وسط حروب وأزمات ونظام دولي مضطرب، نجحت جمهورية كوريا (الجنوبية) في اتباع دبلوماسية برجماتية ملهمة، في سياستها الخارجية، متناغمة مع ما يمكن وصفه بالاتزان الإستراتيجي (على غرار ما تنتهجه مصر منذ 10 سنوات)، وقائمة على الاحترام والتعاون المتبادل، ومستندة إلى أسس اقتصادية، وديمقراطية قويَّةً.
مفهوم الاتزان الإستراتيجي الكوري تجلى في الوصف الدقيق، الذي أوردته صحيفة "جوسون إلبو"، لنتائج أول زيارة يقوم بها رئيس كوري جنوبي، لي جيه-ميونج، للصين منذ أكثر من 7 سنوات، والمباحثات التي أجراها الأسبوع الماضي مع نظيره الصيني، شي جين بينج، وذكرت نصًّا: "الرئيس لي كان يسير على حبل دبلوماسي مشدود، وسط التوترات بين الصين واليابان، وبين الولايات المتحدة والصين".
ظهر الاتزان الإستراتيجي في فوز الدبلوماسية البرجماتية الكورية باستعادة العلاقات القوية مع الصين، وترسيخها لثلاثة عقود مقبلة بدءًا من عام 2026، مع الحفاظ - في الوقت نفسه - على وضع سول كحليف آسيوي محوري للولايات المتحدة.
لأن الصين هي أكبر شريك لكوريا، بحجم تبادل تجاري يصل إلى نحو 300 مليار دولار سنويًّا، تعتزم سول إدارة علاقتها مع بكين على أساس الاحترام المتبادل والمصلحة الوطنية، بحيث لا تميل العلاقات إلى جانب واحد، أو تتأثر بالعواطف.
العلاقات بين سول وبكين كانت قد تدهورت بعدما نشرت الأولى منظومة دفاع صاروخي أمريكية على أراضيها عام 2017، كما شهدت العلاقات فترة عصيبة خلال حكم يون صوك-يول، الذي ركّز على التقارب مع واشنطن وطوكيو.
الرئيس الكوري أظهر موقفًا حذرًا تجاه التوتر الناشب بين اليابان والصين، وسط تصاعده - تحديدًا - بعد قرار بكين حظر تصدير المواد ذات الاستخدام المزدوج إلى اليابان، وقال: "أعتقد أن ما يمكننا فعله محدود للغاية، وعملية حظر الصادرات معقدة ولها جذور عميقة، وعندما يحين الوقت، سنبحث عن دور يمكننا القيام به".
أيضًا، فازت سول بمساندة بكين في معالجة معضلة بيونج يانج النووية، حيث استغل الرئيس لي فرصة وجوده في دار ضيافة "دياو يو تاي" الصينية، التي استضافت محادثات سداسية سابقة في بكين، للإشادة بالدور الإقليمي الصيني، باعتبارها شريك أساسي في جهود السلام، وإعادة توحيد شبه الجزيرة الكورية.
قبل ساعات من وصول لي إلى بكين، أطلقت كوريا الشمالية صواريخ باليستية في أول تجربة أسلحة صاروخية هذا العام، وفي اليوم التالي، أعلنت بيونج يانج أنها أطلقت صاروخين فرط صوتيين، مؤكدة أن قواتها النووية جاهزة لحرب حقيقيَّةً!
منذ توليه منصبه في يونيو الماضي، مد الرئيس لي غصن الزيتون بيده إلى كوريا الشمالية، وعرض رؤيته لنزع السلاح النووي من شبه الجزيرة، في محاولة لتحسين العلاقات بين الكوريتين، إلا أن الشمال لم تستجب لمبادراته السلمية.
حسب مستشار الأمن القومي الكوري، وي صونج-لاك، أكدت القمة الكورية-الصينية على أهمية استئناف الحوار مع كوريا الشمالية، كما أكدت بكين استعدادها للقيام بدور بناء للحفاظ على السلام والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية، بالإضافة إلى اتفاق الجانبين على مواصلة البحث عن سبل مبتكرة لبناء سلام دائم.
معلوم أن زيارة رئيس كوريا لبكين تزامنت مع تصاعد التوتر بين الصين واليابان حول جزيرة تايوان، والهجوم الأمريكي على فنزويلا. وبدون أن يتطرق إلى تلك القضايا الشائكة، صرح الرئيس لي بأنه "سيحافظ على دبلوماسية برجماتية، في نظام دولي قاسٍ، لا يوجد فيه عداوات أو صداقات أو قواعد للأبد، وأن مصير بلاده يتوقف على دبلوماسية برجماتية، ترتكز على المصالح الوطنية، وتعهد بمواصلة الدبلوماسية التي تعزز السلام والازدهار المشترك وسط مشهد جيوسياسي متغير".
وقال: "لم تلتئم جراح التاريخ تمامًا بعد، ولا تزال مصادر المواجهات موجودة في العديد من الأماكن في النظام الدولي المضطرب اليوم.. وفي أوقات كهذه، نحتاج إلى سياسة الاحترام بدلاً من منطق القوة، ولدبلوماسية التعاون بدلاً من المواجهة".
الصحف الكورية الصادرة في صباح اليوم التالي للقمة الكورية-الصينية (6 يناير) جاءت فيها العناوين التالية: سول وبكين تتشاركان رؤية للسلام بشبه الجزيرة الكورية (سول شينمون)، لي يقول إن عام 2026 يمثل العام الأول لاستعادة العلاقات بين كوريا الجنوبية والصين بشكل كامل (جونج آنج إلبو)، شي يدعو إلى الوقوف مع الجانب الصحيح للتاريخ وسط توترات مع الولايات المتحدة (جوسون إلبو)، لي يدعو إلى الاعتراف بالاختلاف مع السعي لإيجاد أرضية مشتركة لاستعادة العلاقات مع الصين ويدعو شي للتعاون الإستراتيجي (كوكمين إلبو).
تغطية وسائل الإعلام اليابانية لنتائج القمة الكورية-الصينية، جاءت أكثر شاملة الأوضاع الإقليمية، في ظل استمرار التوتر بين الجارتين اللدودين اليابان والصين.
صحيفة يوميوري اليابانية نشرت تقريرًا عن القمة أشارت فيه إلى أن الرئيس شي جين بينج طلب من نظيره الكوري الوقوف إلى الجانب الصحيح من التاريخ، وأن البلدين حصلا على الاستقلال من الاستعمار العسكري الياباني قبل 80 عامًا من خلال بذل تضحيات وطنية كبيرة.
الصحيفة اليابانية - نفسها - فسرت تصريحات الرئيس الصيني بأنها دعوة صريحة لكوريا، للوقوف إلى جانب الصين ضد اليابان.
في الوقت نفسه، ذكر تقرير نشرته صحيفة ماينيتشي اليابانية أن بكين وضعت في الاعتبار زيارة الرئيس الأمريكي ترامب للصين في شهر أبريل المقبل، واستمرار الصراعات الصينية-الأمريكية، وسعت لإضعاف التعاون الثلاثي بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان، ولجذب الجانب الكوري إلى صفها بشأن قضية تايوان.
أيضًا، أشارت صحيفة نيهون كيزاي اليابانية إلى أن الرئيس الكوري بذل جهودًا حثيثة للحفاظ على موقف حيادي، وسط مطالبة الصين بالتمسك بالنضال التاريخي المشترك، بينما سعى - في الوقت نفسه - إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع بكين.
أوضحت الصحيفة أن الرئيس لي شدد على الدبلوماسية البرجماتية التي تهدف إلى بناء علاقات جيدة مع مختلف الدول مع الحفاظ على الاتزان الإستراتيجي، والرغبة القوية في استعادة العلاقات مع الصين، مع الحفاظ على علاقة طيبة مع اليابان.
الحفاظ على علاقات طيبة وموجهة نحو المستقبل وعدم تجاهل القضايا التاريخية مع اليابان، تدخل في صلب الدبلوماسية البرجماتية والاتزان الإستراتيجي الكوري، وبناء عليه يصل إلى مدينة نارا بعد غد الثلاثاء الرئيس لي جيه-ميونج في زيارة لليابان تستغرق يومين، ويعقد مباحثات قمة مع الزعيمة اليابانية تاكايتشي ساناي.
[email protected]