النهر الأبدي| صور

7-1-2026 | 19:04
النهر الأبدي| صور آلهة الحضارة المصرية
بقلم: دعاء إلهامي

تعددت آلهة الحضارة المصرية، ولا سيما تلك المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بنهر النيل، مصدر الحياة. فلم يكن النهر مجرد مجرى مائي، بل كيانًا مقدسًا.

موضوعات مقترحة

« من رع، يأتي النيل »؛ «أنا لم ألوّث مياه النهر، ولم أمنع النيل من أن يفيض في وقته، ولم أُقم سدودًا لوقف المياه الجارية، وقدمت الخبز للجائعين والماء للعطاش »؛ «أيتها الروح الراقدة في الأبدية، سيجري عليك النيل في مثواك الأخير، مباركًا إياك بخيراته، لأن مياهه تأتي من أبو (أسوان). فهذا النيل ينبع من مصادره العميقة، ويفيض من مخبئه، فيما تتدفق مياهه من منبعها »»

تعكس هذه النقوش الثلاثة، التي وُجدت في كتاب الموتى، وعلى جدران المعابد والمقابر، وكذا على أوراق البردي التي كانت تُدفن مع الموتى، تعكس قيمة نهر النيل لدى المصريين القدماء. فقد ارتبطت به آلهة كثيرة. إذ كان يحتل مكانة جوهرية في حياة المصريين، ومنه انبثقت حضارة فريدة من نوعها.

يُعدّ حابي، وخنوم، وسوبك، وحِقات، وغيرهم الكثير من الآلهة المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بنهر النيل. ويؤكد عالم المصريات لطفي عبد الحميد غازي، نائب مدير المتحف المصري للشؤون الأثرية، أن «المصري القديم كان يقدّس كل ما يحميه من الشر ويجسّده في هيئة إله». وهو ما يفسر تعدد الآلهة التي ظهرت عبر تاريخ مصر. وقد استخدم المصريون هذه الآلهة لوضع تصورات تفسر نشأة العالم، مما أدى إلى نشوء و تنوع أساطير ومعتقدات دينية في مصر القديمة. ومن بين هذه الأساطير تبرز أسطورة إيزيس وأوزيريس، التي يلعب فيها النيل دورًا محوريًا. حيث يشرح عالم المصريات مجدي شاكر إذ «تروي الأسطورة أنه عقب وفاة أوزيريس، بكت إيزيس عليه بحرقة في مغارة بيجا قرب جزيرة إلفنتين، فتحولت دموعها إلى مياه فيضان النيل وجريانه»، مضيفًا أن مشهد بكاء إيزيس على زوجها يزين جدران معبدها في إلفنتين. وكان هذا الفيضان يمثل، بالنسبة للمصري القديم، بعث النهر بعد فترات ركوده. ولذلك ارتبط النيل وفيضانه بإيزيس وأوزيريس، رمزي البعث والخلود.

غير أن تقلبات منسوب النيل كانت تخفي وراءها أخطارًا كثيرة، يصعب التحكم فيها. ولمواجهة ذلك، كرس المصريون الإله حابي الذي يظهرمتوجًا بتاج مزدوج يتكون من زهرة اللوتس وحزمة من نبات البردي، رمزَي صعيد مصر ودلتاها، ووحدة الأرضين. ويشرح لطفي غازي أن «حابي ظهر في عدة صور؛ ففي  الدولة القديمة كان جسده مغطى بالأمواج في مناظر تقديم القرابين، بينما صُوِّر في الدولة الوسطى، وهي فترة ازدهار زراعي، في هيئة تمثال مزدوج »، موضحًا أن هذه الازدواجية تشير إلىكل من النيل الأعلى والنيل الأدنى. ويضيف مجدي شاكر: «على الرغم من أهمية الإله حابي في الحضارة المصرية، فإنه لم يُخصص له معبد، إلا أن صوره تزين جدران معظم المعابد، وهو ما يعكس قيمة النهر ومكانته، بل وقديسته

فيضانات محسوبة

إذا كان حابي هو إله النيل، فإن خنوم هو إله الفيضان. فقد كان الملوك المصريون يتضرعون إلى خنوم ويصلّون له خوفًا من الجفاف وقحولة الأرض، لضمان مجيء الفيضان السنوي. ويبرهن لطفي غازي على ذلك أن « الملك زوسر من الأسرة الثالثة توجه إلى منابع النيل جنوبًا، في جزيرة إلفنتين الحالية، ليقدم القرابين لخنوم، إله الشلالات، الذي يُجسَّد برأس كبش ذي قرنين، وسيد الفيضان النافع للنيل، خير دالّ ». وكانت مياه الفيضان المحملة بالطمي تغمر الأراضي فتخصبها، مُشكِّلة الأرض السوداء، كِمت، التي سرعان ما تكسوها الخضرة. ويضيف مجدي شاكر أن «خنوم يشكّل من الكِمت الفخار، وكذلك الإنسان وروحه، » مؤكدًا أن الأسطورة ترى أن الفيضان السنوي، ينتج من دموع إيزيس التي تذرفها كل عام على زوجها.

كما يلفت مجدي شاكر إلى الإلهة الضفدعة حِقات، التي تعيش في المستنقعات والبرك العذبة. و هي ربة محلية لمدينة أنتينوبوليس في مصر الوسطى، وترمز إلى الحياة والخصوبة، إذ تظهر آلاف الضفادع سنويًا بعد فيضان النيل، فتعود الخصوبة إلى الأرض. ويضيف: « كما أنها تتغذى على الحشرات الضارة بالمحاصيل، فتحمي المنتجات الزراعية. »

ومن بين الآلهة المرتبطة بالنيل أيضًا الإلهة تاورت، بمعني «العظيمة». وقد صورت في شكل أنثى فرس النهر، وهو حيوان نهري آكل العشب كان يعيش في مياه النيل غاطسا بعيدًا عن الأخطار. وكان يعتقد أنها كانت تحمي المرأة الحامل والمرضعة والمولود الجديد. ويشرح لطفي غازي أن « صورتها نُحتت على الأسرة والمهود، كما أن تماثيلها المصنوعة من الفيانس الأزرق والأسود غالبًا ما تُزيَّن بزهور اللوتس وحزم البردي، مما يدل على الدور الوقائي للنيل. » 

وأخيرًا، يرتبط بالنيل أيضًا الإله سوبك، الذي يُصور في هيئة التمساح. فقد كان هذا الحيوان البرمائي المخيف يعيش قرب ضفاف النهر، وفي المستنقعات والبرك المجاورة للقرى. وكان المصري القديم يعبده اتقاءً لهجماته على الماشية وتجنبًا لمخاطره. وقد شُيِّدت معابده، على وجه الخصوص، في كوم أمبو بصعيد مصر، وفي الفيوم.

وتعكس جميع هذه الآلهة ليس فقط الدور المحوري الذي لعبه نهر النيل في حياة مصر، بل أيضًا جهود المصريين القدماء لحماية هذا النهر وتقديسه.

نقلا عن "الأهرام إبدو"


 آلهة الحضارة المصرية آلهة الحضارة المصرية

 آلهة الحضارة المصرية آلهة الحضارة المصرية

 آلهة الحضارة المصرية آلهة الحضارة المصرية
كلمات البحث
اقرأ أيضًا: