تبدأ حماية النيل من السد العالي في أسوان. فهو يمثل خط الدفاع الأول عن أمن مصر المائي، ويشكل الركيزة الأساسية لإدارة النهر، حيث أن كامل حصة البلاد السنوية من المياه تمر عبر هذا السد.
موضوعات مقترحة
"قلنا هنبني، وادينا بنينا السد العالي"، لا تزال كلمات أغنية عبد الحليم حافظ هذه تتردد في أذهان المصريين. يتم الاحتفال بهذا المشروع الضخم، الذي يُطلق عليه غالبًا اسم ”الهرم الرابع“، في شهر يناير من كل عام. ففي 9 يناير 1960، تم وضع حجر الأساس للمشروع ليتم افتتاحه بعد 10 سنوات، في 15 يناير 1971. واليوم، بعد 55 عامًا من افتتاحه، هل لا يزال هذا المشروع، الذي يُعتبر أحد أكبر وأهم المشاريع الهيدروليكية والهندسية في القرن العشرين، يحظى بنفس الأهمية؟ ”بفضل السد العالي، تشهد مصر استقرارًا مائيًا منذ عام 1971.
يتيح السد تخزين فائض المياه أثناء الفيضانات الكبيرة، بينما تُستخدم مياه الخزان في حالات الجفاف“، يوضح الدكتور عباس شراقي، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة. في الواقع، عانت مصر منذ قديم الأزل من عدم انتظام تدفقات مياه نهر النيل، التي كانت تصل إلى 151 مليون متر مكعب في بعض السنوات، و 42 مليون متر مكعب فقط في سنوات أخرى.
يتميز نهر النيل بطبيعة خاصة. فهو يشهد سبع سنوات من الوفرة، وسبع سنوات من الجفاف، وست سنوات من التدفق المتوسط. ومن هنا جاءت فكرة إيجاد وسيلة لتخزين المياه. يوضح شراقي ان السد العالي "قد حما مصر من الكوارث المرتبطة بالجفاف والمجاعة خلال سنوات الدخل المنخفض بين عامي 1981 و1987. خلال هذه الفترة، تم سحب ما يقرب من 70 مليار متر مكعب من احتياطيات بحيرة ناصر. كما حما مصر من الفيضانات الكبيرة التي حدثت بين عامي 1998 و2002"،.
نهاية الفيضانات المدمرة
علاوة على ذلك، كانت فيضانات النيل التي تحدث خلال أشهر الصيف من يوليو إلى سبتمبر تدمر قرى بأكملها، خاصة في صعيد مصر، حيث كان تدفق النهر قويًا للغاية، لأن هذه المنطقة أعلى من الدلتا. ”في الماضي، كان من المستحيل العيش على جزر وضفاف النيل التي كانت تغمرها المياه خلال موسم الفيضانات.لم تكن لهذه المناطق أي قيمة، في حين أنها تضم اليوم الأحياء الأكثر فخامة“، يوضح شراقي. خلال الفيضانات، كان النيل يجلب أيضًا مخلوقات غريبة مثل الثعابين والتماسيح.
يروي وزير الثقافة السابق، حلمي النمنم ان " زوجة عميد الأدب العربي، سوزان طه حسين،روت في مذكراتها ، ما كان يتعرض له منزلهم في الزمالك كل صيف مع فيضان النيل، عندما كانت المياه تغمر المنازل والشوارع. تروي أنها رأت ثعبانًا ضخمًا ممددًا على درج المنزل. خوفًا على زوجها الكفيف، قررت مغادرة حي الزمالك نهائيًا مع عائلتها لبناء منزل في صحراء الأهرامات"،
رافعة رئيسية للتنمية الزراعية
منذ إنشائه، سمح السد العالي بتحقيق تطورات هائلة في القطاع الزراعي بفضل استقرار تدفق النهر على مدار العام. وهكذا تم استصلاح 4 ملايين فدان منذ افتتاحه، في حين كانت الزراعة تقتصر على 6 ملايين فدان في الدلتا ووادي النيل. ولكن لم تزد مساحة الأراضي الزراعية فحسب، بل تحسن أيضًا عائد الأراضي. "، يوضح شراقي انه "في الماضي، كان الفلاح يزرع الأرض مرة واحدة فقط في الشتاء. وبمجرد انخفاض منسوب مياه الفيضانات، كان يزرع الحبوب التي تنمو بفضل المياه المخزنة في التربة. بعد إنشاء السد العالي، أصبح الفلاحون يزرعون الأرض على مدار العام.
تصنف مصر الآن من بين أفضل عشرة بلدان من حيث الإنتاجية الزراعية للفدان الواحد. إن إنتاجية 10 ملايين فدان مزروعة تعادل إنتاجية 18 مليون فدان. "ويضيف أن توفر المياه على مدار العام سمح بزراعة محاصيل تستهلك كميات كبيرة من المياه مثل الأرز وقصب السكر.
ملحمة سياسية واقتصادية
شهدت مصر في تاريخها الحديث كوارث متكررة بسبب فيضانات نهر النيل، لا سيما فيضان عام 1878 الذي غمر آلاف الافدنة وتسبب في مجاعة واسعة، وفيضان عام 1946 الذي دمر قرى بأكملها في صعيد مصر والدلتا. بالإضافة إلى ذلك، تسببت موجات الجفاف في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي في أزمات غذائية واقتصادية خطيرة أجبرت مصر على استيراد المواد الغذائية في ظل ضغوط مالية خانقة. ولهذا السبب بدأت الدراسات حول إنشاء السد في أكتوبر 1952، بعد أشهر قليلة فقط من ثورة 23 يوليو، عندما كانت مصر تخطو خطواتها الأولى على طريق التنمية بعد تحررها من الاحتلال البريطاني.
اتخذ الرئيس جمال عبد الناصر قرار بناء السد العالي ليكون مشروعًا للاستقلال والسيادة وليس مجرد منشأة معمارية. بدأت أعمال البناء في عام 1960، بمشاركة 40 ألف عامل ومهندس معماري مصري بالإضافة إلى 400 خبير سوفيتي، وانتهت في عام 1970. كانت ملحمة بناء السد العالي مصدر إلهام للمصريين الذين قدموا فيلمين سينمائيين مهمين.
تدور أحداث فيلم يوسف شاهين ”الناس والنيل“ في عام 1964، عند تحويل مجرى النيل، حول طبيب سيتولى مهامه في أسوان لرعاية العاملين في السد العالي وزوجته التي ترفض مرافقته في مهمته، في حين يعاني مهندس روسي شاب أيضًا من العديد من المشاكل مع زوجته التي لا تتحمل العيش في مصر. الفيلم الآخر هو الحقيقة العارية، الذي يروي قصة مرشدة سياحية ترافق مجموعة سياحية لزيارة موقع بناء السد العالي.و تلتقي بمهندس شاب يعمل في الموقع وتبدأ قصة حب بينهما.
كان بناء السد العالي ملحمة سياسية واقتصادية حقيقية. بعد انسحاب الولايات المتحدة والبنك الدولي من تمويل المشروع تحت ضغوط الدول الاستعمارية في يوليو 1956، اتخذت مصر قرارًا بتأميم قناة السويس لتمويل المشروع، قبل أن تلجأ إلى الاتحاد السوفيتي. في 27 ديسمبر 1958، تم توقيع اتفاق بين مصر والاتحاد السوفيتي يقضي بأن يقرض الأخير مصر 400 مليون روبل لتنفيذ المرحلة الأولى من السد. وهكذا تم وضع حجر الأساس للمشروع في 9 يناير 1960، قبل أن يقرر الاتحاد السوفيتي، في أغسطس من نفس العام، تمويل المرحلة الثانية من المشروع بقرض قدره 500 مليون روبل. في منتصف عام 1964، تم تحويل مجرى النيل لبدء تخزين المياه في بحيرة ناصر بسعة 162 مليار متر مكعب، لتصبح بذلك أكبر بحيرة اصطناعية في العالم وخزانًا استراتيجيًا يحمي البلاد في حالة الأزمات.
مصدر الطاقة الكهرومائية
السد العالي هو هيكل ضخم بأبعاد مذهلة: يبلغ ارتفاعه 111 مترًا، وطوله حوالي 3830 مترًا (3.8 كم)، وعرضه عند القاعدة حوالي 980 مترًا، ويقل عرضه إلى 40 مترًا عند القمة. لم يكن السد العالي مجرد درع مائي، بل كان أيضًا مصدرًا للطاقة. عند افتتاحه، كان السد العالي ينتج 2100 ميغاواط من الكهرباء، وهو ما يمثل 50٪ من استهلاك مصر من الكهرباء. مما سمح بتوصيل الكهرباء إلى ما يقرب من 4500 قرية كانت تعيش في الظلام.
على الرغم من أن إنتاج السد العالي لا يمثل اليوم سوى 5٪ من إنتاج الكهرباء في مصر، إلا أنه لا يزال المصدر الأقل تكلفة. ومع ذلك، أعلنت وزارة الكهرباء في مايو الماضي عن مشروع لنحديث توربينات السد العالي، بهدف رفع قدرتها إلى 2400 ميغاواط بحلول عام 2028 باستثمارات تصل إلى حوالي 2.5 مليار جنيه مصري. وبالمثل، تجري باستمرار أعمال لتحديث أنظمة تشغيل وإدارة السد من خلال إدخال أحدث التقنيات المتطورة، لا سيما في أجهزة الرصد المنتشرة على جسم السد ومحيطه، فضلاً عن التحكم الآلي في بوابات السد في إطار استراتيجية الري 0.2 التي تهدف إلى تحديث نظام الري في جميع أنحاء مصر.
السد العالي في مواجهة تحدي سد النهضة
أظهر السد العالي أهميته بشكل خاص خلال عملية ملء سد النهضة ("لولا السد العالي، لكانت مصر قد عانت من كارثة حقيقية. خلال السنوات الخمس الماضية، خزن سد النهضة حوالي 64 مليون متر مكعب من المياه، بالإضافة إلى 40 مليون متر مكعب فقدت بسبب التبخر والتسرب في التربة. خلال عملية الملء الثالثة، خزن سد النهضة 24 مليون متر مكعب، أي ما يقرب من نصف حصة مصر، مما يعني أن نصف الأراضي الزراعية لم تكن لتزرع لولا المياه المخزنة في بحيرة ناصر"، يوضح شراقي.
ويؤكد أن السد العالي أنقذ مصر خلال الصيف الماضي من الفيضانات التي دمرت السودان. "لا ينبغي أن ننسى أيضًا أن وجود المياه في النهر على مدار العام يعني توفر الصيد والأسماك طوال العام. كما أصبح من الممكن تنظيم رحلات نهرية على نهر النيل بين الأقصر وأسوان أو بين القاهرة وأسوان على مدار العام بفضل استقرار منسوب المياه في النهر"، يوضح شراقي.
التحديات البيئية
ومع ذلك، فرض بناء السد العالي تحديات على الدولة. في الماضي، كان فيضان النيل يجلب كميات هائلة من الطمي الذي كان يرفع مستوى الأراضي الزراعية بمقدار 1 ملم سنويًا ويشكل سمادًا طبيعيًا. لم تبدأ مصر في استخدام الأسمدة الكيماوية إلا بعد عام 1971. بالإضافة إلى ذلك، أجبر الري الدولة على بناء شبكة واسعة من شبكات الصرف الزراعي التي تكلفت مبالغ طائلة، في حين زادت ملوحة الأراضي الزراعية في الدلتا، وكذلك تآكل سواحل البحر الأبيض المتوسط، لأن 22 مليار متر مكعب من المياه التي كانت تُصب في البحر في الماضي كانت تساعد على دفع البحر. ”لكن كل هذا لا يقارن بحجم الأرباح المحققة. ناهيك عن آلاف الأرواح التي تم إنقاذها من خلال حمايتنا من موجات الجفاف أو الفيضانات“، يخلص شراقي.
* نقلا عن «الأهرام إبدو»
.