لحبايب القاهرة فسحة من الهدوء على ضفاف النيل| صور

7-1-2026 | 13:35
لحبايب القاهرة فسحة من الهدوء على ضفاف النيل| صورفسحة من الهدوء على ضفاف النيل
رقية أيمن سعد

نبدأ دائمًا بالتنويه إلى أن إخفاء الهوية خيار متاح، وإلا لما قبل كثير من الأزواج غير المتزوجين إجراء مقابلات. نطلب من أول ثنائي نلتقيه اختيار اسمين مستعارين. ماريا تبلغ 23 عامًا، وهي طالبة في الطب البيطري. صديقها مارتن سائح بولندي في الخامسة والعشرين من عمره. علاقة عاطفية قد تكون عابرة، لكنها لا تخلو من السحر، خاصة وأن هذا الثنائي اختار نهر النيل الذي يوفر إطارًا رومانسيًا استثنائيًا للقاء، كما هو الحال هذه الليلة.

موضوعات مقترحة

ومع ذلك، فإن البيئة المحيطة بالنهر تبدو متقلبة بقدر تقلب لقائهما. نحن على يمين كوبري قصر النيل المؤدي إلى محيط المتحف المصري بوسط القاهرة. مرّ على غروب الشمس ساعة، لكن المدينة لا تزال في طور الاستيقاظ. الكوبري تعبره حركة متواصلة من السيارات التي تصبّ في الكورنيش، أما المارة فيحاولون التغلب على ضجيج المحركات وأبواق السيارات. وهذا مشهد مألوف في القاهرة طوال اليوم. لكن ما يبرز ليلًا هو الضوء؛ ضوء يحلّ محل الشمس وينبعث من كل الجهات: مصابيح السيارات، لوحات الإعلانات، —ولفترة محدودة— الزينات المعلّقة على المراكب احتفالًا بالكريسماس ورأس السنة. كما يزداد عدد المارة بعد الغروب فيبعثون الحياة في المكان. ماريا ومارتن من بينهم. كانا في طريقهما إلى محطة المترو حين قرّرا التوقف أمام النيل. هذه أول مرة يختارانه كمكان للقاء. في الواقع، لم يكن اختيار النيل عفويًا تمامًا.

تقول ماريا: «الجلوس على النيل بيخلّيني حاسة بارتباط قوي بجذوري المصرية… عشان إحنا مشهورين بده». فقد نشأت وهي تعبر النهر في مدينة بنها مسقط رأسها. وإلى جانب الشعور بالانتماء، يمنحها النيل إحساسًا بالطمأنينة: «بينسّيني أي حاجة مضايقاني أو عاملالي توتر».

أما مارتن، فيعتاد الذهاب إلى نهر موتوافا في مدينته غدانسك ببولندا. «ده أحسن مكان الواحد يريّح فيه أعصابه»، يقول، «لو سافرت في أي حتة وشُفت نهر، خلاص كده… تمام». وهكذا، في مساريهما الشخصيين، للنيل جاذبية خاصة. فهل يجذبهما أيضًا كعاشقين؟ «ممكن… بس لازم نراجع شوية حاجات الأول»، تقول ماريا بحذر.

العقبة اقتصادية: المال الذي يُطلب منهم من كل حدب وصوب. فهناك المتسولون، وسائقو التاكسي، وعربات الحنطور («عايز تركب؟ عايز تطلع؟» تقلد ماريا). حتى شراب الحمص الساخن الذي شرباه طواعية كان أغلى مما ينبغي. فالكوبري يضم خدمات كثيرة: مواصلات، أكشاك قهوة عند طرفيه، بل ومصورين محترفين. لكن ذلك قد يجعل النزهة مرهقة. ومع ذلك، يُظهران بعض التفهم.

يقول مارتن: «دي شغلانة وبيزنس… طبيعي يبقى في أماكن الناس تكسب منها». لكنه يقترح إنشاء مساحة خالية من الإزعاج للسياح، لأن «الحاجات دي بتبعدنا عن المهم بقى» — أي النيل. فهذا النهر يملك طاقة رومانسية كبيرة. «صوت الهوا بيغطي على دوشة المدينة، فتحس إنك بعدت عنها رغم إنك في قلب القاهرة»، يقول مارتن.

فعليًا، للنيل في حد ذاته سكينة تتغلب على الضجيج المحيط. وهذا ما يؤكده في اليوم التالي زوجان مصريان نلتقيهما على الجانب الآخر من كوبري قصر النيل. الوقت بعد الظهر، لكنه بدأ يظلم. نحن تحت كوبري 15 مايو بين فندق ماريوت وقصر عائشة فهمي في الزمالك. للوهلة الأولى، لا يبدو المكان هادئًا: ازدحام خانق، أصوات محركات، أبواق، وحتى موسيقى. لكن منظر النيل يقدم نقيضًا لذلك: مياه واسعة هادئة — طالما سماها المصريون «البحر» — تتلألأ تحت ضوء الشتاء، مع رياح منعشة لا تُسكت تمامًا صوت المدينة. كثيرون يقفون هنا للاستمتاع بهذا المشهد السحري، وحدهم أو برفقة غيرهم. من بينهم شابان يتكئان على السور يتأملان النيل بصمته الحميم. الفتاة فرح، 21 عامًا، تدرس الاقتصاد. صديقها معتز، 25 عامًا، يدرس علوم الحاسوب. كلاهما في جامعة خاصة بالقاهرة الجديدة. بعيدًا عن صخب المدينة، يأتون كثيرًا إلى النيل لأسباب تأملية.

تقول فرح: «بنقعد نفكّر ونسرح مع بعض ونحكي لبعض اللي جوانا». ويأتون أيضًا لحل أي خلافات. ويضيف معتز: «وبصراحة الميه حلوة». يفضلان النيل لأنه أكثر هدوءًا. هل يضايقهما التلوث السمعي؟ يقول معتز: «مافيش دوشة». فتضحك فرح: «كل ده ومفيش دوشة؟!» فيصر: «لا عادي يعني».

يرى الاثنان أن موقعهما مثالي لمشاهدة النيل، بل يتفوق على ممشى «الكورنيش» أمامهما الممتد حتى كوبري قصر النيل، ومدخله قرب ماريوت. لكن معتز يرى أن سعر التذكرة مرتفع، وبالنسبة له لا يستحق. المكان الذي اختاره مثالي ومشمس، يطل مباشرة على النيل وبعيد عن ضجيج الشارع. ووفقًا لعالم الاجتماع كيّاتي عاشور، فإن سهولة الوصول إلى النيل تحوله إلى «ملاذ ديمقراطي».

غير بعيد، يتفق زوجان آخران— دينا وأحمد— مع هذا الرأي. تحب دينا وأحمد النيل لأن هدوءه ينقلهم إلى عالم آخر.

يقول أحمد: «إحنا ما بنحبش يبقى في ناس حوالينا… نفضّل نسمع صوت العربيات على صوت الناس». ويرى عاشور أن هذا الضجيج بالذات يخلق «حميمية داخل الحشد» لأنه يضمن anonymity العشاق.
في منتصف كوبري قصر النيل، تمازح امرأة بنظارة صبيًا قائلة: «بيسو، بيسو، بيسو!» وهي تطارده. اسمها دورصاف…

وقد شاهدوا في الطريق أزواجًا يتناولون الغداء قرب النيل «وكان معاهم ورد»، كما تقول دورصاف. ويضيف علي: «كانوا بياكلوا أكل بسيط ومبسوطين قوي». فتعلّق دورصاف: «نزهة رومانسية».

ويقول علي عن النيل: «دي الطبيعة… هي أساس الإنسان».

أما موسى وهند فيفضّلان الهدوء.

يقول موسى: «إحنا بنحب الهدوء».

تضحك هند: «مع العيال؟ أكيد لأ… من غيرهم يمكن».

ويختم موسى: «إحنا متجوزين بقالنا عشرين سنة وبقالنا عشرين سنة بننزل مصر… عمرنا ما سيبنا البلد دي. غير النيل، مصر كلها مكان مميز قوي بالنسبة لنا».

نقلا عن الأهرام إبدو


فسحة من الهدوء على ضفاف النيلفسحة من الهدوء على ضفاف النيل

فسحة من الهدوء على ضفاف النيلفسحة من الهدوء على ضفاف النيل
كلمات البحث
اقرأ أيضًا: