حين تكف القوة عن التمثيل

10-1-2026 | 14:17

وصف كثيرون القبض على الرئيس الفنزويلي بأنه زلزال سياسي غير مسبوق، باعتبار أنها المرة الأولى التي يُلقى فيها القبض على رئيس دولة داخل قصره ويُقتاد للمحاكمة في دولة أخرى، دون أي اعتبار للقانون الدولي أو للمنظمات المعنية، وعلى رأسها الأمم المتحدة.

لكن، وبنظرة تاريخية أبعد قليلاً، يتبيّن أن ما جرى ليس سابقة مطلقة كما يُروَّج له.

ففي عام 1989، وخلال عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، قامت الولايات المتحدة بغزو بنما والقبض على رئيسها ومحاكمته داخل الأراضي الأمريكية. 

وفي عام 2003، وخلال عهد جورج بوش الابن، تم احتلال العراق، والقبض على رئيسه، ثم محاكمته وإعدامه تحت سلطة الاحتلال، لا تحت مظلة القانون الدولي أو أي محكمة دولية مستقلة.

من هذه الزاوية، يبدو أن ما حدث اليوم ليس خروجاً كاملاً عن التاريخ، بل امتداد له.

التشابه والفارق

وجه التشابه واضح: 

في الحالات الثلاث، كان منطق القوة هو الحاكم الفعلي، بينما تراجع القانون الدولي والشرعية الأممية إلى الهامش.

أما الفارق الجوهري، فيكمن في طريقة تقديم هذا المنطق.

في الماضي، كانت القوة تحرص -ولو شكلياً- على ارتداء غطاء أخلاقي يبرر أفعالها، تحت عناوين مثل:

- نشر الديمقراطية
- حماية حقوق الإنسان
- مواجهة الطغاة
- إزالة خطر يهدد العالم

حتى وإن كان هذا الغطاء واهياً، فقد ظل حاضراً.
في عهد ترامب، لم يعد هذا الغطاء ضرورياً.
المنطق المعلن بات بسيطاً وصريحاً:

أنا الأقوى، وسأتصرف وفق ما يخدم مصلحتي، ولا أحتاج إلى تبرير.

النفط لا الأخلاق

تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يُقدَّر بنحو 300 مليار برميل، وهو رقم يجعلها لاعباً محورياً في سوق الطاقة العالمي.

وينظر الرئيس الأمريكي إلى انخفاض أسعار النفط بوصفه:
- أداة مباشرة لخفض التضخم
- سبباً لانخفاض أسعار السلع
- محفزاً لازدهار الاقتصاد
- ورافعة لزيادة شعبيته داخلياً

فهل يتراجع لأن ما يفعله يُعد مخالفة صريحة للقوانين والمواثيق الدولية؟ أم يعود إلى الخطاب الأخلاقي التقليدي عبر اتهامات جاهزة مثل:
- انتهاك حقوق الإنسان؟
- ديمقراطية منقوصة؟
- انتخابات مشكوك في نزاهتها؟

الجواب كان واضحاً.

لقد استُبدل هذا الخطاب باتهامات تتعلق بتهريب المخدرات، دون سند قضائي دولي راسخ، وبحديث صريح -بلا مواربة- عن أهمية النفط الفنزويلي ومكانته الإستراتيجية.

المفارقة الكبرى

المفارقة أن كثيرين شعروا بالارتياح لخطاب ترامب، ليس لأنهم يعشقون منطق القوة، بل لأنهم سئموا منطق التمثيل.

فالخطاب الأخلاقي الزائف، حين يتكرر طويلاً دون مساءلة حقيقية، يصبح أكثر استفزازاً من الفعل العاري نفسه.

وثمّة مفارقة إضافية تستحق التوقف عندها. فمن زاوية ما، يمكن رصد تشابه لافت بين حالتي مادورو وترامب نفسيهما.

فترامب خسر انتخابات 2020 ورفض الاعتراف بالنتيجة، وادّعى التزوير والمؤامرة، تماماً كما فعل مادورو بعد انتخابات 2024. لكن الفارق كان في قدرة الدولة على فرض النهاية.

ففي الولايات المتحدة، كانت المؤسسات أقوى من الرئيس: قضاء مستقل، إدارات انتخابية لا تخضع للبيت الأبيض، وجيش محايد لا يتدخل في الصراع السياسي؛ ولذلك، رغم رفض ترامب الاعتراف بالهزيمة، لم يكن بوسعه الاستمرار في الحكم.

أما في فنزويلا، فالصورة معكوسة: الرئيس أقوى من المؤسسات، والمجلس الانتخابي والقضاء والجيش جزء من منظومة السلطة، لا رقيبَ عليها. وهكذا، تحوّل رفض الاعتراف بالنتيجة إلى واقع سياسي مفروض بالقوة.

ولعل هذا التشابه يفسّر سبباً إضافياً لتجنّب ترامب خطاب «الديمقراطية المنقوصة» في صراعه مع مادورو. فمن يشكك هو نفسه في نتائج انتخابات بلاده، يصعب عليه أن يجعل من الديمقراطية معياراً أخلاقياً للهجوم على خصمه. لذلك كان أسهل -وأكثر اتساقاً مع منطقه- نقل الصراع من ساحة القيم إلى ساحة الجريمة، ومن خطاب الانتخابات إلى خطاب المخدرات.

وهنا يبرز سؤال فلسفي وأخلاقي عميق:

أيهما أفضل؟ قوة تفعل ما تريد ثم تحاول تبرير ذلك أخلاقياً؟ أم قوة تفعل ما تريد ولا تكلف نفسها عناء التبرير؟

السؤال متروك للقارئ.

كلمات البحث
الأكثر قراءة