تراثٌ أُنقذ.. وآخر غرق| صور

7-1-2026 | 17:41
تراثٌ أُنقذ وآخر غرق| صوراثار مصر ما بين الانقاذ والغرق
بقلم: نسمة رضا

أبو سمبل نجا، ولكن أرض النوبة غُمرت تحت المياه. في ستينيات القرن الماضي، طرحت عملية بناء السد العالي في أسوان. مما وضع الدولة بين معضلتين: المشروع المائي الذي يحفظ للمصريين بقائهم واثار الأجداد وكنوز الماضي. التفاصيل.

موضوعات مقترحة

شكّل تشييد السد العالي في أسوان بين عامي 1960 و1970 واحدة من أعقد المعضلات التراثية في القرن العشرين: كيف يمكن بناء المستقبل من دون إغراق الماضي؟

و يوضح عالم المصريات د. أحمد صالح «وإذا كان الإنقاذ المذهل لمعابد أبو سمبل قد أصبح رمزًا عالميًا للتعاون الدولي، فإنه يُخفي واقعًا أكثر صمتًا، يتمثل في ضياع جزء كبير من الذاكرة اليومية للنوبة، المدفونة اليوم تحت مياه بحيرة ناصر»..

كان إنشاء بحيرة ناصر يعني غمر نحو 480 كيلومترًا من الوادي، وتهديد عشرات المعالم الأثرية في النوبة المصرية والسودانية. «لم يعد التحدي وطنيًا فحسب، بل بات إنسانيًا عالميًا، يتعلق بحماية تراث يُعد ملكًا للبشرية جمعاء»، كما اسرد د. محمود الحصري، أستاذ بكلية الآثار في جامعة الوادي الجديد..

في عام 1960، ومع ارتفاع منسوب النيل نتيجة البدء في بناء السد العالي، وجّهت مصر نداءً عاجلًا إلى منظمة اليونسكو. فاستجابت أكثر من 50 دولة، وشاركت في أضخم عملية إنقاذ أثري شهدها التاريخ. وعلى مدى عشرين عامًا، عمل مهندسون وأثريون على توثيق وتفكيك ونقل المعابد المهددة.

وكان إنقاذ معابد أبو سمبل ذروة هذه الجهود. فقد جرى تقطيع معبدي رمسيس الثاني المنحوتين في الصخر إلى 1042 كتلة، يزن بعضها حتى 30 طنًا، ثم أُعيد تركيبهما على ارتفاع 65 مترًا. ونُفذت العملية بين عامي 1964 و1968، في إنجاز هندسي استثنائي. ويؤكد د. الحصري «حرص المهندسون على الحفاظ على المحاذاة الشمسية الأصلية، بحيث تضيء أشعة الشمس وجه رمسيس الثاني مرتين سنويًا، وهو ما يعكس احترام الحداثة لعبقرية المصريين القدماء الفلكية».

اثار مصر ما بين الانقاذ والغرق

وبحسب د. أحمد بدران، أستاذ الاثار بجامعة القاهرة، أسفرت الحملة عن إنقاذ 22 معلمًا أثريًا رئيسيًا، بتكلفة بلغت آنذاك نحو 80 مليون دولار، مذكّرًا بأن فكرة التفكيك حجرًا حجرًا طُرحت منذ عام 1959 على يد المصري أحمد عثمان، عميد كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية.

إلى جانب أبو سمبل، نُقل مجمع فيلة الذي غرق قبل ذلك بسبب بناء خزان اسوان إلى جزيرة أجيليكا، وحُفظت معابد أخرى مثل كلابشة وبيت الوالي وعمدا والدكة. 

وامتنانًا للدول المشاركة، أهدت مصر عددًا من المعابد التي تزين متاحف كبري: دندور للولايات المتحدة، ديبود لإسبانيا، طافا لهولندا، وإليسيا لإيطاليا، فيما تُعرض البوابة البطلمية لمعبد كلابشة، التي أُهديت لألمانيا، في متحف برلين.

ويقول عالم الآثار د. حسين عبد البصير مدير متاحف الاثار بمكتبة الإسكندرية: غير أن هذا النجاح الباهر أخفى خسارة جسيمة. «للتنمية ثمن»، موضحًا أن «مئات المواقع الأقل شهرة، لكنها أساسية لفهم الحياة الاجتماعية بالنوبية القديمة—من قرى ومساكن ومقابر ومواقع ما قبل التاريخ—ترقد اليوم في قاع بحيرة ناصر». 

وبالنسبة لعالم الآثار د. أحمد صالح، فإن تاريخًا اجتماعيًا كاملًا، وحياة يومية بأكملها، غُمرت تحت المياه.

 وتطفو بعض هذه الذكريات المنسية اثناء الانخفاضات الاستثنائية لمنسوب المياه، لتمنح بعثات الآثار الغارقة فرصة محدودة لتوثيق ما يمكن قبل أن يختفي مجددًا.

وإذا كانت حملة إنقاذ آثار النوبة قد أسهمت في إقرار اتفاقية التراث العالمي عام 1972، فإن التهديدات لا تزال قائمة. فارتفاع منسوب المياه الجوفية، وتملّح التربة، والتحولات الهيدرولوجية الإقليمية، باتت تهدد حتى المعالم التي جرى إنقاذها. 

وبين روائع نُقلت وآثار غُمرت، تذكّر التجربة النوبية بأن لكل مشروع تنموي مناطق ظل. يخلص د. بدران «إن الدرس الأهم هو أن صون التاريخ لا يقتصر على إنقاذ الرموز الكبرى، بل يشمل أيضًا الحفاظ على ذاكرة الناس العاديين الذين شكّلوا ضفاف النيل عبر آلاف السنين».

اثار مصر ما بين الانقاذ والغرق

نقلا عن "الأهرام إبدو"

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة