منذ العصور القديمة وحتى يومنا هذا، شكّل نهر النيل العمود الفقري للسياحة في مصر، فهذا النهر الأسطوري يُعد أحد ركائز الاقتصاد المصري بفضل السياحة النهرية، ويبحر على مياهه نحو 280 مركبًا سياحيًا بخلاف الفلوكات والدهبيات التي تعبر لأكثر من خمسة آلاف عام من التاريخ.
موضوعات مقترحة
وتتركز هذه الرحلات بشكل أساسي بين الأقصر وأسوان، حيث تتيح للزوار الوصول إلى مواقع أثرية بارزة مثل معابد الكرنك والأقصر وإدفو وفيلة، إلى جانب وادي الملوك. وعلى متن هذه الفنادق العائمة، المزوّدة في الغالب بكافة الخدمات ووسائل الراحة الحديثة، يكتشف السائحون مصرعلى إيقاع هادئ، في تجربة غنية بالانغماس الثقافي العميق.
ولا تقتصر الرحلات على زيارة المواقع الأثرية فحسب، بل تتيح محطات التوقف أيضًا فرصة التعرّف على الحياة اليومية للمصريين. إذ يمكن للزوار زيارة القرى النوبية، والمشاركة في ورش الحرف اليدوية المحلية، أو التجوّل في الأسواق الشعبية. وتُسهم هذه التجارب في فهم أعمق لثقافة مصر القديمة والمعاصرة على حد سواء.
يقول معتز السيد، المرشد السياحي في الأقصر: «السياحة النهرية منتج سياحي فريد في مصر. فالنيل ليس مجرد نهر، بل هو متحف مفتوح. كل محطة تحكي صفحة من تاريخ البشرية». ويضيف أن أولى الرحلات النيلية تعود إلى عام 1863، حين قام الإنجليزي توماس كوك برحلة نهرية لاكتشاف صعيد مصر.
وتمثل السياحة النهرية جزءًا أساسيًا من العرض السياحي المصري، خاصة في مجال السياحة الثقافية. ووفقًا للجهات الرسمية، توفّر الرحلات النيلية آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، تشمل أطقم السفن، والمرشدين، والحرفيين، والعاملين في الفنادق وقطاع النقل. وبعد سنوات من التراجع بسبب الاضطرابات الإقليمية وجائحة «كوفيد-19»، يشهد القطاع تعافيًا ملحوظًا منذ عام 2022. ويؤكد السيد: «منذ بداية الموسم السياحي الحالي، وصلت نسب الإشغال في الرحلات النيلية إلى ما يقارب 100%».
تنوّع وسائل الإبحار
ورغم أن السياحة النهرية في مصر تعتمد بالأساس على الرحلات الكبرى التي تستقطب أعدادًا كبيرة من الزوار، فإن العروض السياحية تشهد تنوّعًا متزايدًا. وتُعد الدهبيات ذروة الرحلات النيلية التقليدية، حيث تجمع بين الفخامة والرحابة.
ويتراوح طول هذه المراكب بين 30 و45 مترًا، وتضم كبائن خاصة ومساحات مشتركة مصممة بذوق راقٍ، تمزج بين عبق الماضي وراحة الحاضر.
أما الفلوكات، فتوفر تجربة أكثر حميمية وصديقة للبيئة، إذ تعتمد على الرياح بدلًا من المحركات. وتستقطب هذه المراكب عشّاق الأصالة والسياحة المستدامة، وتستوعب عادة مجموعات صغيرة من 4 إلى 8 ركاب، ما يخلق أجواءً ودّية ومميزة.
كما تسعى بعض المبادرات إلى فتح مسارات جديدة للسياحة النهرية، لا سيما في شمال البلاد، داخل دلتا النيل التي لا تزال بعيدة عن السياحة الجماعية. وتتيح رحلة تجريبية بين القاهرة ودمياط اكتشاف مناطق أخرى غنية بالتراث الطبيعي والثقافي.
تحديات قائمة
رغم الإمكانات الكبيرة، تواجه السياحة النهرية عدة تحديات، في مقدمتها الحفاظ على النيل. فالتلوث، وإدارة المخلفات، وتأثير حركة المراكب على النظام البيئي تمثل قضايا مقلقة. وتوضح شيماء جلال، عضو غرفة السياحة، أن «الجهات المعنية تعمل بالتعاون مع منظمات دولية لفرض معايير أكثر صرامة، وتعزيز ممارسات مسؤولة ومستدامة». وتضيف أن تطوير جودة الخدمات وتدريب الكوادر البشرية يُعدان من التحديات الأساسية، مؤكدة أن «تجربة السائح تعتمد بشكل كبير على مستوى الخدمة والتفاعل الإنساني».
من جانبه، يشير إيهاب عبدالعال، مالك أحد الفنادق العائمة على النيل، إلى الأعباء المالية الثقيلة التي تعيق نمو السياحة النهرية وتشكّل تحديًا للمستثمرين. ويؤكد ضرورة تطوير مراسي المراكب وتحديث الفنادق العائمة باعتبارها خطوات أساسية لإنعاش السياحة النيلية. كما يدعو إلى الإسراع في حل المشكلات التي تعرقل تطور هذا القطاع، وعلى رأسها تعدد الجهات التي تفرض الرسوم وتداخل صلاحيات أجهزة الرقابة. ويقول: «من الضروري توحيد الجهات المسؤولة عن تحصيل الرسوم من الفنادق العائمة، بحيث تُسدد فقط لوزارة السياحة، التي تتولى لاحقًا توزيعها على الجهات الأخرى، بما يضمن حماية استثمارات تتجاوز قيمتها عدة مليارات من الجنيهات».
ويوضح عبدالعال أن كل فندق عائم يسدد ما يصل إلى 18 رسمًا حكوميًا عند الإبحار أو تجديد الترخيص.
ويؤكد أن مصر تمتلك جميع المقومات التي تؤهلها لتبوؤ موقع الريادة العالمية في سياحة الرحلات النيلية، بفضل كنوزها الأثرية الفريدة ومواقعها التاريخية الاستثنائية، مشددًا على أن الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص هي مفتاح الانطلاقة الحقيقية لهذا المنتج السياحي المتميز.
في السياق ذاته، أطلقت وزارة السياحة والآثار عدة مبادرات لتحديث الأسطول النهري، وتحسين المعايير البيئية، وتعزيز إجراءات السلامة. ووفقًا لموقع «Responsible Travel»، تسعى مصر إلى إعادة تموضع السياحة النهرية ضمن إطار السياحة المستدامة، من خلال مشروع أسطول «فلوكات بيئية» هجينة تعمل بالطاقة الشمسية.
ويهدف المشروع إلى الحد من التلوث، وتحسين جودة المياه، وإشراك السائحين في أنشطة بيئية توعوية. وتأتي هذه الجهود استجابة لمخاوف حقيقية تتعلق بزيادة حركة الملاحة النهرية وضرورة تفادي الأضرار البيئية، مثل المخلفات البلاستيكية، والتسربات النفطية، والنفايات الملوثة.
وتظل الرحلات النيلية على نهر النيل «منتجًا سياحيًا مميزًا» لمصر، يجمع بين متعة الإبحار وعبق الحضارة الفرعونية، ويقدّم تجربة ثقافية فريدة من نوعها.
نقلا عن الأهرام إبدو