نهر النيل.. شريان الحياة ومصدر رزق لآلاف البشر| صور

7-1-2026 | 12:51
نهر النيل شريان الحياة ومصدر رزق لآلاف البشر| صورشريان الحياة ومصدر رزق لآلاف البشر
دينا بكر

النيل هو النهر الخالد، وقلب مصر القديمة النابض. تلك الحضارة التي تُعد من أعرق حضارات العالم، وما زالت حتى اليوم تأسر خيال الزائرين. وفي مدينة الأقصر تحديدًا، تعجز القواميس عن إيجاد كلمات تكفي لوصف هذا النهر المقدس؛ هبة السماء التي تخطف الأبصار بسحرها الآسر وجمال الطبيعة المحيطة بها. وفي أماكن أخرى، يتجلى النيل كمزيج فريد من القوة الطبيعية والروحانية والدهشة، لكل من يعيش على ضفافه أو يلامس مياهه.

موضوعات مقترحة

هذا الشغف كان الدافع وراء اختيار معتز السيد، ابن محافظة سوهاج، العمل كمرشد سياحي، لا سيما في رحلات النيل النهرية. وبعد ما يقرب من ثلاثين عامًا من الخبرة، يجد في مرافقة السائحين متعة شخصية كبيرة، وفخرًا مضاعفًا حين يروي لهم حكايات مصر القديمة.

يقول معتز: «شهد العالم حضارات كثيرة، لكن حضارة النيل تظل بلا مثيل. قرى، ومعابد، وحقول، وأراضٍ زراعية، وجبال، كلها تشكل لوحات طبيعية بتناقضات مبهرة. خلال الرحلات النهرية يعيش السائح تجربة ثرية بين ضفاف هادئة ومشاهد خلابة. بعض السائحين الذين قاموا بالرحلة نفسها قبل عشرين عامًا، يعودون اليوم بصحبة أبنائهم وأحفادهم ليشاهدوا الجمال ذاته من جديد».

ومن منطلق إيمانه بأن النيل قطعة من الجنة، لا يتوقف معتز عن الدعوة إلى الحفاظ عليه نظيفًا وواسعًا، بوصفه إرثًا لا يُقدّر بثمن.


معتز السيد، مرشد سياحي

شرايين النهر وأوردته

الحفاظ على النيل مهمة تتطلب فهمًا عميقًا، وتُبرز الأهمية الاستراتيجية لحوضه، وهنا يتجلى الدور الحيوي لمهندس الري. فمهمته تتمثل في تنظيم توزيع مياه النيل، الممتد لنحو 6995 كيلومترًا، عبر عشر دول، من إثيوبيا ومنطقة البحيرات العظمى في شرق إفريقيا، وصولًا إلى مصر، مرورًا بروافده المختلفة.

يوضح الدكتور يسري خفاجي، نائب رئيس الهيئة المصرية العامة لمشروعات الصرف، والرئيس السابق للبعثة المصرية للري في أوغندا، أن «الدور الأساسي لمهندس الري هو إدارة النيل وحمايته، باعتباره المصدر الرئيسي للمياه في مصر، حيث يوفر أكثر من 97% من احتياجاتها المائية. كما يغذي شبكة ري ضخمة يبلغ طولها نحو 33 ألف كيلومتر، تخدم الزراعة واستخدامات متعددة في قطاعات الدولة».

ويشبه خفاجي مهمته بدور القاضي الذي يحرص على عدالة التوزيع، قائلًا: «النيل يشبه الجسد البشري؛ له قنوات ومصارف كما للإنسان أوردة وشرايين. وأي عائق في تدفق المياه قد يعطل خدمات حيوية، مثل مياه الشرب، أو الري الزراعي، أو إنتاج الكهرباء، أو النشاط الصناعي».

وخلال رئاسته للبعثة المصرية للري في أوغندا بين أواخر 2012 ويناير 2015، تولى مسؤولية إدارة سد أوين وتعزيز التعاون الثنائي، عبر دعم دول الحوض في إدارة الموارد المائية، وإزالة الحشائش المائية من البحيرات، وضمان سلاسة انتقال مياه النيل الأبيض إلى السودان ثم إلى بحيرة ناصر في أسوان. ويستغرق وصول مياه النيل من أوغندا إلى مصر نحو 90 يومًا، وفق جدول زمني دقيق وكميات محسوبة بعناية.

ويرى خفاجي أن مهنة مهندس الري تكاد تكون رسالة مقدسة، لأنها تقوم على تسخير العلم في خدمة التعاون بين دول النيل. ويضيف: «لو لم أكن مهندس ري، لاخترت العمل في توعية المجتمع المدني بأهمية النيل، ومواجهة أي اعتداء عليه، سواء بالتلوث أو المخلفات الصناعية، مع طرح أفكار مبتكرة لترشيد استخدام المياه وتنمية الموارد النهرية».
ومنذ بداية مسيرته المهنية، اتخذ موقفًا حازمًا ضد أي بناء على ضفاف النهر، حتى وإن بدا تأثيره محدودًا، إيمانًا منه بحساسية هذا النظام البيئي. فحماية النيل، في نظره، مسؤولية سياسية ومجتمعية وسلوكية في آن واحد.

النيل… مساحة عمل يومية

في هذا الإطار تأتي قوانين الملاحة النهرية، التي تمس مباشرة المهن الميدانية، مثل سائقي التاكسي النهري وأنشطة الترفيه المائي. فبعد أن يُخطط النيل ويُقاس ويُدار من قبل المهندسين، يصبح مساحة عمل حية لمن يعتمدون عليه يوميًا. ويُعد القانون رقم 10 لسنة 1956 نموذجًا واضحًا، إذ يحدد قواعد السلامة، وسلوكيات الملاحة، والعقوبات، وضرورة الحصول على تراخيص مهنية.

وعلى مقربة من سطح الماء، يتحول النيل إلى بيئة عمل حقيقية لمحمد شحاتة (34 عامًا)، سائق تاكسي نيلي منذ ثماني سنوات. ورغم اختلاف مهنته عن مهندس الري، إلا أن الإحساس بالمسؤولية تجاه النهر واحد. فقد نشأ محمد على ضفافه، حيث تمتلك أسرته مرسى في المعادي. ويقول: «تعلمت منذ الصغر احترام قواعد الملاحة، من خلال متابعة الكبار، ومعرفة كيفية صيانة المركب، وتجنب الحوادث، واستشراف المخاطر».


د. يسري خفاجي، مهندس ري

وقبل بدء عمله، يستلم مركبه من ممشى أهل مصر بوسط القاهرة، ويفحص الكابلات والزيت ومستوى الوقود. ويضيف: «لا أحب القوارب الصاخبة أو الموسيقى المرتفعة، لأنها تمنع سماع صوت المحرك واكتشاف الأعطال». بل إنه أخبر أسرته بأنه لا يرد على الهاتف أثناء الإبحار.
ويؤكد: «من حقي إلغاء الرحلة إذا شعرت بخطر على سلامتي أو سلامة الركاب. الضباب المائي أخطر ما نواجهه، لأنه يظهر فجأة. وفي إحدى المرات ساعدت زميلًا بإضاءة المرسى ليدرك موقعه، وفي مثل هذه الحالات يجب خفض السرعة فورًا».

وبعد انتهاء عمله، يتأكد من ربط المركب جيدًا وإطفاء الإضاءة، وأحيانًا يعود لتغطيته عند اشتداد الرياح أو الأمطار. فالحفاظ على المركب، بالنسبة له، هو حفاظ على مصدر رزقه.

مجتمع النهر

كل من يعمل على النيل يشترك في منظومة قيم واحدة: المسؤولية، السلامة، والتكافل. سواء كانوا ينقلون ركابًا، أو ينظمون المياه، أو يحيون ضفاف النهر، فهم ينتمون إلى مجتمع واحد.

ضمن هذا السياق يعمل عبد الله سعد (44 عامًا)، مؤسس أول أكاديمية كاياك ترفيهية. فمنذ تسع سنوات، يقيم مرساه في الزمالك، موضحًا أن «قوارب التجديف تسير في الجهة اليسرى، والمراكب الآلية في اليمنى، بينما تتحرك المراكب الكبيرة في منتصف النهر».
ويؤكد أن هناك ما يشبه “العائلة النيلية”، القائمة على المساندة المتبادلة. وعبد الله، وهو سبّاح سابق وحاصل على بطولات محلية، تعلم قيادة الكاياك قبل نحو عشر سنوات، ثم أصبح مدربًا.

ويضيف: «الإقبال على الرحلات النيلية مستمر صيفًا وشتاءً. وفي الشتاء، يؤدي تقليل تصريف السد العالي إلى هدوء التيار. ومن قواعد الأكاديمية الصارمة المعمول بها.  إيقاف أي نشاط قبل غروب الشمس». فسلامة المشاركين تظل الأولوية القصوى.

ثمة حقيقة واحدة لا خلاف عليها: كل من يعمل على النيل يكن له احترامًا عميقًا وصامتًا. فالمسؤولية تنتقل كتيار الماء، من المرشد إلى السائق، ومن المهندس إلى المدرب. وكلٌ بطريقته يحرس هذا الشريان الحيوي. وهكذا يظل النيل ليس فقط فضاءً للعمل أو الترفيه، بل مساحة للذاكرة، والتوازن، والحياة.

نقلا عن الأهرام إبدو


شريان الحياة ومصدر رزق لآلاف البشر

 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة