يمتد نهر النيل من جنوب القارة الأفريقية إلى شمالها مشكّلا موسيقاه الخاصة، فهو مصدر إلهام لا ينضب. في النوبة، أثمرت هذه الموسيقى فنًا أصيلًا، يلعب الغناء فيه دورًا محوريًا.
موضوعات مقترحة
من جينجا في أوغندا إلى دلتا النيل في مصر، يتدفق النيل بقوة، وتتلاطم مياهه على الصخور. يمكن سماع هديره وهو يتدفق عبر الشلالات قبل أن يصل إلى امتداد أوسع وأكثر هدوءًا في السودان ثم مصر. وهكذا، يتميز جنوب قارة أفريقيا بإيقاع قوي وطبيعي، بينما يسود إيقاع أكثر هدوءًا شمال القارة. تتبع موسيقى حابي (اسم النيل في مصر القديمة) السلمً الخماسيً (خمس نغمات بأصوات بسيطة وعذبة) ولها آلاتها الخاصة، وقد أثمرت فنًا أصيلًا، حيث يلعب الغناء فيه دورًا محوريًا.
عادل ميخا يسعى إلى تطوير الموسيقى النوبية من خلال مشروعه ميخاتون
تُعبّر الأراضي النوبية، الممتدة من أسوان (جنوب مصر) إلى منطقة أم درمان (شمال السودان)، عن نفسها من خلال موسيقى وثيقة الصلة بطبيعة النيل. فكل نوبي بطبيعته مغنٍ، وبعضهم موسيقيون أو عازفون على الدف. يستلهم النوبيون أصوات النهر والطبيعة ليُبدعوا أغانٍ وموسيقى تُرافق حياتهم اليومية: في الاحتفالات، وفي الحداد، وأثناء الصيد، وفي الزراعة. فالغناء ممارسة متأصلة في عاداتهم. كما تُغني النساء النوبيات أثناء الطبخ، والأعمال المنزلية، أو حتى أثناء الحديث فيما بينهن.
في افتتاح المتحف المصري الكبير، قُدّمت أغنية "انشودة النيل" ، باللغتين النوبية والعربية، غناء أحمد إسماعيل وحنين الشاطر. تُبرز هذه الأغنية مكانة النيل في قلب الحضارة المصرية، وتُظهر ثراء الثقافة المصرية. وتشهد الأغنية على حوار بين لغتين، بل بين ثقافتين: العربية (اللهجة المصرية) والنوبية.
تتميز موسيقى هذه الأغنية التي ألفها هشام نزيه ضمن موسيقى احتفالية المتحف المصري الكبير بالسلم الخماسي وبالحان عذبة تبرزها آلة العود والآلات الوترية. وبإحساس فخم ومقدس، يُحتفى بنهر النيل، وموسيقاه.
يتحدث الفنان النوبي عادل ميخا، مؤسس فرقة "مزيك" (وهي كلمة مشتقة من كلمتي: موسيقى ومزج) قائلا " تستمد الموسيقى النوبية أصولها من الطبيعة، ويلعب النيل دورًا هامًا فيها". يسعى ميخا، من خلال فرقته، إلى إعطاء الموسيقى والغناء النوبيين مساحة هامة عبر تطوير مشروع "ميخاتون". ويضيف: "في هذا المشروع، أحاول دمج موسيقى البوب العربية والمصرية مع الموسيقى النوبية". ويوضح: " قمت بإعادة توزيع بعض الأغاني العربية الشهيرة باستخدام السلم الخماسي الذي يميز موسيقى حوض النيل". هذا النهج يُقرّب الموسيقى النوبية من الأجيال الجديدة، التي تنجذب إلى فن البوب والموسيقى الإلكترونية والمهرجانات وحتى موسيقى الراب. يؤكد ميخا قائلاً: "هذا الدمج، أو إعادة التوزيع، ضروري لتعزيز الموسيقى النوبية ومنع نسيانها. ومع ذلك، لا تزال هناك فرق تغني الموسيقى النوبية التقليدية وتؤدي عروضها بانتظام على مسرح الضمة في عابدين، مثل فرقة نوبانور". ويشير ميخا إلى أن الموسيقى النوبية غنية بفضل ألحانها وفنانيها، الذين تمكن بعضهم من تجاوز الحدود وتحقيق نجاح باهر، مثل حمزة علاء الدين، وخضر العطار، وعلي كوبان. ويحظى هؤلاء الفنانون بشهرة واسعة على الصعيدين الإقليمي والدولي.
مشروع النيل بجولة افريقيا. تصوير: أحمد هيمن
بدافع من حبه لوطنه، كرس حمزة علاء الدين نفسه لجمع التراث الشفهي للأغاني النوبية، وتدوين إيقاعات الدف، والعزف على العود، مع مراعاة السلم الخماسي المميز للموسيقى النوبية. هاجر إلى الولايات المتحدة، حيث ساهمت حفلاته في شهرته الواسعة.
ألبوماته، التي أنتجتها شركات إنتاج كبرى مثل فانجارد (موسيقى النوبة) ونونساتش ريكوردز (إسكالاي/ الساقية) ، رسّخت مكانته كواحد من رواد موسيقى الشعوب. \قام علاء الدين بتدريس الموسيقى في سان فرانسيسكو مع الحفاظ على ارتباطه الوثيق بجذوره النوبية. يقول عادل ميخا: "لا تزال هناك ألحان وفنانون نوبيون آخرون لم يُكتشفوا بعد".
الإيقاعات والألحان الأفريقية
مزج النجم الشهير محمد منير، الملقب بـ"صوت النيل"، الألحان النوبية بكلمات الأغاني العربية، لا سيما من خلال تعاونه مع الملحن النوبي أحمد منيب. حققت أغاني منير، التي لحّنها منيب واحترمت السلم الخماسي النوبي، نجاحًا باهرًا، وشكّلت أسلوبه المميز، وجعلته مغنيًا فريدًا.
كما غنّى منير للنيل والوطن.
في عام ١٩٩٥، من كلمات كوثر مصطفى وألحان عمرو أبو ذكري، يستحضر منير طبيعة النيل، بكرمه وغموضه، في غنائه: "النيل سؤال وما زال ما جاش عليه الرد ولا بيوصل ولا بيتوه ولا بيرجع ولابيغيب "
كما يظهر النيل في أغانٍ أخرى لمنير ، مثل "آه يا لالي" أو "عروسة النيل"، رمزًا للأرض، أو الوطن، أو الحبيبة.
غلاف ألبوم حمزة علاء الدين إسكالي
حرصًا منه على الحفاظ على الهوية الموسيقية للنيل، الذي ينبع من أفريقيا، استكشف منير أيضًا موسيقى شرق أفريقيا. ودمج الإيقاعات والأنغام الأفريقية في ألبوماته. بأسلوبٍ موسيقى الجاز الذي ينسجم مع السلم الخماسي النوبي ويسمح بالارتجال على المسرح، ففي حفلاته يتيح منير مساحات في أغانيه حيث يتجلى الحوار بين الآلات الموسيقية.
بعد تسعينيات القرن الماضي، أدخل منير اللغة النوبية في أغانيه العربية، مُضيفًا إليها بعض الكلمات والعبارات، مانحًا إياها طابعًا غامضًا وأصيلًا وعريقًا، كما في أغاني "الشمندورة" و"سيا" و"سو يا سو" و"نيجيري باي".
من عام ٢٠١٢ إلى عام ٢٠٢٢، شكّل مشروع النيل جهدًا جماعيًا حقيقيًا يهدف إلى توحيد موسيقى دول حوض النيل. أطلق هذا المشروع عالم الموسيقى الإثنية المصري الامريكي مينا جرجس.
يهدف المشروع إلى بناء جسور التواصل بين دول حوض النيل من خلال الموسيقى، ما يُسهم في تعزيز الحوار بينها، لا سيما وأن هذا النهر الطويل يُشكّل أساس نظامها البيئي واستقرارها. منذ انطلاقه، جمع المشروع فنانين من مصر (دينا الوديدي، عادل ميخا)، والسودان (آسيا مدني، والسارة ونوباتونز)، وكينيا (كاسيفا موتوا)، وبوروندي (ستيفن سوغو)، ورواندا (صوفي نزايسينغا)، وإثيوبيا (مكليت هاديرو)، وأوغندا. يهدف المشروع إلى تنظيم إقامات موسيقية تتيح للفنانين التواصل مع مراعاة الخصائص الفريدة لكل بلد. تُظهر جولاتهم في أفريقيا وأوروبا، بالإضافة إلى الألبومات التي أنتجوها (تانا، جينجا، وأسوان)، انسجامًا موسيقيًا قويًا بينهم واخلاصهم في العمل. يقول عادل ميخا، الذي استفاد من إقامات موسيقية أفريقية متنوعة لتطوير موسيقاه: " المشروع مُعلق حاليًا. لقد فقدنا فنانين مثل آسيا مدني وهاديرو".
يعود آخر نشاط ملموس لمشروع النيل إلى عام ٢٠٢٢، مع إصدار الفيلم الوثائقي "بعيدا عن النيل " من إخراج شريف القطشة، يُسلط الضوء على إقامة الفنانين الأخيرة في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى حفلاتهم الموسيقية في أكثر من ٢٥ ولاية أمريكية.
تواصل مياه حابي رحلتها من جنوب القارة الأفريقي إلى شمالها، وتعكس موسيقاه مساره وتقلباته المزاجية. أما سكان حوض النيل، فما عليهم إلا أن يتبعوا إيقاعه ومقامه الموسيقي ليعبروا عن أنفسهم وليشعروا بالبهجة.
نقلا عن "الأهرام إبدو"