جدل واسع.. حجب جائزة ساويرس للقصص القصيرة يثير أزمة ثقافية

10-1-2026 | 20:00
جدل واسع حجب جائزة ساويرس للقصص القصيرة يثير أزمة ثقافيةجائزة ساويرس الثقافية
هبة إسماعيل

أثار قرار حجب جائزة ساويرس الثقافية لأفضل مجموعة قصصية (المركز الأول – فرع الشباب) موجة واسعة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بين كتّاب ونقاد وقراء، تحوّل فيها القرار من مجرد نتيجة تحكيم إلى أزمة ثقافية مفتوحة، طرحت أسئلة جوهرية حول معايير التقييم، ودور الجوائز الأدبية في دعم الأجيال الجديدة.

موضوعات مقترحة

من الحجب إلى الخذلان

رأى كثيرون أن الحجب لم يكن مجرد قرار فني، بل رسالة قاسية لجيل كامل من الكتّاب الشباب، خاصة بعد وصول بعض الأعمال بالفعل إلى القائمة القصيرة.

فالمرشحون حضروا الحفل وهم يتوقعون الاحتفاء بوصولهم، وربما الفوز بالمركزين الأول أو الثاني، قبل أن يفاجأوا بقرار الحجب، ثم بكلمة ألقاها الكاتب جرجس شكري، عضو لجنة التحكيم، حول حيثيات القرار، بدت – في نظر البعض – مرتجلة، لكنها وقعت كالصاعقة على المرشحين والحضور.

تحوّل الأمل في التتويج إلى شعور بالخذلان، وبرز سؤال ملحّ: كيف تنتقل الأعمال من مرحلة القبول والترشيح إلى القائمة القصيرة، ثم تُرفض بالكامل بلا فائز؟.

حكم على جيل جديد

المرشحون ينتمون إلى جيل الشباب المستهدف من الجائزة؛ جيل لا يزال يؤسس مشروعه الإبداعي، يختبر أدواته، ويتنقل بين التجريب وكسر القوالب التقليدية بحثًا عن صوته الخاص.

لكن حيثيات الحجب – كما رآها منتقدو القرار – بدت وكأنها تسعى لوضع هذا الجيل في قالب واحد، أقرب إلى فرض وصاية على فعلهم الإبداعي، وهو ما دفع البعض لاعتبار الحجب حكمًا عامًا على الجيل، لا على الأعمال نفسها، وكأن التجريب بات تهمة لا ميزة.

كيف وصلت هذه الأعمال إلى القائمة القصيرة؟

سؤال تكرر كثيرًا: إذا كان بعض الكتّاب – بحسب ما ورد في كلمة عضو لجنة التحكيم – لا يلمّون بفنيات النوع الأدبي الذي يكتبونه، فكيف اجتازت أعمالهم مراحل التصفية ووصلت إلى القائمة القصيرة؟

هذا التساؤل فتح باب الشك حول آليات التحكيم نفسها، وجدل اتساق التقييم من البداية مع اختيارات اللجنة، أم أن هناك انقسامًا داخلها انتهى بإلقاء كلمة غير متوافق عليها بشأن أسباب الحجب.

جواز الحجب.. وكراهة المصادرة

في المقابل، دافع البعض عن قرار الحجب، معتبرين أن التميّز لا يعني بالضرورة استحقاق الجائزة، وأن من حق لجنة التحكيم أن ترى أن الأعمال المقدمة لم تبلغ المستوى الذي يليق باسم الجائزة، حتى لو كانت مختلفة أو طموحة.

والحقيقة أن حجب الجوائز ليس أمرًا جديدًا، وحدث مرارًا في جوائز ترعاها الدولة أو مؤسسات المجتمع المدني. لكن الاعتراض هنا لم يكن على الحجب ذاته، بقدر ما كان على حيثياته، التي رأى منتقدون أنها ذهبت إلى حد تجهيل عشرات التجارب الإبداعية في القصة القصيرة، وتجاوزت حدود النقد الفني إلى ما يشبه فرض الوصاية.

ووفق بيانات صدرت عن بعض الكاتبات اللاتي وصلن إلى القائمة القصيرة بعد انتهاء الحفل، فقد شعرت هؤلاء بالإهانة لإبداعهن، لا بمجرد الخسارة.

جائزة للشباب.. فأين البعد التشجيعي؟

الاعتراض الأبرز تمحور حول طبيعة الجائزة نفسها، بوصفها مخصصة للشباب وتحمل في جوهرها بُعدًا تشجيعيًا. ويرى منتقدو القرار أن الحجب يتناقض مع هذا الدور، خاصة في ظل أزمة النشر وصعوبة الاستمرار، حيث تصبح الجائزة دفعة معنوية لا تقل أهمية عن قيمتها المادية.

الرواية أولًا.. والقصة تحتاج نظرة أخرى

أعاد الجدل إحياء سؤال قديم: هل نعيش فعلًا في “زمن الرواية”؟

كثيرون اعتبروا أن القصة القصيرة لا تزال تعاني تهميشًا نقديًا ومؤسسيًا، وأن لجان التحكيم – عن قصد أو دون قصد – تتعامل معها بمعايير أكثر صرامة مقارنة بالرواية.

وكان الكاتب جرجس شكري قد أشار في كلمته إلى أن لجنة التحكيم أشادت بمستوى الروايات المقدمة في هذه الدورة، ووصفتها في تقرير الجائزة بأنها “تدعو إلى الفخر”، وأن الجوائز ذهبت إلى الأكثر تميزًا بينها.

في المقابل، قال عن المجموعات القصصية: «وجدت لجنة التحكيم أن المجموعات القصصية افتقرت إلى المقومات الفنية الأساسية لفن القصة القصيرة، وجاءت أقرب إلى الحكايات والخواطر، مع محدودية في العمق الفكري والاشتغال الفني.. وبناءً عليه قررت اللجنة حجب الجائزة الأولى، لتكون رسالة إلى شباب الأدباء بأهمية بذل المزيد من الجهد، والتأكيد على أن المعرفة هي الطريق إلى الإبداع".

هل الرواية بطلة كل الأزمنة؟

تعزز هذا الانطباع مع تزايد الجوائز المخصصة للرواية، مقابل تقلص المساحات الممنوحة لفنون سردية أخرى. وهو ما جعل البعض يرى أن حجب جائزة القصة القصيرة ليس قرارًا معزولًا، بل انعكاسًا لمناخ ثقافي يميل للرواية بوصفها بطلة المشهد.

ويواجه كتّاب القصة القصيرة مصاعب إضافية، أبرزها عزوف دور النشر عن نشر المجموعات القصصية. وفي أحاديث مع بعض الكاتبات اللاتي وصلن للقائمة القصيرة قبل انطلاق الحفل، أكدن معاناتهن في العثور على ناشر، في ظل تفضيل شبه كامل للرواية، مما جعل كلمات عضو لجنة التحكيم في الحفل تبدو، في نظرهن، امتدادًا لسلسلة من الإقصاء.

وصاية أم تحكيم؟

أحد أخطر الأسئلة التي طُرحت: هل ما حدث تحكيم فني مشروع أم نوع من الوصاية على ذائقة جيل كامل؟.

فبين من يرى أن اللجنة مارست حقها الطبيعي، ومن شعر بفرض رؤية واحدة على الإبداع، ظل الخط الفاصل بين التحكيم والوصاية محل خلاف حاد.

حرب بيانات وسجال مفتوح

فتح القرار الباب أمام ما يشبه “حرب بيانات” وتصريحات متبادلة على مواقع التواصل الاجتماعي.

ومن بين المواقف اللافتة، ما كتبته الكاتبة هدى عمران، التي أكدت رفضها لأي تقييم «يتبنى تصورًا وصائيًا للفن، يتجاوز حدود التحكيم إلى تقريع الكُتّاب أو تلقينهم كيف يُكتب الإبداع»، وأعلنت التبرع بقيمة الجائزة، معتبرة أن «القيمة الحقيقية للأدب لا تُقاس بمحدودية رؤية بعض الأشخاص، بل بالأثر الإنساني».

كما كتبت نهى الشاذلي أن مخاطبة المتقدمين بلغة وعظية من قبيل «نهمس في أذن شباب الأدباء» تنقل الجائزة من فضاء التقييم الفني إلى فضاء الوصاية الثقافية، وكأن الحجب رسالة تقويم أو تأديب، لا نتيجة تحكيم أدبي.

وحتى الآن، لا يزال الجدل مفتوحًا حول حيثيات التحكيم. فبينما يظل حجب الجوائز حقًا أصيلًا للجان التحكيم، تبقى الوصاية على الإبداع أمرًا مرفوضًا لدى عدد كبير من الكتّاب والمثقفين.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: