تعتبر الرغبة في تناول الطعام أحد المؤشرات الحيوية التي تعكس الحالة الصحية العامة للإنسان، فهي ليست مجرد عملية بيولوجية لسد الجوع، بل هي مرآة لكفاءة الأجهزة العضوية والنفسية على حد سواء، ومع ذلك، يمر الكثيرون بفترات يفقدون فيها الرغبة في الأكل، وهو ما قد يمر مرور الكرام في حالات الإجهاد البسيط أو تغيير الفصول، لكنه في حالات أخرى يمثل "صافرة إنذار" مبكرة لأمراض جسيمة قد تتخفى وراء هذا الزهد المفاجئ في الطعام، مما يجعل من الضروري فك الشفرة بين ما هو عارض ناتج عن ضغوط يومية وما هو مرض يتطلب تدخلاً طبياً عاجلاً.
موضوعات مقترحة
فقدان الشهية
قال الدكتور أحمد دياب، استشاري التغذية العلاجية، إن فقدان الشهية قد يكون في كثير من الأحيان مجرد رد فعل طبيعي ومؤقت للجسم نتيجة ضغوط نفسية عابرة أو تغييرات مفاجئة في نمط الحياة اليومي، إلا أنه يتحول إلى علامة مرضية تستوجب التدخل الطبي الفوري إذا استمر لفترات تتجاوز الأسبوعين وتزامن مع فقدان ملحوظ وغير مبرر في الوزن يتجاوز 5% من كتلة الجسم الإجمالية خلال فترة قصيرة.
وأضاف أن هناك معايير سريرية محددة تحدد خطورة الحالة، منها شعور الفرد بالخمول الدائم، وشحوب الوجه، وجفاف الجلد، وتساقط الشعر بغزارة، وهي علامات تشير بوضوح إلى أن الجسم بدأ يستهلك مخزونه الاستراتيجي من العناصر الغذائية الأساسية نتيجة التوقف عن الإمداد الخارجي، مما يؤثر بشكل مباشر وخطير على كفاءة الجهاز المناعي وقدرة الجسم على مقاومة العدوى البكتيرية والفيروسية.
وأكد استشاري التغذية العلاجية، أن فقدان الشهية المزمن قد يكون العرض الأول والمبكر لمشاكل صحية باطنية معقدة، مثل اضطرابات الجهاز الهضمي المزمنة كالتهابات المعدة أو قرحة الاثني عشر، أو حتى قصور في وظائف الكبد والكلى، حيث تؤدي تراكم السموم في مجرى الدم في حالات اعتلال الكلى إلى إرسال إشارات كيميائية للمخ تمنع الرغبة في الأكل كآلية دفاعية مشوهة من الجسم، مما يدخل المريض في حلقة مفرغة من الضعف العام.
وأشار، إلى أن بعض الأمراض الالتهابية المزمنة والاضطرابات الحادة في الغدد الصماء، مثل كسل الغدة الدرقية أو اضطرابات إفراز الأنسولين، قد تتسبب في اختلال توازن الهرمونات المسؤول عن مراكز الجوع والشبع في الدماغ، وهو ما يجعل المريض يشعر بالامتلاء الدائم أو النفور من رائحة الطعام رغم حاجته الفسيولوجية الفعلية للطاقة، ما يؤدي بمرور الوقت إلى حالة من الهزال العام وضيق التنفس عند بذل أي مجهود بسيط.
فقدان الشهية لدى كبار السن
ولفت إلى أهمية الانتباه الشديد إلى أن فقدان الشهية المفاجئ لدى كبار السن قد يكون مرتبطًا بمشاكل في التذوق أو آلام الأسنان، لكنه في الوقت ذاته قد يخفي وراءه بدايات لأمراض خبيثة في القولون أو المعدة لا تظهر أعراضها الواضحة إلا في مراحل متأخرة، مما يجعل من الضروري إجراء فحوصات دورية شاملة وأشعة تليفزيونية عند ملاحظة أي تغيير مفاجئ وحاد في العادات الغذائية اليومية.
وحدد الدكتور أحمد دياب الفرق الجوهري بين فقدان الشهية كعرض جانبي لمرض عضوي، وبين ما يعرف بـ "فقدان الشهية العصبي" الذي يصنف عالمياً كاضطراب نفسي وسلوكي خطير، حيث يعاني المريض في الحالة الثانية من صورة ذهنية مشوهة تماماً عن جسده تدفعه للامتناع العمدي عن الأكل خوفاً من السمنة، رغم وصوله لمرحلة النحافة المفرطة التي قد تؤدي إلى توقف بعض عضلة القلب أو حدوث خلل في كهرباء الجسم.
وحذر من التهاون مع الحالات التي يصاحب فيها فقدان الشهية شعور بالضيق الدائم، أو الأرق، أو الرغبة في الانعزال الاجتماعي، موضحاً أن الاكتئاب السريري هو أحد أكبر مسببات الزهد في الطعام في العصر الحديث، حيث تنخفض مستويات السيروتونين والدوبامين في الدماغ، وهي المواد الكيميائية المسؤولة عن الشعور باللذة والمكافأة المرتبطة بتناول الوجبات، مما يجعل الطعام يبدو بلا طعم أو قيمة في نظر المريض.
التشخيص الدقيق
واستطرد، أن التشخيص الدقيق يبدأ من مراقبة النمط الغذائي اليومي بدقة لمدة أسبوعين متواصلين، فإذا تبين أن الشخص يتناول أقل من نصف احتياجاته اليومية المعتادة دون سبب واضح مثل السفر أو تغيير نوعية الأكل، يجب التوجه فوراً للمختبر لإجراء تحاليل صورة الدم الكاملة (CBC) للبحث عن الأنيميا، وفحص سرعة الترسيب، ووظائف الأعضاء الحيوية للتأكد من سلامة البيئة الداخلية للجسم.
واستكمل شارحاً أن بروتوكول العلاج لا يجب أن يقتصر أبداً على إعطاء "فاتح شهية" كيميائي كما يعتقد الكثير من الناس، بل يجب أن يركز بشكل أساسي على علاج المسبب الجذري، سواء كان ذلك من خلال تنظيم مستويات السكر، أو علاج جرثومة المعدة، أو اللجوء للدعم النفسي المتخصص، مع ضرورة التركيز في المرحلة الانتقالية على تقديم وجبات صغيرة الحجم، متكررة، وعالية القيمة الغذائية (مثل المكسرات والبروتينات السهلة) لتعويض المفقود.
نقص الفيتامينات
ونوه إلى أن نقص بعض العناصر الدقيقة، مثل معدن الزنك وفيتامين ب12، يلعب دوراً محورياً في ضعف حاسة التذوق وبالتالي فقدان الشهية، مشدداً على أن تعويض هذه النواقص تحت إشراف طبي قد يعيد للمريض رغبته الطبيعية في الأكل خلال أيام قليلة، شريطة عدم الانسياق وراء الوصفات العشوائية أو المكملات الغذائية غير الموثوقة التي قد ترهق الكبد بشكل إضافي.
وأنهى الدكتور أحمد دياب حديثه بالتشديد على ضرورة شرب كميات كافية من الماء بانتظام وممارسة نشاط بدني خفيف مثل المشي لتحفيز عملية التمثيل الغذائي وتنشيط الدورة الدموية، مؤكداً أن الشهية ليست مجرد رغبة عابرة في الأكل، بل هي "اللغة الخاصة" التي يتحدث بها الجسد للتعبير عن حالته الصحية، وأن إهمال هذه الرسائل الصامتة قد يؤدي إلى عواقب وخيمة يصعب تداركها لاحقاً.