يا لها من بداية سارة للعام الجديد.. أن تبتسم الثقافة.. لا الفهلوة.. ويفوز العلم، لا الضجيج.. ويُكرم ما ينفع الناس ويمكث لهم في الأرض.
عالم مصري جليل يفوز بجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام لعام 2026.. الاسم ليس مفاجئًا.. المفاجأة فقط أننا انتبهنا.. إنه الأستاذ الدكتور محمد أبوموسى، أستاذ البلاغة والنقد بجامعتي الأزهر وأم القرى.. وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.. رجلٌ إذا تكلم.. تذكّر الجميع أن العربية لم تشخ بعد.. أو لن تشيخ.
العجيب - بل الجميل - أن الرجل أمضى 9 سنوات كاملة يشرح كتابًا واحدًا في رواق الأزهر الشريف.. كتاب دلائل الإعجاز لعبدالقاهر الجرجاني.. درس أسبوعي.. صبر أسبوعي.. وحب لا يملّ.. وحين انتهى من آخر صفحة.. جاءه خبر الجائزة.. كأن الكتاب قال له: شكرًا.. أو كأنها محاسن التاريخ ومكافأته.
وهنا نتوقف قليلًا ونسأل: هل العظمة تُقاس بالسرعة؟ أم بالقدرة على الاحتمال؟
محمد أبوموسى لم يكن وحيدًا في هذا الطريق الطويل.. ابن خلدون ظل يعمل على كتابه "كتاب العبر" والذي يشمل "مقدمته" - الأشهر في العالم - لما يقرب من 30 عامًا، مع التركيز على فلسفة التاريخ والحضارات.
وفي الأدب العالمي.. فيكتور هوجو احتاج 12 عامًا ليكتب رائعته "البؤساء" كتابة مباشرة.. وقبلها سنوات من التفكير والقلق والأسئلة.. ليخرج لنا عملًا لا يزال يُبكي ويُغضب ويُدهش.. وجي آر آر تولكين وروايته "سيد الخواتم" بنى عالمًا كاملًا قبل أن يكتب سطرًا واضحًا.. استغرق بين 12 و17 عامًا من 1937 حتى النشر بين 1954 و1955.. أما مارغريت ميتشل فأعادت كتابة "ذهب مع الريح" 9 مسودات على مدى عشر سنوات (1926–1936).. وبمجرد ما انتهت من نشرها تلقت نبأ فوزها بجائزة بوليتزر.. كما لو أن الصبر يحب الجوائز أو العكس.. فكلاهما مثالان للمثابرة والكفاح والدأب.
نعود إلى محمد أبوموسى.. في مارس 2022، اختارته اللجنة العليا للمؤتمر العلمي الدولي "التراث والحداثة في اللغة والتاريخ: مثاقفة واختلاف" شخصيةً للمؤتمر.. تقدير مبكر.. ومن الداخل.. وهذا -في رأيي- لا يقل قيمة عن التقدير العالمي.. فأن يعترف بك أبناء بلدك أولًا معناه أنك لم تكن عابرًا في لغتهم.. ولا طارئًا على ذاكرتهم.
من يشهد محاضراته يعرف السر.. بيان آسر.. فصاحة بلا تكلّف.. وعلم لا يتباهى بنفسه.. حتى قال الشيخ السعودي عثمان الصالح، بعد إحدى خطب أبوموسى: "إن منطقه دليل على أن الفصاحة العربية ما زالت حية نابضة.. وليس هذا مديحًا.. بل شهادة زمن.. يضاف إلى ذلك اهتمامه بتاريخ العرب وأنسابهم.. ليس من باب الحنين، بل من باب الفهم.. فالذي لا يعرف جذوره.. لا يعرف طريقه".
قدّم للمكتبة العربية ما يقارب 30 كتابًا في البلاغة العربية والدراسات القرآنية.. عددٌ لا يهم بقدر ما يهم أثره.
الخلاصة بسيطة، لكنها صادقة: العلم الذي يُنجز على مهل.. يبقى طويلًا.. والتكريم الذي يأتي متأخرًا.. غالبًا يكون مستحقًا.. هنيئًا له.. وهنيئًا لنا.. أن بيننا من ما زال يؤمن بأن الكلمة تستحق العمر كله.
شكرًا للجائزة؛ لأنها أيقظتنا ونبهتنا وأكرمت من يستحق التكريم.