لطالما لعبت صناعة النسيج دورًا محوريًا في التنمية الاقتصادية والصناعية لمصر. وفي عام 2024، صنّفتها الحكومة كإحدى الركائز الثلاث الأساسية لخطة التنمية الصناعية، إلى جانب الألمنيوم والسيارات. وحتى منتصف القرن الماضي، شهدت هذه الصناعة عصرها الذهبي، إذ اعتمدت، ولا تزال تعتمد، على القطن المصري.
موضوعات مقترحة
في تقرير نُشر مؤخراً بعنوان "آفاق صناعة النسيج في مصر"، يقدم مركز المعلومات ودعم القرار التابع لمجلس الوزراء تقييماً متفائلاً للوضع الحالي للقطاع وآفاق نموه. يسلط التقرير الضوء على الخصائص التي تميز قطاع النسيج المصري، ولا سيما سلاسل الإنتاج الواسعة التي تغطي جميع حلقات سلسلة القيمة: من زراعة القطن (انظر المربع) وإنتاج القطن المغزول، مروراً بالنسيج والصباغة، وصولاً إلى تصنيع الملابس الجاهزة وتصديرها. يؤكد التقرير أن هذا يجعل القطاع صناعة متكاملة تمامًا ذات تأثير كبير على الاقتصاد. وتشير التقديرات إلى أن مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي ستصل إلى حوالي 3.07 مليار دولار أمريكي في عام 2025. ومن المتوقع أيضًا أن يشهد نموًا ملحوظًا في السنوات القادمة، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 2.87% خلال الفترة 2025-2029.
منذ خمسينيات القرن العشرين فصاعدًا، مرت صناعة النسيج بأزمات متتالية بسبب ندرة المواد الخام، القطن، ونقص الغزل اللازم لتشغيل المصانع. يُضاف إلى ذلك الارتفاع الباهظ في فاتورة الاستيراد، نتيجةً لضعف الحلقة الثانية في سلسلة القيمة، ألا وهي الغزل؛ حيث كان القطن يُصدّر في حالته الخام، ثم يُعاد استيراده كقطن مغزول، وهو عنصر أساسي لعمليات المصانع. ويتفاقم هذا الوضع بسبب تدهور وضع القطاع العام وانخفاض الصادرات.
وقد أدت هذه الآفات إلى فجوة كبيرة بين إنتاج المنسوجات المصرية والسوق العالمية، التي يقدر حجمها بنحو 1.1 تريليون دولار في عام 2024 ومن المتوقع أن تصل إلى 1.6 تريليون دولار بحلول عام 2033، وفقًا لتقرير مركز دراسات المنسوجات الدولية.
الركيزة المزدوجة للتنمية الصناعية للقطاع
إدراكاً لهذه الفجوة، شرعت الحكومة المصرية في إصلاح صناعي قائم على ركيزتين: جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وإصلاح القطاع العام من خلال الاستراتيجية الوطنية لإعادة هيكلة القطاع للفترة 2022-2026، بميزانية قدرها 80 مليار جنيه مصري.
بحسب محمد شادي، المحلل الاقتصادي الكلي في المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، فإن خطة الحكومة ترتكز على أربع آليات. تتعلق الأولى بتوفير المواد الخام اللازمة للتوطين الصناعي، وتحديداً القطن المغزول، وذلك من خلال إنشاء أربعة مصانع غزل في كفر الدوار والمحلة الكبرى.
تتضمن الآلية الثانية عمليات الاستحواذ، في إطار الاستراتيجية الوطنية لتعزيز صناعة النسيج المصرية للفترة 2022-2026، والتي شهدت دمج 31 شركة نسيج في 9 كيانات. أما الآلية الثالثة فتتعلق بإعادة الهيكلة الاقتصادية والمالية. وأخيراً، تتمثل الآلية الأخيرة في إعادة استثمار الأصول لسداد الديون.
يرى محمد عبد السلام، رئيس غرفة صناعة الملابس الجاهزة في الاتحاد المصري للصناعات، أنه من السابق لأوانه تقييم الاستراتيجية ككل، لكنه يؤكد أن الإصلاح يتقدم بثبات. ويوضح عبد السلام قائلاً: "سيُمكّن هذا الإصلاح القطاع العام، وفقًا لتوقعاتي، من مضاعفة إنتاجه ثلاث مرات. فإذا كان إنتاجنا 40 ألف طن من القطن المغزول، فقد يصل إلى 120 ألف طن بحلول عام 2025، أو حتى أكثر عندما تعمل مصانع الغزل بكامل طاقتها".
ويقول إن مجالاً آخر للتقدم يكمن في قدرة البلاد على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر في جميع مراحل سلسلة القيمة، بدءاً من الغزل والنسيج والصباغة وصولاً إلى تصنيع الملابس الجاهزة وتصديرها. ويضيف: "من المتوقع أن يصل الاستثمار الأجنبي المباشر في هذا القطاع إلى مليار دولار بحلول عام 2026. ويمكننا الآن الحديث عن تجمعات صناعية متطورة في قطاع النسيج". بحسب عبد السلام، فقد استثمرت تركيا بالفعل جزءاً من صناعتها في مصر، وكذلك الصين التي تتواجد في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. كما تعجّ منطقة تيدا الصناعية، الواقعة على طريق العين السخنة، بالمصانع الصينية، وسيتم قريباً إطلاق ثلاثة مشاريع جديدة فيها بقيمة إجمالية قدرها 1.15 مليار دولار.
لكن عبد السلام يُسلط الضوء على مشكلة رئيسية: فاتورة الاستيراد. ويوضح قائلاً: "لا نزال نعاني من عجز في الاستيراد. تبلغ احتياجاتنا 1.1 مليون طن من القطن المغزول، بأطوال مختلفة (قصيرة، متوسطة، وطويلة). لا ننتج سوى 670 ألف طن، منها 55 ألف طن مخصصة للتصدير. وهذا يترك لنا 620 ألف طن، مما ينتج عنه عجز يقارب 480 ألف طن من القطن المغزول".
من جانبه، يشير محمد المرشدي، رئيس غرفة إنتاج المنسوجات باتحاد الصناعات، إلى ندرة الاستثمارات في الصناعات البتروكيماوية المنتجة للألياف الاصطناعية. ويؤكد قائلاً: "يمثل البوليستر 55% من المنسوجات التي نصدرها للخارج، وقيمة وارداته مرتفعة للغاية. لذا، من الضروري إنشاء مصانع قادرة على تلبية احتياجات هذه الصناعة". ويتطرق المرشدي في ختام حديثه إلى مسألة تمويل القطاع، قائلاً: "لا تزال أسعار الفائدة على القروض مرتفعة. ومن الضروري تطبيق برامج تمويل مصممة خصيصاً لتلبية احتياجات الصناعات، بعيداً كل البعد عن أسعار الفائدة السائدة حالياً".
نقلا عن الأهرام إبدو