أمريكا.. البداية والنهاية

10-1-2026 | 15:07

حينما انهار جدار برلين في خريف 1989، ثم تلاشى الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات، بدا المشهد عند الغرب وكأن التاريخ قد ألقى أوراقه الأخيرة على طاولة الصراع المرير القديم. 

في واشنطن، كما في عواصم غربية أخرى، ساد اعتقاد جارف بأن العالم دخل زمناً حتمياً لا اختيار لك فيه إلا ما ترضى عنه أمريكا!! وأن النموذج الليبرالي الغربي، بزعامة أمريكية مطلقة، قد حسم المعركة النهائية مع كل النماذج المنافسة. لم تكن فكرة "القطب الأوحد" توصيفاً مرحلياً لميزان مختل، بل تحولت إلى عقيدة فكرية وسياسية؛ عقيدة ترى أن الهيمنة الأمريكية قدر ممتد، وأن النظام الدولي قد صيغ نهائياً على صورة واحدة لا تقبل الجدل! 

غير أن التاريخ، بطبيعته العنيدة، لا يعرف النهايات السعيدة ولا الاعتراف بالاحتكار. فالتاريخ حركة دائبة، تتقدم وتتراجع، تعلو وتدنو، فتكسر أوهام الثبات مهما ترسخت وامتدت.  

واليوم، في القرن الحادي والعشرين، تعود الأسئلة الكبرى إلى الواجهة: هل كانت لحظة ما بعد الحرب الباردة انتصاراً نهائياً أم استراحة محارب؟ وهل يعبر شعار "أمريكا أولاً" عن ولادة جديدة للهيمنة أم عن تشقق عميق في هيكلها المتصدع؟

المبدأ الذكي للإمبراطورية

لم تولد الهيمنة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية على هيئة احتلال مباشر أو سيطرة عسكرية فجة، لقد جاءت متدثرة بثوب المؤسسات الدولية؛ كذئب يتخفى في ثوب الحملان.. فمن الأمم المتحدة إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ومن خطة مارشال إلى منظومة بريتون وودز، هكذا أقامت واشنطن نظاماً عالمياً يبدو متعدد الأطراف في هيئته، لكنه نظام أمريكي الجوهر والاتجاه. 

فهمت النخب الحاكمة آنذاك أن السيطرة الأكثر دواماً هي تلك التي تقنع الآخرين بأنهم شركاء لا تابعون، وأن القواعد الموضوعة تخدم الجميع، لا طرفاً واحداً. مثل هذا النظام منح أمريكا شرعية أخلاقية وسياسية واسعة، ثم مكنها من قيادة العالم لعقود، ومن تحويل قوتها العسكرية والاقتصادية إلى نفوذ ناعم، قادر على إعادة تشكيل السياسات والاقتصادات وحتى الثقافات.  

إلا أن هذا البناء، مهما بدا متيناً، قام في الأساس على شرط رئيسي: ألا يظهر منافسون قادرون على الطعن في مركزه ومحوره المتمثل في أمريكا، وألا تتحول المؤسسات نفسها إلى أداة مقاومة للهيمنة بدل أن تكون خاضعة لها!

الوجه الشرس خلف القناع

الآن، يظهر شعار "أمريكا أولاً" في سياقه الحقيقي. دونالد ترامب لم يخترع الشعار بقدر ما نزع عنه الأقنعة. فقد عبر بوضوح صادم عن تغير عميق داخل العقل الإستراتيجي الأمريكي، من الإيمان بالقيادة عبر الشراكة، إلى منطق الصفقة الصفرية، حيث الرابح واحد والآخرون خاسرون! ثمة إرهاصات ينبغي أن نقرأها في ذات السياق، انسحابات واشنطن المتتالية من اتفاقيات ومؤسسات دولية، من اتفاق باريس للمناخ، إلى منظمة الصحة العالمية (في مرحلة كورونا)، إلى الاتفاق النووي مع إيران، مروراً باليونسكو ومجلس حقوق الإنسان، لم تكن إجراءات استعراض قوة، إنما علامات قلق داخلي. إنها اعتراف ضمني بأن النظام الذي صممته لم يعد يطيعها كما في السابق، وأن المؤسسات التي أنشأتها تحولت إلى قيود من حديد تشل حركتها بدل أن تنساق لها وتخضع لأوامرها كما كان في السابق..

هكذا رأينا الإمبراطورية وهي تخلع قفازها المخملي، لتشهر قبضتها الحديدية في الوجوه؛ وتستبدل لهجة المبادئ ولهجة حقوق الإنسان بلهجة المصالح الفجة العارية من أي التزام، ولتنتقل من الإقناع إلى الإكراه، ومن الشرعية الدولية إلى قانون الغاب!

بساط يسحب بخفة

العالم الذي تشكل بعد التسعينيات لم يبق ساكناً.. فالصين، التي كانت تقدم طويلاً بوصفها "مصنع العالم" لا أكثر، مضت تتحول إلى قوة جيوسياسية كاملة الأركان والمقومات. ومبادرة "الحزام والطريق" التي أصرت الصين على المضي في إتمامها ليست مجرد مشروع اقتصادي عابر، بل رؤية إستراتيجية لإعادة تشكيل شبكات التجارة والنفوذ من آسيا إلى إفريقيا وأوروبا. 

ومع التقدم السريع في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والفضاء، باتت بكين منافساً مرعباً لم تستطع أمريكا أن تخفي رعبها منه.. في الوقت ذاته، استعادت روسيا، منذ مطلع الألفية الجديدة، قدراً كبيراً من حضورها الدولي. من جورجيا إلى أوكرانيا، ومن سوريا إلى إفريقيا، لقد عادت موسكو لتلعب دور القوة الضاربة القادرة على تعطيل الخطط الغربية وفرض معادلات جديدة.

أما أوروبا، الحليف التقليدي، فقد وجدت نفسها عالقة بين مطرقة التبعية الأمنية لواشنطن وسندان المصالح الاقتصادية التي تدفعها نحو قدر من الاستقلال الإستراتيجي.

في هذا المشهد القلق المضطرب، بدا شعار: "أمريكا أولاً" كأنه استجابة دفاعية أكثر منها إستراتيجية هجومية: محاولة لإعادة ترتيب الداخل، وحماية القاعدة الصناعية، وتقليص الأعباء الخارجية، استعداداً لمنافسة طويلة الأمد مع قوى صاعدة لا تشبه خصوم الأمس.. هكذا يمكننا أن نرى المشهد بوضوح وجلاء: العالم يتغير؛ وهناك من يسحب البساط بحذر وإصرار من تحت أقدام المارد الأمريكي القديم، الذي ستأتي عليه لحظة يقع وينكفئ على وجهه العجوز! 

الملعب الخلفي لأمريكا

في الشرق الأوسط، تجلت ملامح تلك التحولات بصفة خاصة؛ فهذه المنطقة التي كانت لعقود ساحة نفوذ أمريكي شبه مطلق، تحولت إلى مرآة عاكسة لوجه أمريكا البغيض: الدعم غير المشروط لإسرائيل، واستخدام الفيتو بشكل شبه آلي لحمايتها من أي مساءلة، والصمت الدولي على المآسي المتكررة في فلسطين، كلها ليست ظواهر جديدة، لكنها اليوم أكثر فجاجة وأقل قابلية للتبرير، وما اصطلح على تسميته: "صفقة القرن" لم يكن سوى ذروة هذا المسار الماكر: محاولة لتصفية القضية الفلسطينية عبر منطق الصفقة التجارية، متجاهلة قرارات الشرعية الدولية، وحقوق شعب كامل، وتاريخاً طويلاً من النضال.  

في المقابل، لم تجلب هذه السياسة استقراراً ولا سلاماً، بل عمقت الشعور بالظلم، ووسعت فجوة العداء، وكرست صورة أمريكا كطرف لا كوسيط. 

إن التجربة الأمريكية في المنطقة، منذ غزو العراق عام 2003، كشفت بوضوح تكلفة الهيمنة حين تفقد كل ملامح الإنسانية. فقد تحول وعد "الشرق الأوسط الجديد" إلى حلقة جهنمية من النزاعات المفتوحة، والمعارك الأهلية والفراغ السلطوي الذي امتلأ بقوى إقليمية ودولية منافسة. من سوريا إلى اليمن، ومن ليبيا إلى السودان، حتى غدا النفوذ الأمريكي أقل قدرة على التحكم، وأكثر عرضة للاستنزاف.

هذه الحروب، التي استنزفت الموارد والسمعة معاً، ساهمت في تعميق الانقسام الداخلي داخل المجتمع الأمريكي نفسه، وطرحت سؤالاً وجودياً قلقاً: لماذا تدفع أمريكا أثماناً باهظة في مناطق لا تجني منها سوى الأزمات؟ 

المؤكد أن الإمبراطوريات لا تسقط فجأة، لكنها تبدأ في الأفول حين تفقد شرعيتها الأخلاقية ومبررات وجودها، وحين يتحول نفوذها من قوة جذب إلى عبء ثقيل. وشعار: "أمريكا أولاً" ليس إعلان قوة مطلقة، قد يكون تمهيداً إلى تحولات عميقة قادمة في المشهد العالمي، لن يصبح فيها النظام الدولي كما كان سابقاً أبداً. سوف يتغير كل شيء.. 

أما العالم العربي، فإن أحسن قراءة اللحظة، قد يجد في هذا التصدع فرصة نادرة، فرصة لإعادة بناء الذات، لا انتظار منقذ جديد. فالعالم القادم لن يمنح لمن ينتظر، بل لمن يستعد، ويصوغ مشروعه، ويدخل التاريخ لا بوصفه ضحية، بل فاعلاً واعياً بمصالحه وموقعه. المنظومة العالمية التي يعاد تشكيلها الآن بصياغة جديدة لن يسمح بمشاركة من ينتظر بسلبية ويشاهد من بعيد، بل لمن يستعد ويبني خارطة تحالفاته على أساس سليم. 

أما الذين يتعامون عن إدراك لحظة التغيير التاريخي تلك، سيفرض عليهم التهميش أو الهلاك.. والقوى المستقبلية التي ستحتل المواقع التي تركتها أمريكا، أو ستتركها، لن تقدم للعرب نصراً على طبق من فضة أو ذهب. فهلا انتبهنا..
    
[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة