التعافي هو التخلص التام من المرض واستعادة العافية والقدرة على الحياة الجيدة؛ ويمكن للأهل مساعدة الطفل أو الطفلة على التعافي "التام" من التحرش أو الاعتداء الجسدي، "وانتزاع" المكاسب النفسية منه، والابتعاد تماماً عن العيش في "سجن" الضحية وما يتبعه من خسائر فادحة نفسية تؤذي من تعرض للتحرش "وتضيع" عمره وتسرق فرصه التي يستحقها في النجاح والسعادة.
من حق من تعرض للتحرش الغضب ويجب أن يتفهم الأهل ذلك، ومن الطبيعي شعوره بالخوف وسيستغرق ذلك بعض الوقت؛ فلا يوجد "زر" سيضغط عليه للخلاص منهما.
وقد يتهم نفسه بأنه السبب، وأن العيب عنده وليس عند المتحرش أو المغتصب؛ ويجب إفهامه "بهدوء" أنه ليس مخطئاً؛ فالمجرم يبحث عن فرصة لارتكاب جريمته، وأنه ليس مسئولاً عن ذلك بأي حال من الأحوال.
ويجب تخليصه من الشعور بأنه ضحية، والتركيز على "النجاة" ومنع تكرار التحرش واستعادة ثقته بنفسه وأنه لم يخطئ؛ فلم يستطع منعه من إيذائه لصغر سنه، وللمفاجأة وليس لأنه جبان وقليل الحيلة "ولم" يوافق على التحرش، فلا يجب أن يشعر بالذنب.
وتشجيعه على ذكر كل التفاصيل والاستماع "بهدوء" بعيداً عن أسلوب الاستجواب أو الإلحاح للحصول على كل الإجابات دون تفهم "لانزعاجه" وتألمه وشعوره بالخجل وأحياناً بالعار.
يجب منحه الوقت الكافي ليتكلم "متى" يريد وبلا ضغوط عليه دون إظهار الفزع وبلا تهوين مما يقوله.
ونوصي بشكر الطفل عندما يتكلم ومدح شجاعته -بلا مبالغة- "ومنع" النفس من إظهار التعاطف الزائد أو الشفقة عليه؛ حتى لا نصدر للطفل بأن التحرش كارثة لن يستطيع التعامل معها "ونضعفه" بأيدينا، بينما يجب الأخذ بيده ليتعافى بأسرع وقت.
وتجنب القول بأن معاناته بسيطة؛ ففي ذلك استخفاف وسيتضايق الطفل، وربما يبحث عن الدعم خارج الأهل؛ مما قد يعرضه للاستغلال بأنواعه.
ومهم إخباره بضرورة ألا يحكي لأحد مهما كان مقرباً منه؛ ليس لأن التحرش كالعار، ولكن ليعتاد الاحتفاظ بخصوصيته، ولمنع النصائح الخاطئة والسخرية منه من زملائه أو معايرته به عند التشاجر، وهو ما عانى منه البعض وسبب له أزمة نفسية لاحقته طويلاً.
وتجنب سؤال الطفل عن سبب تعرضه للتحرش وكأنه تسبب في ذلك!! وكأن الأهل يحملونه بعض المسئولية مما يؤلم الطفل ويجعله يشعر "بخذلان" الأهل له وأنهم لن يكونوا سنداً له أبداً. وقد يبحث عن الأمان بعيداً عنهم مما يحرمه من التمتع بحياة صحية وقد يعرضه مجدداً للتحرش، ويفقده الثقة بنفسه، ويشعر بعدم احترام للنفس وهذا أذى أشد من التحرش.
قد يرغب الأهل في إبلاغ السلطات بالتحرش؛ ويجب سؤال الطفل عما يرغب "واحترام" رغبته إن رفض؛ فلا شك أن تعريضه للكشف الطبي لإثبات التحرش أو الاعتداء أمر صعب نفسياً فضلاً عن انتشار الخبر ولو في الدوائر القريبة.
وإذا وافق يجب إفهامه بما سيحدث "بهدوء" وإيجاز ومنحه الفرصة ليفكر "وحده" وليتخذ قراره وتأكيد دعم الأهل له "أياً" كان القرار.
وتذكير الطفل أن من حقه كراهية المتحرش ولكن لا يكره نفسه ولا جسده؛ حتى لا ينفر من العلاقة الجسدية بعد الزواج، وأنه رائع ويستطيع تجاوز الأذى وسينال المجرم عقابه في الدارين وأن التحرش يقلل من المتحرش وليس منه.
ومنح الطفل الفرصة للتعافي وإخباره بأن الأهل يرحبون بالاستماع إليه دائماً مع الانتباه ومساعدته على النسيان وعدم تذكيره.
ننبه لخطأ "تعجل" تعافي الطفل أو الطفلة والمسارعة باتهامه بأنه "لا" يريد مساعدة نفسه!! وتذكر أن الأمر صعب ومؤلم، وأن التعافي من الجروح الجسدية "أسهل" وأسرع من الجروح النفسية التي يجب التأكد من تمام الشفاء منها حتى لا تترك ندوباً تستمر في "غفلة" عن الأهل..
بينما الجروح الجسدية إن لم يتم شفاؤها جيداً سرعان ما تظهر بعض الآثار التي تدفعنا لإعادة تنظيف الجرح وعلاجه.
من الآثار النفسية لما بعد التحرش أو الاعتداء؛ الانطواء والخوف من التعامل مع الناس أو العدوانية والحدة لحماية النفس وهو ما يخفي الشعور بعدم الأمان.
عند ظهور أي من هذه الأعراض يجب على الأهل "التفهم" وطمأنة الطفل أنه لن يتعرض مجدداً للأذى وإخباره بأهمية تجنب الانفراد بأي أحد في مكان مغلق، وعدم تجاهل الإشارات المسيئة والمسارعة بإخبار الأهل بها مهما كان قائلها.
وعلى الأهل، قبل من تعرض للتحرش، "اليقين" بأن التعافي التام سيحدث بمشيئة الرحمن، وتذكر النموذج الواقعي للتعافي من الاغتصاب وليس من التحرش؛ ونقصد "ماثيو ماكونهي" الممثل والمخرج الأمريكي الذي أعلن أنه تعرض لاعتداء جنسي وهو في الـ 18 من عمره بعد إفقاده الوعي.
"ماثيو" صرح في مذكراته بأن زواج والديه كان فاشلاً وبه مشاكل قاسية، وقد تجاوز تعرضه للاغتصاب، ولم "يسجن" نفسه في دور الضحية، ويقدم الدعم حالياً للجمعيات التي تساعد من يتعرضون للاعتداءات الجنسية.
وزواجه مستقر وأنجب ثلاثة أبناء، وتحرر من ألم الاعتداء ونجح في عمله وفاز بالأوسكار وفكر في الترشح حاكماً لولاية تكساس. والجميع يستطيعون ذلك.