إنه الأهرام الذي صنع الحلم وربى الكلمة. لم يكن صحيفةً عاديةً، بل صرحًا يكاد ينطق لمن يمر بجواره، يبوح بالتاريخ ويهمس بالحلم.
منذ ميلادها قبل مئةٍ وخمسين عامًا، كانت شاهدةً على مصر بكل ما فيها: أفراحها وأحزانها، تحدياتها وتحولاتها الكبرى. في كل صفحةٍ، وفي كل خبرٍ وقضيةٍ كان هناك نبض وطنٍ، وروح إنسانٍ يبحث عن الحقيقة.
كنا صغارًا، ونحن تلاميذ في المرحلة الإعدادية، أتسابق مع أخي لشراء عدد الجمعة من الأهرام، ذاك العدد المميز بحبره الأنيق، فقط لأقرأ صفحات الأستاذ عبدالوهاب مطاوع الذي كان صوته قادرًا على الغوص في أعماق البشر، كشف مشاعرهم وأوجاعهم بحبٍ وصدقٍ.
كنت أقرأ كلماته وكأنني أحلق بين قصص الحياة، أتعلم من كل تجربةٍ، وأدرك مبكرًا مسئولية الكلمة، وقدرة الصحافة على ملامسة القلوب قبل العقول.
وفي يوم السبت، كنت أهرع بشغفٍ طفوليٍ لقراءة مجلة نصف الدنيا. أفتح صفحاتها وكأنني أفتح أبوابًا لعوالم جديدةٍ، لعالمٍ كنت أحلم أن أكون جزءًا من تشكيله. أستنشق روح الكلمة، وأتخيل نفسي يومًا واحدةً من كتابها، أحمل قلمي لأخط خبرًا أو حكايةً. كأن كل صفحةٍ كانت تهمس لي: ابدئي الحلم، ولو بدا صغيرًا، فبدايته هي الخطوة الأولى نحو السماء.
كنت أقرأ مقالات الأستاذة سناء البيسي، ذلك القلم الذي يلامس السحاب قبل أن يلامس الورق. كانت كلماتها تحمل دفء الفكر وحرارة المشاعر، تعانق القارئ قبل أن تصل إلى عينيه. زرعت فينا حب المهنة والإتقان، وعلمتنَّا أن الصحافة ليست مجرد نقل أخبارٍ، بل فن وصوت وروح، وأن لكل كلمةٍ قدرةً على تغيير موقفٍ، أو إلهام قلبٍ، أو فتح نافذةٍ على العالم. الأستاذة سناء لم تكن معلمةً فقط، بل كانت نفسًا للروح الصحفية، وملهمةً لكل من يحلق بين الصفحات والكلمات، تغرس فيه شغف البحث عن الحقيقة، والإخلاص للكلمة قبل أي شيءٍ.
أما صالة التحرير في الدور الرابع بالمبنى القديم، فكانت عالمًا مميزًا، مهيبًا بهدوئه. تسير في ممراته على أطراف أصابعك كي لا تصنع قدماك ضجيجًا. هناك، كانت القامات الصحفية العظيمة تجتمع حول طاولتها في اجتماع الصباح: الأساتذة محمد زايد، عبدالعظيم درويش، محمد باشا، مرسي عطالله، سامي خشبة، أفكار الخرادلي، إحسان بكر، سلامة أحمد سلامة، لبيب السِّباعي، أسامة سرايا، حازم عبدالرحمن، صلاح الدين حافظ، أحمد بهجت، عبدالناصر سلامة، محمد إبراهيم الدسوقي، ماجد منير، محمود النوبي، سامح عبدالله، محمد حبيب، عصام المليجي، عبدالعظيم الباسل، بهيرة مختار، آمال بكير، سامي متولي، عبدالمحسن سلامة، يوسف فرنسيس، عمرو عبد السميع، وصلاح جاهين، وفاروق جويدة، ومحمد سلماوى، وعبدالمنعم سعيد.
أما الدور السادس، فكان شاهدًا على عبقرية كُتَّاب مِدَادُ القلم توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، ويوسف السِّباعي، وزكي نجيب محمود، وفتحي سلامة، وغيرهم من الكنوز الأهرامية، ولا يتسع المقال لذكر رموزها السابقة والحالية.
عبقرية العقول والمكان.. يسكنها الدأب والحلم، والتركيز والجدية، وكأن كل ما يكتب يحمل وزن التاريخ، وأقلامهم تنقل نبض المجتمع وروحه.
كان الصمت هناك موسيقى متقنةً، تعزف على أوتار الخبر والفكر والإبداع، أتذكر خطواتي الصغيرة حين كنت طالبةً، أستقل مترو مصر الجديدة، أترجل في محطة رمسيس، وأمر بمحاذاة جريدة العمال بشارع الجلاء، ثم أرفع عيني إلى بوابة الأهرام كأنني أبحث عن الشمس خلف غيوم حلمٍ بعيدٍ. كنت أسمع صمتها يناديني: تعالي، الحلم هنا، لكنه يحتاج إلى صبرك وإيمانك.
الأهرام لم تكن يومًا مجرد حبرٍ وورقٍ. كانت مدرسةً للصحافة، وفصلاً للحياة، ومكتبةً للروح. تعلمنَّا منها أننا يجب أن نشعر بكل ما نكتبه وأن السرعة لا تعني التسرع، وأن الإتقان هو أول احترامٍ للقارئ. ومن خلال عظمائها أدركت أن كل من يدخل هذا الصرح، مهما بدا صغيرًا، يحمل في قلبه وعدًا بأن الحلم ممكن بالعمل والإخلاص.
الأستاذ أحمد حرك، رحمه الله، لم يكن فقط رئيس تحرير جريدة العمال التي تربيت فيها صحفيًا، بل كان أبًا ومعلمًا، زرع داخلي حب الكلمة، والإيمان بأن الصحافة رسالة لا وظيفة. ثم جاء الأستاذ إبراهيم نافع، رحمه الله، بابتسامته التي كانت وعدًا صامتًا عندما زارنا في اتحاد العمال: ستكونين في الأهرام يومًا ما.
وهكذا بدأ الحلم يتحول شيئًا فشيئًا إلى واقعٍ، خطوةً بعد خطوةٍ، وخبرًا بعد خبرٍ، وصفحةً بعد صفحةٍ. دخلت الأهرام، وتحديدًا مجلة نصف الدنيا، وشعرت بأنني أطير بين الحروف والكلمات، بين الأخبار والقصص والحكايات، وبين شخصياتٍ صنعت وزراء وعلماء وفنانين وأطباء تركوا بصمتهم في الروح قبل الورق.
هناك تعلمنَّا أن الصحافة ليست مهنةً.. إنما هي ممارسة هوايةٍ، هي روح تعانق القارئ، وعمل صامت يترك أثرًا في الحياة. والأستاذة سناء البيسي علمتنَّا أن نحب ما نفعل، وأن نخلص للكلمة قبل أي شيءٍ. كانت تطلق علي في بداياتي لقب اليمامة، مازحةً بإشارات يديها، كما كان يفعل الفنان عادل إمام في مسلسل إبراهيم الطاير.
الأهرام علمتنَّا أن نحلم ونؤمن بحلمنا مهما كانت العقبات، ومهما علت الأمواج، ومهما بدا الطريق صعبًا. فالحلم لا يتحقق إلا بالإيمان والعمل المستمرين، وبكل خطوةٍ صغيرةٍ تقربنا من العبور..
على مدار مئةٍ وخمسين عامًا، نرى الأهرام لا كجريدةٍ فقط، بل كرحلة عبورٍ بين الحقيقة والشغف والواقع، بين الإنسان وما يمكن أن يصبحه إذا آمن وعمل بصدقٍ. صفحاتها وممراتها وذكرياتها تهمس دائمًا: هنا تعلمت الأجيال وتشكلت وجدانها.. بأن الحلم ممكن.
الأهرام لم تكن مؤسسةً صحفيةً فحسب، بل وطن صغير، يعلمنا أن الكلمة الصادقة تصنع التاريخ، وأن الإيمان بالحلم والعمل من أعظم مكاسبنا الإنسانية.. شكرًا بيتي الأول "مكرر".