تحت مياه النيل.. كنوز غارقة| صور

8-1-2026 | 14:11
تحت مياه النيل كنوز غارقة| صورالنيل يحمل في أعماقه آثار حضارة غارقة وبقايا تراث غير مرئي
نسمة رضا

نهر النيل هو شريان الحياة للمصرين إلا أن أعماقه مازالت تحوي الكثير من الأسرار. فالنيل لا يجري بالمياه وحدها، بل يحمل في أعماقه آثار حضارة غارقة وبقايا تراث غير مرئي.

موضوعات مقترحة

لم يكتفِ نهر النيل بتشكيل الحضارة الفرعونية، بل احتفظ أيضًا بأسرارها. فعلى مدى آلاف السنين، حملت مياهه الأحجار والبضائع والكنوز من محاجر الجنوب إلى معابد ومقابر الشمال، تاركة وراءها آثارًا مطمورة في الأعماق. ويؤكد د. محمد مصطفى، المتخصص في الآثار الغارقة «تحت سطح النيل، لا يزال هناك تراث غير مرئي يتحدى الزمن والتيارات». وبحسبه، يضم النهر فئتين رئيسيتين من البقايا الأثرية: الأولى غرقت عبر القرون بفعل الحوادث الطبيعية قبل أي تدخل حديث، والثانية تأثرت مباشرة بالمشروعات المائية الكبرى في القرن العشرين.

هذا التمييز يفسّر طبيعة الاكتشافات الراهنة. فقد كان النيل القديم محورًا لوجستيًا مركزيًا لمصر القديمة، ابتلع عبر الزمن سفنًا وشحنات ومنشآت مرفئية نتيجة الحوادث أو التآكل أو التغيرات الطبيعية في مجراه. ويوضح د. مصطفي :«كان النيل الطريق الوحيد لنقل المواد الضخمة، من الجرانيت والحجر الرملي والحجر الجيري، من محاجر أسوان وجبل السلسلة في الجنوب إلى الشمال». ويضيف كانت التماثيل وأبو الهول والمسلات التي يزن بعضها مئات الأطنان تُنقل على متن قوارب خشبية، غالبًا خلال موسم الفيضان السنوي.

ولا بد أن قرونًا طويلة من الملاحة تركت آثارها، المدفونة اليوم تحت طبقات الطمي: سفن غارقة، شحنات مفقودة، وعناصر معمارية. 

ففي أسوان، أسفرت أولى أعمال الحفائر تحت مياه نهر النيل التي أُجريت بين عامي 2007 و2008 عن تحديد أرصفة قديمة، لا سيما قرب جزيرة النباتات الواقعة غرب المدينة، والتي كانت تُعد الميناء الرئيسي الذي يخدم جزيرة إلفنتين، إضافة إلى رصيف ثانوي صغير في منطقة النجع البحري بجزيرة إلفنتين، بحسب مسؤول الآثار الغارقة بالمجلس الأعلى للآثار..

وعلى الضفة الشرقية، كشفت البعثات أيضًا عن بقايا من جدار معبد خنوم، وآثار غارقة لكشك يعود إلى عهد بطليموس السادس، شمال الجزيرة قليلًا. كما يوضح د. مصطفى :«لقد أدى النهر تدريجيًا إلى تآكل هذه المنطقة، ما تسبب في انهيار الجزء العلوي من الكشك»، مشيرًا إلى أن عناصر أخرى مرتبطة بسفن قديمة لا تزال غارقة في المنطقة الصخرية بين مدينه أسوان والجزيرة المقابله. ويضيف أن «هذه الآثار الغارقة نتجت عن فيضانات نهرية قوية أو عن تغيّر مجرى النيل، الذي ابتلع موانئ أثرية رئيسية»، مستشهدًا بميناء يُرجّح أنه مطمور اليوم تحت كورنيش أسوان الحالي قرب حديقة فريال.

أعماق لم تُستكشف بعد

إلى الشمال، في جبل السلسلة على بعد نحو 60 كيلومترًا من أسوان، كشفت الحفائر عن أرصفة مرتبطة بمحاجر الحجر الرملي الشهيرة، التي استُغلت منذ الأسرة الثامنة عشرة وحتى العصرين اليوناني والروماني. وتؤكد هذه الاكتشافات أن النيل كان فضاءً لوجستيًا منظمًا في صميم الاقتصاد المعماري لمصر القديمة. وبحسب د. مصطفى «من المرجح جدًا أن مواقع أثرية أخرى لا تزال كامنة في مجرى النهر، وصولًا إلى مناطق المصب».

وإدراكًا لهذا، كان المجلس الأعلى للآثار قد طرح عام 2010 مشروعًا لإعداد خريطة أثرية للنيل، غير أن صعوبات مالية أعاقت تنفيذه، قبل أن تتوقف الجهود تمامًا مع أحداث عام 2011. ورغم ذلك، استمرت الأبحاث الاثريه. ففي عام 2023، وثّقت بعثة مصرية–فرنسية من جامعة بول فاليري – مونبلييه للمرة الأولى نقوشًا ملكية مغمورة تحت مياه النيل في أسوان، على صخور كونوسو، تمثل تلك النقوش خراطيش للملك أمنحتب الثالث، وتحتمس الرابع، وبسماتيك الثاني، وأبريس. وهي نقوش كانت معروفة منذ ستينيات القرن الماضي، لكنها لم تُدرس تفصيليًا من قبل.

ويشير د. محمد مصطفى إلى أن بعثات أخرى، بينها بعثة مصرية بالشراكة مع جمعية الاستكشاف المصرية وجامعة بريطانية، ستباشر قريبًا أعمالها جنوب السد وحول الأقصر. 

غير أن التنقيب في النيل يظل مهمة بالغة التعقيد، كما صرح د. احمد بدران أستاذ الاثار المصريه بجامعه القاهره حيث يري ان البحث بمياه نهر النيل يعيقه التيارات القوية وضعف الرؤية وترسبات الطمي. ويضيف د. بدران انه لمواجهة هذه التحديات، يجب ان يعتمد الأثريون على تقنيات متقدمة، مثل التصوير المساحي ثلاثي الأبعاد (الفوتوغرامتري)، الذي يتيح إنتاج نماذج دقيقة للغاية.

ويُنظر اليوم إلى قاع النيل بوصفه أحد آخر الأقاليم الأثرية الكبرى غير المستكشفة في مصر. ويأمل الباحثون في العثور على تماثيل ضخمة ومسلات وأدوات من الحياة اليومية وبقايا سفن، تشهد جميعها على نهر كان، ولا يزال، القلب النابض للحضارة المصرية.

نقلا عن الأهرام إبدو


النيل يحمل في أعماقه آثار حضارة غارقة وبقايا تراث غير مرئيالنيل يحمل في أعماقه آثار حضارة غارقة وبقايا تراث غير مرئي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا: