كُتَّابُ الْأَهْرَامِ.. مَعِينٌ لَا يَنْضَبُ

7-1-2026 | 15:42

التحقتُ بالكتابة على صفحات الأهرام في العام ألفين واثنين وعشرين. بدأتُ في الكتابة على صفحاتها الورقية، صفحات آراء وقضايا.

بعدما ظللتُ فترة صباي أحلم بالكتابة لقراء الأهرام الذين كنتُ واحدًا منهم، دومًا ما كنتُ أراسل بريد الأهرام، ويبدو أن كثرة مراسلاتهم حالت بيني وبين وصول مقالاتي إليهم، أو التي كنتُ أظنها مقالات، أدركتُ بعد أن نضجت أفكاري أنها كانت مجرد خواطر.

لكن هذا جد مهم؛ فلا يمكن بحال من الأحوال أن يتوقف من أمسك بقلمه عن الكتابة، حتى وإن كانت مجرد خواطر، أو بدايات، أو إرهاصات تنبئُ بمشروع كاتب، أو على الأقل محب للكتابة.

فعكفتُ على تطوير ذاتي؛ بمعنى، كنتُ دومًا ما أشتري جريدة الأهرام وغيرها من الصحف القومية، وكنتُ دومًا ما أطالع كتابات كتابها، ليس هذا وحسب، بل كنتُ أحاول أن أعقد مقارنات بين هذه المقالات.

ووسط هذا الزخم من الكتابات كنتُ أطلق لخيالي العنان، فكانت تراودني أفكار كثيرة، أهمها: هل سأكون ذات يوم أحد كتاب هذه الصحف ولا سيما صحيفة الأهرام؟

نعم طالعتُ كتابات عمالقة هذه الصحف، خصوصًا مقالات الرأي التي تعالج مشاكلنا السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية، والتي تتناول سياستنا الخارجية.

فما كان لي إلا أن أزيد من قراءاتي، فزادت همتي خصوصًا بعدما التحقتُ بكلية الآداب قسم الفلسفة، وبدأ تكويني الفلسفي يزداد، ومداركي الفكرية تتسع، فقرأتُ كافة الاتجاهات دون اعتناقها، فقرأتُ العلمانية، فلم أجد ضالتي المنشودة التي سيتحقق من خلالها هدفي المنشود، ألا وهو أن أكون كاتبًا في الأهرام، لا مجرد محرر يمتهن مهنة يقتات منها؛ فليس هذا طموحي، وإنما كاتب يحلل وينظر ويناقش وينقد، لعله بفكره يقدم حلولًا لقضايا واقعنا المعاصر الذي نحياه.

ثم قرأتُ عن الشيوعية والماركسية والتيارات اليسارية، والتيارات الإسلامية، والفكر الليبرالي الذي استهوتني كتابات كتاب الأهرام عن الحرية، وعن مشروعاتهم الحضارية التي لم تكتمل، فكان عليَّ الوقوف على أسباب عدم اكتمالها.

هل لأن أصحابها جانبهم التوفيق في طرحها، أم أن ثمة عوائق أخرى حالت بينهم وبين نجاح مشروعاتهم؟

فحملتُ على عاتقي حملًا ثقيلًا محاولًا الكشف عن مواطن الخلل التي أدت إلى عدم نجاح هذه المشاريع، فطرحتُ سؤالًا على نفسي: لِمَ لا تقدم على مناقشة آراء هؤلاء العظماء وتقدم طرحًا جديدًا في مقالاتك؟!

ومن هذا المنطلق تحركتُ في ثلاثة اتجاهات، أعتقد أنها مهمة من وجهة نظري:

الاتجاه الأول: معاودة قراءة ما قدمه أئمتنا أنصار الفكر الحر المستنير، لعلني أجد ثغرات به أجعلها منطلقًا لفكر جديد يحمل ما يحمله من الأصالة والمعاصرة.

الاتجاه الثاني: طرق الأبواب المغلقة، خصوصًا أن هذه الأبواب يقف خلفها عمالقة مسيطرون على الساحة الفكرية، مؤتمرات، ندوات، كتابات في الصحف والمجلات، لقاءات إذاعية وتليفزيونية، فما عساه الفتى فاعلًا أمام هؤلاء العمالقة، وهل سيسمحون له أن يقتحم عليهم معابدهم؟

لكن لا ضرر ولا ضِرار من المحاولة، فراح يطرق الأبواب، تارة المواقع الإعلامية، وتارة الصحف القومية، وتارة أخرى الصحف الحزبية، فلم يلقَ قبولًا، ليس هذا وحسب بل تجرأ الفتى وتواصل مع بعض رؤساء التحرير، فلم يردوا عليه، ولم يعيروه أدنى انتباه لا من قريب ولا من بعيد.

أما الاتجاه الثالث، فهو كما يطلق عليه الاتجاه المعاكس، بمعنى محاولة طرق أبواب أئمة الصحافة المصرية الذين خرجوا إلى سن التقاعد، ظننتهم أن لا يردوني، وبالفعل تواصلتُ مع أساتذة كبار في الأهرام وعرضتُ عليهم كتاباتي، فقام أحدهم -رحمه الله تعالى- بتوجيهي إلى عدة نقاط مهمة استفدتُ منها في كتابة مقالاتي.

وبدأتُ أعيد صياغة كتاباتي القديمة محرِرًا إياها من أسلوب السرد الإنشائي إلى طرح أفكار حيوية تفيد قضايانا المعيشة.

وبعدها وفي عام ٢٠٢٢، كانت المفاجأة، راسلتُ رئيس تحرير الأهرام الأستاذ علاء ثابت وقتها، وأرسلتُ له مقالًا، ولم يرد عليَّ في حينها، وبعد فترة زمنية وجيزة كتبتُ له مرة أخرى فرد عليَّ قائلًا: مقالك سينشر في عدد الغد، وأعطاني رقم مسئول صفحات الرأي، وظللتُ أكتب في صفحات الرأي إلى نهاية عام ٢٠٢٣م.

ثم انتقلتُ إلى الكتابة على صفحات بوابة الأهرام العريقة، بعدما راسلتُ رئيس تحريرها وقتئذ الأستاذ ماجد منير الذي رحب بي، ثم بعد ذلك تواصلتُ مع رئيس تحريرها الحالي الأستاذ محمد إبراهيم الدسوقي فأعطاني رقم المسئول عن باب الرأي.

ومن وقتها ولم أنقطع أسبوعًا عن الكتابة على جدار بوابة الأهرام، بل حققت مقالاتي بتوفيق من الله، ومن خلال تطرقي إلى موضوعات مهمة تمس واقعنا السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي، وأيضًا تمس قضايانا الإقليمية، خصوصًا القضية الفلسطينية، وتداعيات حرب طوفان الأقصى على مصر وعلى المنطقة العربية جميعًا.

إن جريدة الأهرام العريقة وبوابتها يتمتعان بجملة من الكتاب، إن جاز لي أن أطلق عليهم، عمالقة الفكر، نعم جميعهم أصحاب فكر حر مستنير يناقش موضوعات غاية في الأهمية، ليس مجرد سرد أفكار، وإنما مناقشة أفكار، فبون شاسع بين المصطلحين، فمناقشة الأفكار بمعنى تحليلها ومقارنتها ونقدها.

من أجل هدف سامٍ ونبيل، ألا وهو إفادة القارئ الكريم وإحاطته علمًا بقضايانا دونما توجيه له، فدومًا هذا يحسب لكتاب الأهرام وبوابته، دومًا ما يختتمون مقالاتهم بطرح إشكالية، تجعل ذهن القارئ متقدًا وواعيًا، وتجعله دومًا في شغف منتظرًا لمقالات جديدة.

إن السمة الغالبة على كتاب الأهرام أن فكرهم ديناميكي حركي مستمر، يطرحون قضية ويجتهدون قدر طاقاتهم في وضع حلول لها مشاركين القارئ الكريم في وضع هذه الحلول.

وهذا ما يجعل جريدة الأهرام وبوابتها منفردين عن دونهما من الصحف القومية والصحف الحزبية، بل وما يجعل من الأهرام نافذة تطل على العالم كله بفكر خصب معينه لا ينضب أبدًا.

* أستاذ الفلسفة بآداب حلوان

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة