تقع دولة السنغال على ساحل المحيط الأطلنطي، وهي واحدة من بلاد غرب أفريقيا، وهي بلاد لها تاريخ عريق مع العروبة والإسلام منذ القرون الأولى، وتبلغ مساحة هذه البلاد أكثر من 196 ألف كم مربع، أما عدد السكان فقرابة 17 مليون نسمة.
موضوعات مقترحة
السنغال.. الجغرافية والاسم والموقع
وفيما يخص اسم السنغال، فيعتقد أن هذا الاسم ربما يشير إلى صنهاجة والبربر الذين يعيشون على الجانب الشمالي من نهر السنغال، ومما يُقال أيضًا إن هذه البلاد اكتسبت اسمها من النهر الذي يحدّها من الشرق والشمال، وهو نهر ينبع من جبال فوتاجالون في غينيا.
ويحد السنغال المحيط إلى الغرب، وأراضي موريتانيا شمالًا، ومالي شرقًا، وغينيا من الجنوب الشرقي، وغينيا بيساو جنوبًا؛ داخلياً تحيط السنغال تقريبًا بغامبيا؛ أي من الشمال والشرق والجنوب، ما عدا شاطئ غامبيا القصير على المحيط، كما تشترك السنغال في حدود بحرية مع الرأس الأخضر، وتعد مدينة داكار العاصمة الاقتصادية والسياسية للبلاد.
خريطة السنغال
أرض التكرور
واشتهرت السنغال منذ أقدم العصور باسم «أرض التكرور»، أو «بلاد التكرور»، وهو الاسم الذي اشتهر في كل المصادر العربية الكلاسيكية، على غرار ما ورد في كتابات أبي عبيد البكري، العمري، المقريزي، السيوطي، وغيرهم من كبار الكتاب العرب والمسلمين.
ويقع إقليم التكرور (في أرض السنغال) بالتحديد عند مصب نهر السنغال، ثم أطلق اسم التكرور على كافة أرض السنغال بمرور الوقت، ثم صارت التسمية تطلق على كل بلاد غرب أفريقيا، أو تلك البلاد كانت تعرف في المصادر العربية باسم السودان الغربي، أي بلاد الشعوب ذات البشرة السوداء.
لقد ارتبط السنغاليون أو التكاررة القدامى (أو شعب التكرور) بأرض مصر منذ قرون بعيدة، حيث شهدت مصر ازدهارًا لافتًا لاسيما خلال العصر الإسلامي، خاصة عصر دولة المماليك (648-923هـ/1250-1517م).
ومن المعلوم أن مصر صارت مقصدا للحجاج والتجار الأفارقة القادمين من أرض السنغال، وغيرها من بلاد غرب أفريقيا، وكان هؤلاء الحجاج يأتون مع موكب الحج الأفريقي السنوي الذي كان يتوقف بمدينة القاهرة لعدة أسابيع انتظارا للذهاب لبلاد الحرمين.
ولقد اشتهر هذا الموكب السنغالي، بـ«موكب التكرور»، ومن المعلوم أن اسم التكرور أو (التكاررة) هو الاسم الذي ورد في المصادر، وكان يُقصد بهم شعوب غرب أفريقيا، ومنهم السنغاليون بالطبع.
خريطة غرب إفريقيا ويظهر فيها الارتباط بين موقع السنغال وبلاد التكرور
ولقد سكنت العديد من الجاليات الكبري القادمة من التكرور بالقاهرة، حتى صار لهم حي يحمل اسمهم، وهو ذات الحي الذي صار يُعرف باسم «بولاق التكرور».
وكان اسم «التكرور» قد ذاع في مصر وباقي البلاد العربية بعدئذ في العصر الإسلامي، بفضل التجار العرب الذين كانوا يذهبون لأسواق غرب أفريقيا، ومنها السنغال بحثَا عن الملح والذهب، من ثم صار يُطلق الاسم على كل بلاد غرب أفريقيا.
ومن أبرز المؤرخين الذين ذكروا اسم التكرور، أو حُكام هذه البلاد، والذي يرد باسم ملك التكرور: العُمري (ت: 749هـ)، وابن كثير (ت: 774هـ)، والقلقشندي (ت: 821هـ)، والمقريزي (ت: 845هـ)، وابن حجر (ت: 852هـ)، ويبدو ذلك واضحًا في حديثهم عن منسا موسى (712-738هـ)، سلطان مالي صاحب رحلة الحج المشهورة، وهو الذي تذكره المصادر بملك التكرور
وكذلك أورد ذات الاسم السيوطي (ت: 911هـ)، لما تحدث عن أحد السلاطين في أيامه، أسكيا محمد (899-935هـ)، الذي دعاه بسلطان التكرور. ولما زار السيوطي غرب أفريقيا دعاها أيضًا بذات الاسم: "سافرت بحمدِ الله تعالى إلى الشام، والحجاز، واليمن، والهند، والمغرب، والتكرور". ويبدو من الواضح أن السيوطي لم يستخدم لفظ سلطنة صُنغي، وهي السلطنة الإسلامية المعروفة آنذاك، والتي كانت تسيطر على أكثر بلاد غرب أفريقيا آنذاك. كما أن السيوطي ألف بعد ذلك رسالةً ردًّا على بعض “الأسئلة الفقهية” التي جاءته من فقهاء التكرور، وقد دعاها: (فَتح المَطلَب المَبرور، وبَرد الكَبِد المَحرور في الجوابِ عن الأسئلةِ الواردةِ من التَكرور)، بل إن مؤرخي السودان الغربي يستخدمون هذه التسمية، ومن ذلك ابن الطالب البرتلي (ت: 1219هـ) في كتابه "فتح الشكور في معرفة أعيان التكرور".
انتشار الإسلام في السنغال
تعد أرض السنغال من أقدم البلاد في غرب أفريقيا (أو بلاد السودان الغربي) التي اعتنق سكانها الإسلام منذ القرون الهجرية المبكرة، وبحسب ما ورد في العديد من المصادر التاريخية العربية أن أول ملك من ملوك السنغال (أو ما كان يطلق عليهم اسم ملوك التكرور) اعتنق الدين الإسلامي، كان يُدعى: وارجابي بن رابيس، وهو يُعتبر في ذلك الوقت أقدم الملوك في تاريخ بلاد غرب أفريقيا الذين أسلموا قبل قدوم المُرابطين لهذه البلاد، وهذا الملك عاش في الغالب منذ القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، لقد دخل الإسلام أرض السنغال من خلال شعوب التوكولور والسوننك، من خلال الاتصال مع دولة المرابطين التي تأسست في بلاد المغرب الأقصى.
لقد ربطت العديدُ من الوشائج لاسيما التجارية والعلمية، لاسيما فيما يخص العلوم الدينية والشرعية، بين بلاد التكرور وعلماء مصر، وكان علماءُ التكرور يحرصون على التواصل العلمي معهم الذين ذاع صيتهم في العالم الإسلامي. وتتحدث المصادرُ عن عددٍ من علماء التكرور الذين نالوا العلم بمصر. كما أن عددًا منهم كان يحرص على التواصل مع كبار العلماء بمصر، فكان علماءُ التكرور يرسلون بما يَعِنُّ لهم من تساؤلات فقهية وشرعية لعلماء مصر حتى يُفتوهم في تلك الأمور ثقة بالعلماء المصريين. ومن المعروف أن أسكيا محمد (899-935هـ) ملك التكرور أراد من السيوطي (ت: 911هـ)، وكان أشهر علماء مصر آنذاك، أن ينشر العلم في بلاده، لاسيما وأن كُتب السيوطي كانت رائجةً في بلاده.
وكان علماء التكرور يقومون بتدريس كتبه، ومنهم من قام بعمل شروح لها. ومن ثم كان من الطبيعي أن يقوم علماء التكرور الكبار بمراسلة السيوطي، ومن ذلك قيام الفقيه أحمد بابا التنبكتي بعمل شرح لألفية السيوطي. وكان علماء التكرور يبعثون للسيوطي بالأسئلة الفقهية وتضم أمورًا شرعية، وكذلك كان بها بعض الفتاوى. ولهذا صَنَّف السيوطي في ذلك رسالـة شهيرة، ضمَّنها أجوبتـه على تساؤلاتهم، ودعاها: "فَتحُ المَطلَب المَبرور، وبـَرد الكَبد المَحرور، في الجوابِ عن الأسئلـةِ الـواردةِ من التَكرور".
السنغال أو بلاد التكرور وازدهار تجارة الملح والذهب
اشتهرت السنغال أو بلاد التكرور بوجود الملاحات، ولهذا كانت ملاحات التكرور، أو ملاحات السنغال من أشهر الملاحات في بلاد غرب أفريقيا، وكانوا يقومون بتصدير الملح من بلادهم إلى سائر الأسواق في بلاد غرب أفريقيا. وكانت تلك الملاحات تخرج من عند مصب نهر السنغال بحسب ما ورد في المصادر التاريخية. كما اشتهرت ملاحات أوليل في السنغال، وهي من أشهر ملاحات غرب أفريقيا التي كانت تأتي إليها قوافل التجار العرب والبربر من المغرب ومصر وشمال أفريقيا لمبادلة الملح بالذهب. كانت القوافل التجارية تُسافر إلى مدينة تكرور عبر دروب الصحراء قادمةً من أسواق بلاد المغرب، وكانوا يحملون معهم العديد من البضائع والسلع لهذه البلاد، بينما كانوا يحملون من بلاد التكرور التبر (الذهب)، وهو ما يُشير إلى ارتباط هذه البلاد بالذهب أيضًا. بينما يذكر “القلقشندي” عن مدينة تكرور، باعتبارها حاضرة الحكام في هذه البلاد؛ إذ يقول عن أحد الحكام هناك: "وقاعدته مدينة تكرور.. وهي مدينةٌ على النيل (يقصُد: نهر السنغال) على القرب من ضفافه أكبر من مدينة سلا".
من ناحية أخرى؛ يؤكد البكري بدوره وجود ملاحات أوليل بالقرب من سواحل البحر (المحيط الأطلنطي): "بموضع يسمى أوليل على شاطىء البحر". بينما يذكر الإدريسي (ت: 560هـ): "فأما جزيرة أوليل، فهي في البحر وعلى مقربة من الساحل، وبها الملاحة المشهورة، ولايُعلم في بلاد السودان ملاحة غيرها".
كما يقول عنها ياقوت الحموي (ت: 626هـ): "وأوليل معدن الملح ببلاد المغرب..ومن أوليل إلى لمطة معدن الدَّرق خمسة وعشرون ميلاً". أما رواية الحميري، في "الروض المعطار"، يؤكد أن أوليل عبارة عن جزيرة في الإقليم الأول من أرض السودان، ويشير أنها تقع على مقربة من الساحل، أي سواحل المحيط، ثم إنه يقول: "وبها ملاحة مشهورة، ولايعلم في بلاد السودان ملاحة غيرها، ومنها يحمل الملح إلى جميع بلاد السودان". وفيما يخص رواية، فالحميري، فإنه يتحدث عن أوليل التي ربما كانت قلت أهميتها ومكانتها في تجارة الصحراء في أيامه، ويذكر أنها منطقة الملح الوحيدة في بلاد السودان، رغم أن ملاحات تغازى في مالي في أيامه كانت معروفة.
وتعتبر ملاحات أوليل في السنغال، من الناحية الزمنية، من أقدم المناطق المعروفة في غرب الصحراء التي اشتهرت بين أهل السودان الغربي بإنتاج الملح، والتي استغلها قاطنو الصحراء منذ القدم، وتتحدث المصادر عن تلك الملاحات كما عند ابن حوقل، الذي أشارت لمدى ازدهارها الاقتصادي بفضل الملح. ويشير البعض إلى أن حكام التكرور خلال القرن 6 الهجري/12 الميلادي كانوا يسيطرون على نهر السنغال، والأراضي المجاورة له، وكان من بينها ملاحات أوليل. لقد ارتبطت ملاحات أوليل بسواحل المحيط، وكذلك بضفاف الأنهار لاسيما نهر السنغال القريب منها، ولهذا كانت ألواح الملح التي تستخرج من ملاحات أوليل تنقل للأسواق القريبة منها بواسطة مراكب، كان يُطلق عليها مراكب الملح Salt Boats.
الإبل تحمل الملح من ملاحات غرب أفريقيا ومنها ملاحات السنغال حتى يتم تبادلها بالذهب
وكان الملح المسُتخرج من أوليل، في الغالب، أقل صلابة، بسبب قرب أوليل من مياه المحيط، وكانت ألواح الملح Salt Slabs التي تُستخرج يتم قطعها بالطرق التقليدية المعتادة، ثم كان العمال يحملون الألواح الملحية، ثم يقومون بنقلها إلى أسواق البلاد المجاورة بواسطة النهر، وهو نهر السنغال باعتباره النهر الأقرب من منطقة تلك الملاحات، ولهذا كانت مراكب الملح تأتي إلى جزيرة أوليل، وكان العمال يحملون كتل الملح لوضعها في المراكب. ثم كانت مراكب الملح تبحر عبر نهر السنغال، وهو النهر الذي يذكره الإدريسي باسم النيل، وكانت المراكب تبحر حتى مناطق بلاد التكرور، وآراضي غانة، وكذلك إلى سائر بلاد الونجارة (الونقارة) التي تشتهر بمناجم الذهب، وكذلك غيرها من المناطق التجارية المهمة في بلاد السودان الغربي لاسيما تلك التي كانت تشتهر بأسواق الذهب.
العلاقات التاريخية بين السنغال ومصر في العصر الإسلامي
شهدت العلاقاتُ بين مصر وبلاد التكرور تطورًا لافتًا في العصر الإسلامي، ويُعد عصرُ المماليك من أكثر العصور الإسلامية ازدهارًا بمصر والشام؛ حيث انتقلت الخلافة العباسية في ذلك الوقت للقاهرة أيام الظاهر بيبرس (658– 676هـ) بعد سقوط بغداد عاصمة الخلافة على أيدي المغول سنة 656هـ. كما لعب الجامع الأزهر دورًا مهمًّا في تأكيد مكانة القاهرة في ذلك الوقت؛ حيث صارت منارة العلم والعلماء. من ثم كان العلماء وطلاب العلم يحرصون على القدوم للقاهرة، ومنهم من آثر الاستقرار بها، وكان منهم بالطبع طلاب العلم القادمين من السنغال أو بلاد التكرور. من جانب آخر كان موكب الحج المصري يستقطب أعدادًا كبيرة من شعوب أفريقيا للقدوم إلى القاهرة لمرافقة موكب الحج. ومن المعتقد أن التكاررةُ، كانوا من أكثر الشعوب التي كانت تسكن ممالك جنوب الصحراء حرصًا على الاستقرار بالقاهرة مدة من الزمن، وذلك يبدو جليًّا من خلال الجاليات التكرورية بالقاهرة.
جبل الدكرور بواحة سيوة
وكانت المدة تختلف حسب كل واحدٍ منهم، والغاية التي جاء من أجلها؛ فمن هؤلاء “التكاررة” من أتى مرافقًا لموكب الحج الذي كان يبدأ من القاهرة، ومن ثَمَّ يذهب تحت إمرة “أمير الحج” إلى بلاد الحرمين. بينما كان البعضُ الآخر من شعب التكرور يأتي للقاهرة من أجل طلب العلم، وليأخذ العلوم الدينية على أيدي كبار علماء مصر. وكان من هؤلاء التكاررة من يُؤثر الإقامة بها بعدئذ. على هذا، تكوَّن بمرور الوقت مجتمعٌ غير قليل، أو لنقل “جاليةٌ” مُعتَبرةٌ من أهل التكرور بالقاهرة، وزاد اندماج “التكاررة” بأهل مصر لاسيما بالقاهرة التي آثرها أكثر أهل التكرور أكثر من غيرها. ولقد تركز كثيرون من أهل التكرور في الغالب في أحد أحياء القاهرة أكثر من غيره، وصار بذلك الحي جاليةٌ تكرورية غير قليلة، ولهذا صار يُعرف بحي التكرور، وهو الحي الذي أضحى يُعرف باسم: بولاق التكرور، أو الدكرور حتى الآن.
ويذكر المقريزي (ت: 845هـ) هذا الحي باسم بولاق التكروري، وكذلك يذكره غيره من مؤرخي الخطط. وللتأكيد على ارتباط هذا الحي بالتكرور، تُشير المصادرُ إلى أن اسم هذا الحي اشتُهر بذلك نسبةً لأحد الشيوخ من أصول تكرورية. وعن وصف الحي، يذكر المقريزي: "ناحية بولاق التكرور، وهذه الناحية من جملة قرى الجيزة، كانت تُعرف بمنية بولاق، ثم عُرفت ببولاق التكرور..". وكان من أهل التكرور من انضم للخدمة في الجيش، ومن أبرز النماذج التكرورية التي تمصرت قلبًا وقالبًا، وهو عنـبر التكـروري، وكـان يعيـش أيامَ السلاطين جقمـق (1438-1453م)، وقايتباي (1468-1498م). وترقـى عنبر التكروري حتى صار مقدَّمًا في الجيش.
ضريح الشيخ التكروري (السنغالي) بالقاهرة
كان من أبرز التكاررة أو السنغاليين الذين استقروا بالقاهرة الشيخ يوسف التكروري، وهو الذي حمل حي التكرور اسمه، حيث عاش، ومات به، وكان الضريح معروفا هناك بين عوام الناس.
وكان الشيخ التكروري قد ذاعت شهرته، ونال مكانةً دينيةً واسعة بين الناس. وكان الشيخ ممن عُرف بين الناس بالتقوى، والصلاح. وكان الشيخُ التكروري يعيشُ بمدينة القاهرة في عصر الفاطميين (358-567هـ)، وتحديدًا خلال فترة حكم العزيز بالله (365-386هـ)، وهو ابن المعز لدين الله (365– 386هـ).
وعُرف هذا الشيخ التكروري بأنه من أصحاب الكرامات، ومما ورد في المصادر عن كراماته، قال المقريزي: “كان يُعتقد فيه (أي الشيخ) الخيرُ، وجُربت بركةُ دعائه، وحُكيت عنه كراماتٌ كثيرة". كما تروي المصادر بعضًا من كرامات الشيخ التكروري، وبعض تلك الكرامات ارتبط أيضًا بـالتكاررة الذين كانوا يعيشون في حي التكرور آنذاك.
د. إسماعيل حامد
عضو اتحاد المؤرخين العرب
عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية
د. إسماعيل حامد إسماعيل