى حتى 22 فبراير، ثم من المقرر أن تغادر إلى مشروعات أخرى حول العالم.