تتحرك ديناميكيات الشرق الأوسط بوتيرة سريعة، وخاصةً مع تهديد الولايات المتحدة وإسرائيل إيران بشن هجوم جديد عليها. وسيظل السؤال مفتوحًـا حول قدرة طهران على إدارة الصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة، ومواجهة التحديات الداخلية في ذات الوقت. وبينما تبدو طهران في عين العاصفة فإن عواصم عدة في المنطقة وخارجها تراقب "هل سينجو النظام أم لا؟".
وتراقب واشنطن وتل أبيب التطورات في إيران، في ظل توقع واسع بأن يرتكب النظام الإيراني خطأً قد يبرر رد فعل عسكري أمريكي إسرائيلي.
وذكرت صحيفة "معاريف" العبرية منذ يومين، أن "السؤال لم يعد ما إذا كان الخطأ سيحدث، بل متى. وهل سيكون على شكل إطلاق نار جماعي على المتظاهرين، أم تحريك منصات الصواريخ إلى حالة تأهب للهجوم؟".
وفي المقابل أجرت طهران مناورات عسكرية في رسالة سياسية وعسكرية موجّهة إلى إسرائيل والولايات المتحدة، خاصة مع الحديث عن عمليات نوعية ضد بنيتها العسكرية والنووية، وصولًا إلى إسقاط النظام في إيران.
ويرى الخبراء، أن إيران توظف المناورات كأداة لشدّ العصب الداخلي، وإظهار تماسك الدولة ومؤسساتها، لاسيما المؤسسة العسكرية باعتبارها الضامن الأخير للاستقرار، وتسعى في الوقت ذاته، إلى التأكيد على جاهزيتها، وقدرتها على امتصاص أي ضربة والرد عليها، بما يرفع كلفة اتخاذ قرار المواجهة لدى الخصوم.
ويأتي ذلك في الوقت الذي أفادت فيه تقارير إيرانية أمس الأول، بأن "الحرس الثوري" أجرى مناورات صاروخية دفاعية، في عدة مناطق بينها العاصمة طهران ومدينة شيراز، بالتوازي مع الاحتجاجات التي تشهدها البلاد، في ظل سماع أصوات انفجارات صادرة على ما يبدو عن أنظمة الدفاع الجوي، وتجارب صاروخية ليلية تجريها إيران.
وكانت تقارير إسرائيلية قد ذكرت أن بنيامين نتنياهو وافق على خطة الهجوم الجديدة على إيران، التي سيطلق عليها "الضربة الحديدية"، ليعقب ذلك تأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن بلاده تتابع الوضع في إيران، مؤكدًا أن طهران إذا واصلت قتل المتظاهرين، فسوف تتلقى "ضربةً قويةً".
ورصدت مواقع مراقبة جوية وصول طائرات نقل عسكرية أمريكية من طراز C-17 III إلى قواعد جوية بريطانية، في حركة، وصفت بأنها غير عادية وتذكر بالتحضيرات التي سبقت الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في يونيو الماضي.
ويؤكد الخبير في الشئون الأمنية، الدكتور عبدالرحمن مكاوي، أن الأوضاع الداخلية في إيران تسير نحو الانفجار، وهو ما قد يساعد في سقوط النظام دون تدخل واشنطن أو تل أبيب، وأشار إلى ما تمتلكه واشنطن وتل أبيب من معلومات عبر حضور استخباراتي، مما يجعلهما قادرين على شن هجوم كاسح هذه المرة، وقد يصلا حينئذ إلى رأس السلطة.
ومن ناحية أخرى تدل كافة المؤشرات على أن النظام في طهران، يحاول إدارة الأزمة الداخلية بالكثير من الحكمة حتى لا تتوفر الذريعة للتدخل الأمريكي. وذلك بالتزامن مع الوضع المتأزم إقليميًا في ظل ما حققته واشنطن وتل أبيب من قطع أذرع إيران في الشرق الأوسط، سواء في العراق أم لبنان أم اليمن، وبالتالي باتت المنطقة مقبلة على تطورات خطيرة في 2026.
وتوقفت الصحف الإيرانية أمام اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، وأكد الكاتب محمد صفري في صحيفة “سياست روز” الأصولية، "أنّ هذا السلوك يعكس طبيعة نظام لا يمكن الوثوق به أو التفاوض معه، وأن التجربة التاريخية تدلّ على أنّ الدول التي لم تمتلك عناصر القوة والردع انتهى بها المطاف إلى مصائر شبيهة بفنزويلا، ليبيا، سوريا والعراق".
وأكد صفري أنّ أطماع الولايات المتحدة في فنزويلا تعود بالأساس إلى ثروتها النفطية الهائلة، لكنه تساءل في الوقت نفسه عن سقوط مادورو بهذه السهولة؟ مرجعًا السبب إلى ضعف القوة الداخلية، وعدم بناء قوات مسلحة رادعة.
وختم الكاتب بأنّ إيران ليست فنزويلا ولا ليبيا ولا سوريا، لأن أهم عنصر ردع لديها يتمثّل في قوّاتها المسلّحة وقدراتها الصاروخية، التي تجعل أي عدوان أمريكي مكلفًـا ومدمرًا، مذكرًا بأنّ واشنطن أخطأت تاريخيًا في تقدير إيران وشعبها.
ويرى العديد من الخبراء أن إيران اليوم تقف في قلب العاصفة، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، في ظل تحديات كبيرة ومتشابكة، وأشار هؤلاء إلى أن المناورات العسكرية الإيرانية الأخيرة تجمع بين اعتبارات الردع الخارجي وإدارة التحديات الداخلية، لاسيما أنه لا يمكن قراءة أي حدث عسكري تقني بمعزل عن السياق الإقليمي المحيط به، وأن إيران مستعدة لمواجهة أي عدوان.
وتشير المصادر المطلعة بالمنطقة إلى أن الاستعدادات والتجهيزات العسكرية الإيرانية بدأت فعليًا بعد انتهاء حرب الـ 12 يومًا، وتندرج المناورات ضمن عقيدة عسكرية إيرانية قائمة على الردع غير المتكافئ، حيث لا تركّز طهران فقط على القوة التقليدية، بل تعتمد على مزيج من القدرات الصاروخية، وأنظمة الدفاع الجوي، وحرب المسيّرات.
وترى ذات المصادر أن الهدف من هذه المناورات لا يقتصر على الإعلان أو الاستعراض، بل يتجاوز ذلك إلى تعزيز الموقع التفاوضي لإيران، وإعادة رسم خطوط حمراء واضحة أمام أي تصعيد محتمل.
ويبقى أن محاولة حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إدارة الأزمة الداخلية بحكمة وحذر، وإجراء المناورات العسكرية الأخيرة هي خطوات استباقية تسعى طهران من خلالها إلى إدارة المخاطر وردع الخصوم، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، مع استخدام القوة العسكرية كأداة سياسية بقدر ما هي أداة قتالية من جهة.
ومن جهة أخرى، يحاول بزشكيان مواجهة تحديات كبرى تطال إيران داخليًا وخارجيًا، وفي الوقت نفسه الإعلان عن الاستعداد لأي مفاجآت مقبلة، سواء كانت ضربات إسرائيلية محدودة أو حربًا شاملة.
ومما لا شك فيه أن حكومة بزشكيان تواجه تحديات كبرى أبرزها محاولة فصل المحتجين الاقتصاديين عن مثيري الشغب، لاحتواء الوضع بسرعة، وإفشال مشروع الفوضى لقلب النظام الإيراني، والذي تدعمه علنًـا الولايات المتحدة وإسرائيل. ويبدو الأمر واضحًـا أن تلوّيح ترامب بالتدخل العسكري، كشف بوضوح دعم واشنطن للفوضى، ومحاولتها استغلال الاضطرابات الداخلية كبديل أقل كلفة عن المواجهة العسكرية المباشرة.
وفي الوقت نفسه سوف نرى ما إذا كان الرهان الأمريكي على الفوضى الداخلية لإضعاف إيران تكرارًا لأخطاء سابقة، وتجاهلًا لتماسك المجتمع الإيراني وحسّه الوطني أم لا.
والأهم هل سوف يتمكن بزشكيان من العبور بإيران من عين العاصفة إلى بر الأمان بأقل الأضرار أم لا.