رئيس المخابرات العامة المصرية يستقبل رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة | مباحثات مصرية يونانية قبرصية غدًا بوزارة الخارجية | «شعث» يثمن مواقف الرئيس السيسي خاصة وقف التهجير والحفاظ على القضية الفلسطينية | تشكيل الفراعنة المتوقع أمام نيجيريا اليوم لتحديد المركز الثالث بكأس الأمم الإفريقية | الخارجية الأمريكية: تلقينا تقارير تفيد بأن إيران تعمل على إعداد خيارات لاستهداف قواعد أمريكية بالمنطقة | النائب أحمد حافظ: رسالة ترامب للرئيس السيسي تعكس تقديرًا دوليًا لدور مصر وعدالة موقفها في ملف النيل | عشائر محافظة دير الزور: مستعدون للتعاون مع الدولة السورية وتقديم كل أشكال الدعم لإخراج قسد من المنطقة | القضية الفلسطينية حاضرة على طاولة مباحثات وزيري خارجية مصر والبوسنة والهرسك | تشكيل منتخب نيجيريا المتوقع أمام مصر لتحديد المركز الثالث والرابع بكأس أمم إفريقيا | الجبلي: تأهيل الشباب.. الطريق لبناء صناعة قوية ومستدامة |

مقياس النيل.. أداة لقياس الاقتصاد

6-1-2026 | 15:46
مقياس النيل أداة لقياس الاقتصادمقياس النيل
دعاء إلهامي

بالرغم من أن مقياس النيل بجزيرة الروضة، الذي يرجع تاريخه إلى العصر العباسي، هو الأشهر لدى غالبية المصريين، فإنه في الحقيقة ليس الأول الذي شُيِّد على مجرى النهر. حيث يعود تاريخ بناء مقاييس النيل لأبعد من هذا العهد بكثير، إلى مصر القديمة، حيث قامت الحضارة على نهرالنيل في تقلبات وانحسار منسوبه.

موضوعات مقترحة

فقد سُجِّلت على لوحة البازلت المعنونة بـ « حوليات الدولة القديمة الملكية» من الأسرة الخامسة، قياسات تغيّرات منسوب النيل وانحساره منذ عهد الملك دجر من الأسرة الأولى (2974–2927 ق.م) وحتى نهاية الأسرة الخامسة نحو عام 2323 ق.م. حيث يوضح لطفي عبد الحميد غازي، نائب مدير المتحف المصري  للشؤون الأثرية: « يبلغ الارتفاع الأصلي لهذه اللوحة أكثر من 70 سم، وعرضها نحو 2.1 متر.

وقد عُثر على أجزائها على فترات في مدينة منف، وهي البدرشين الحالية في محيط محافظة الجيزة. ويُعرض الجزع الأكبر من  هذه اللوحة في المتحف الأثري الإقليمي بمدينة باليرمو الإيطالية، لذا تعرف في الأوساط الأثرية بـ«حجر باليرمو».

في حين تعرض باقي أجزائها في كل من المتحف البريطاني والمتحف المصري بالقاهرة ،» مضيف أن هذه اللوحة تُظهر أن المصريين القدماء كانوا يقيسون حركة النيل منذ العصر العتيق، وأن مقياس النيل بمدينة منف يبدو أقدم من غيره من المقاييس التي أُقيمت لاحقًا.

هذا ما تؤكده شهادات المؤرخ والفيلسوف اليوناني سترابون، التي نقلها المؤرخ أنطوان زكري في كتابه «النيل في زمن الفراعنة والعرب» الصادرعام 1926، « يوجد في مدينة بيلاق (إلفنتين الحالية) مقياس للنيل يشبه مقياس مدينة منف». ويضيف أن متحف لايدن بهولندا يحتفظ بلوحة حجرية ترجع إلى الأسرة الثانية عشرة، نُقشت عليها أسماء مفتشين مكلفين بمراقبة ارتفاع وانخفاض منسوب النيل باستخدام مقاييس النيل. 

كما يشيرعالم المصريات مجدي شاكر، إلى أن « الملك أمنمحات الثالث (1843–1797 ق.م) أقام مقياسًا للنيل في جنوب مصر بالقرب من قلعتَي سمنة وقمنة، اللتين شيدهما والده في بلاد النوبة، لمعرفة كمية مياه الفيضان سنويًا».

وقد أُقيمت هذه المقاييس داخل معابد مخصصة للإلهين خنوم وساتت، إذ كان الكهنة يعتبرون قراءات النيل أسرارًا مقدسة. وتعكس أنماطها المعمارية المتنوعة، براعة منشئيها. ويقول شاكر: «كان مقياس معبد خنوم مربع الشكل، بينما اتخذ مقياس ساتت، طرازًا معماريًا تقليديًا في صورة مبنى مزود بسلم ينحدر نحو النهر، مزود بعلامات قياس في الجدار».

ثلاث مراحل

مرّ بناء مقياس النيل بثلاث مراحل. فقد اقتصر أقدم أشكاله على عمود مُغمور جزئيًا في النهر تُسجَّل عليه مناسيب المياه على فترات منتظمة. ثم تطورت عمارة مقاييس النيل إلى منشآت تحتوي على سلالم تنحدر نحو النيل، تحيط بها جدران متدرجة. أما النوع الثالث، الأكثر تطورًا، فكان يتكوّن من قناة تربط ضفة النهر بآبار وخزانات وأحواض تقع على مسافة منه.

وقد لبّت جميع هذه الأنماط الأهداف الاقتصادية للدولة، إذ كانت مؤشرات منسوب النيل تُوجّه الحكام لتحديد المساحات الزراعية التي يجب زراعتها سنويًا وتقسيمها، وتحديد أنواع الخضروات والحبوب المناسبة لكل أرض، وتقدير المحاصيل، مما يترتب عليه الضرائب التي سيتم تحصيلها.

وهكذا « ترسم هذه المؤشرات ملامح النظام الاقتصادي للدولة بأكملها »، كما يعلّق عالم المصريات لطفي غازي. مما يفسر استمرار بناء مقاييس النيل خلال العصرين اليوناني- الروماني والبيزنطي، إذ تضم معظم معابد هذه العصور مقاييسا للنيل، مثل مقياس كوم أمبو.

كما أظهرت الاكتشافات عام 2015 التي تمت في طريق الكباش وجود مقياس نيل دائري من الحجر الرملي مزود بسلم حلزوني، يرجع على الأرجح إلى العصر القبطي. ويشير عبد الجواد حجاجي، مدير البعثة آنذاك، إلى أنه «عُثر عليه بالقرب من الكنيسة والمعصرة وعلى مستوى سطح الأرض، كما أن بنيته المعمارية متواضعة مقارنة بمقاييس النيل في مصر القديمة».

ويضيف: « كان تركيب مقاييس النيل خلال القرنين الخامس والسادس كان شائعًا إلى درجة أن رسامي البلدان المجاورة كانوا يمثلون مصر، بالنيل ومقياس النيل، كما هو الحال في اللوحة الفسيفساء المكتشفة في موقع أثري يعود إلى العصر الروماني، بين عمّان ودمشق».

وفي الوقت نفسه، أُقيمت مقاييس النيل خلال العصر البيزنطي في أهم ثلاثة مواقع عسكرية في مصر، وهي طيبة في صعيد مصر، والفيوم في مصر الوسطى، وحصن بابليون بالقرب من القاهرة. كما استمر بناء مقاييس النيل خلال العصر الإسلامي، ويشهد على ذلك، مقياس الروضة القائم حتى اليوم، والذي يُعد من روائع العمارة في العصر العباسي. 

وقد شيده المهندس أحمد بن محمد المُحاسِب عام 862م (248هـ) في عهد الخليفة العباسي المتوكل. بُني المقياس من حجر مُهذَّب بعناية، ويقع جنوب جزيرة الروضة. ويتخذ شكل بئر متصل بالنهر عبر ثلاثة أنفاق محفورة على ثلاثة مستويات تعمل وفق مبدأ الأواني المستطرقة. ويأتي البئر دائريًا في جزئه السفلي ومستطيلاً في جزئه العلوي.

وينتصب في وسطه عمود رخامي كبير يستند إلى قاعدة حجرية ويتوج بعارضة من خشب السنط. ويتيح سلم حجري الوصول إلى المستوى الثالث، بينما تزين الجدران الداخلية حنيات بارزة ذات عقود مدببة قليلًا، تحملها أعمدة صغيرة.

وقد انتهت وظيفة مقياس النيل نهائيًا بعد الانتهاء من بناء السد العالي في سبعينيات القرن العشرين. ومع ذلك، لا يزال نهر النيل يعلّم ويُلهم المصريين، بل العالم أجمع، بدوره التاريخي والثقافي والرمزي.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: