الابتلاء.. حقيقته ومغزاه

8-1-2026 | 11:49

سؤال يتكرر عند وقوع أي ابتلاء يختبر الله به قوة إيمان الإنسان، استفهام دال على حيرة بالغة تدق بعنف أبواب قلب أرهقه التعب وباغتته الأحزان، أتته من كل اتجاه، للتروي في إصدار حكم دقيق على موقف صعب يمر به أحدنا، لا يريده ولا يتمناه، أوضاع مختلفة، معايير مختلطة، أفكار مغلوطة تأخذنا معها، تشتتنا وتنال منا بلا رحمة ودون استئذان.

لحظات ثقيلة تمر، تسبق صدور هذه الأحكام، متاهة نسير فيها فتخرجنا من واحة الراحة والشعور بالأمان، تفسد علينا حياتنا الهادئة فتولد إحساسًا ينافي كل مشاعر السعادة والهناء، يختطفنا ويصعد بنا إلى أعالي وقمم الجبال، يحدث هذا في العادة عقب شعورنا بمرض، أو بفقد، أو بزوال نعم لم يكن زوالها في الحسبان.

تتحد كل صنوف الحيرة، تلاحقنا بأمواجها اللا محدودة، تبتلع ما تبقى منا من صبر ومن قوة احتمال، تصنع لنا من ثراء أوهامنا ملاجئ وكهوفًا نسكنها، نتوارى بداخلها خوفًا من أن يعلم بضعفنا إنسان -أيًا من كان- فنحن بلا شك نكره حقيقة أن يلمس غيرنا شعورنا بقلة الحيلة والقلق والإرهاق.

نبقى هناك بعيدين عن كل شيء نتقلب فوق جمر من الهوان، تشتعل نيران الابتلاء أكثر فتضمها القلوب على عكس الرغبات، نشعر بعدها بالوهن، وكأننا قد بلغنا ألف عام.

تأخذنا المواقف وتدق الشدائد فوق رؤوسنا تدفعنا بحديث خفي إلى ضرورة التسليم وترك الأمر كله لله بخضوع تام لإرادته وبقناعة بأنه لن يردنا خائبين إذا ما تقربنا إليه بالطاعات ودعوناه، تتولد بعدها لحظات سطوع نفس صاغت شتى الدعوات، أجادت تنويع المفردات، لتتجمع من بعدها الأمنيات البعيدة، فنعود ونحن يتملكنا شعور يقيني بقدرة رب وعظمة إله.

حقيقة الابتلاء تكمن هنا في هذه الزاوية وفي هذا الاتجاه، تطارد بقسوتها نفسًا هامت وراحت تهتم بزخارف الحياة، استأسدت فلم يعد يوقفها طموح، لا تقيدها أغلال، تلهث خلف أوهامها بالبقاء والحياة مصيرها إلى زوال، الكل يتسابق ويفنى وتبقى الحقيقة الواحدة هيمنة -الله- الواحد الأحد، إنها الأمل الوحيد والسبيل الأوحد للعبور إليه للحصول على رضاه، تخفت نيران وتستعر أخرى ويبقى الإيمان حارس القلوب وسفينة النجاة، تزول على أثره كل المحن كلما فاضت ألسنتنا بذكر الله.

يعتقد بعضنا أن الابتلاء شقاء بحت، وبأن وقوعه بُعد وهجر وربما انتقام من الله، بينما يرى المؤمنون المتوكلون فيه دليل محبة وفيض من اجتباء يتبعه عطاء، وعندما يبلغ اليقين ذروته تأتي كلمة الله العليا من فوق سبع سماوات، أمر أخفاه بين كاف ونون أتى على غير توقع أو انتظار، إذن ببدء حياة أخرى لا تشبه سالف الأيام، جزاء لمن رضي وشكر وحمد الله على كل حال.

كلمات البحث
الأكثر قراءة