لقرى محافظة أسوان، تقوم الحياة على ضفاف الماء وفق إيقاع الطبيعة. فإذا كانت حياة القرى قد تشكّلت حول حضور نهر النيل، فإن قوة هادئة تنسج علاقة ثمينة بين الإنسان وهذا النهر، نهر الحياة.
موضوعات مقترحة
على تخوم الصحراء ورمالها الناعمة، شُيّدت قرى محافظة أسوان على ضفاف نهر النيل. تمتزج البيوت ذات الألوان الزرقاء والصفراء والوردية الفاتحة مع امتدادات الرمال، بينما تنتشر أسفل القرى وعلى ضفاف النهر أشجار المانغو ونخيل الدوم ونخيل البلح، لتشكّل ثراءً زراعيًا مميزًا.
وتعتمد شريحة واسعة من السكان على اقتصاد الصيد بوصفه مصدر رزق أساسيًا. فمنذ الفجر وحتى حلول الليل، يتقدّم الصيادون بقواربهم التقليدية الملوّنة، يلقون الشباك ثم يسحبونها بأيديهم لاصطياد الأسماك. يضرب أحد الصيادين الطمي بعصا طويلة، فيُحدث صوتًا مكتومًا يحرّك المياه الساكنة ويدفع الأسماك المختبئة إلى الصعود، حيث تنتظرها شباك منصوبة على مقربة.
وبالنسبة لآخرين، تمثّل السياحة موردًا إضافيًا لتحسين دخل الأسر. فمن الرحلات السياحية على متن البواخر النيلية إلى المراكب الشراعية التقليدية (الفلوكة)، أحدث النشاط السياحي تحوّلًا عميقًا في المشهد الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات المحلية. ورغم التداخل بين التقاليد والحداثة وما رافقه من تغيّرات في المشهد الطبيعي، يظل النيل في قلب علاقة السكان بالطبيعة.
اقتصاد مرتبط بالنهر
لا تزال مهنة الصيد التقليدي ركيزة أساسية في الحياة اليومية على امتداد النيل. ويُقدَّر عدد الصيادين في بحيرة ناصر بنحو 12 ألف صياد، وتُعدّ أسماك البلطي والبياض وسمك السلّور من أكثر الأنواع شيوعًا.
ويقول عبد الحكيم مهر (73 عامًا) من قرية كريا سيتوت: «قبل بناء السد العالي، كانت الأسمدة الطبيعية أكثر حضورًا في المياه، وكانت تُستخدم تقليديًا لتخصيب الأراضي الزراعية، وأحيانًا كانت الفيضانات تطلقها في مجرى النيل».
وقد أسهمت ظواهر حديثة في عودة الوفرة إلى صيادي النيل، إذ ساعدت الفيضانات في السودان وبناء السد الإثيوبي على عودة أنواع من الأسماك كانت قد اختفت. ويؤكد عوض صبري: «الله يرسل لنا مزيدًا من الأسماك… بعض الأنواع عادت للظهور».
ولا يقتصر الصيد على كونه مصدرًا للرزق فحسب، بل ينظّم إيقاع اليوم، ويؤطّر معارف ومهارات متوارثة عبر الأجيال، ويجسّد صلة مباشرة بالنهر. أحمد، الذي امتهن الصيد منذ السابعة من عمره، يشارك يومياته مع ابن أخيه. ورغم عمله سابقًا في الإسكندرية والسويس، يعترف بتعلّقه العميق بالنيل قائلًا: «النيل يعني لي كل شيء».
ويخضع الصيد لإيقاع زمني دقيق؛ إذ تبلغ حركة الأسماك ذروتها بين الحادية عشرة ظهرًا ومنتصف النهار، لا سيما عندما تكون المياه عميقة، وتستمرّ الأنشطة حتى ساعات الليل. ويرى أحمد في الصيد أسلوب عيش أخلاقيًا يوفّر فرص عمل للشباب ويحدّ من الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية: «الصيد يمنع الوقوع في المشكلات»، على حد تعبيره. وهو متفائل بالمستقبل، معتبرًا أن هذه المهنة قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن والحداثة.
وتُعد السياحة ركيزة اقتصادية واجتماعية كبرى، إذ يعمل فيها ما بين 70 و80 في المئة من النوبيين، مقدّمين للزوار صورة عن ثقافتهم وحياتهم اليومية. ويقول عوض صبري (61 عامًا)، الموظف السابق في وزارة الأوقاف، والمنحدر من إحدى القرى: «السياحة تبادل متكافئ؛ نتعلّم لغات عدّة ونقدّم كرمنا»، مضيفًا بفخر: «السياح يأتون من أجل كرمنا».
أما هشام، ملاح الفلوكة منذ تسع سنوات، فيجسّد هذا الارتباط المباشر بين النيل والسياحة. ففي كل صباح، يجهّز مركبه ويقوده فوق المياه مستخدمًا أسلوب الإبحار المتعرّج لمواجهة اتجاه الرياح. وإدراكًا للمخاطر المحتملة من حوادث أو غرق، يحرص على الإبحار بحذر. ويتذكر أن «قطاع السياحة كان أفضل قبل ثورة 2011»، لكنه يظل متمسكًا بمهنته ومتفائلًا بالمستقبل، إذ تمثّل كل رحلة تبادلًا ثقافيًا وفرصة لدعم مجتمعه المحلي.
مواطن من أسوان يقف على احدى المراكب الشراعية - تصوير كليمانس غوبو
النيل… مرجع وملاذ
بالنسبة لسكان المجتمعات الريفية، يشكّل النيل مرجعًا أساسيًا، بل وملاذًا ثمينًا يتيح حياة هادئة في مناطق معزولة. فقد نشأ الجميع على ضفافه، في بيئة يسودها السكون.
وتطغى على علاقتهم به أبعاد روحية وحميمية. يقول عوض صبري: «النيل يمنحنا الهدوء والحديث… إنه مصدر للتأمل»، مضيفًا: «إذا شعرنا بالحزن، نجلس على ضفافه». بل إنه يخصّ النيل بأغانٍ تعبّر عن حبه العميق له.
ويُعد الجلوس على ضفاف النهر للتهدئة أو التفكير ممارسة شائعة للغاية، إذ يؤكد كثيرون أنهم «يرون الأمور بوضوح أكبر» قرب الماء. وقد ورثوا هذا النهج عن الأجداد الذين علّموا أن النيل يعلّم الصبر والملاحظة والتواضع.
أما أولئك الذين تضطرهم الظروف الاقتصادية إلى العمل في العاصمة، فيواجهون صعوبة الانتقال من ثقافة إلى أخرى. ويقول هشام، الذي سبق له العمل في العاصمة الإدارية: «الحياة الحقيقية هنا… القاهرة مجرد أعمال».
وقبل التهجير القسري المرتبط ببناء السد العالي، كانت القرى تعيش حرفيًا «وأقدامها في الماء»، ويؤكد الجميع أنهم «كبروا على النيل». وتسير الحياة في القرى النوبية بإيقاع وثيق الصلة بالنهر وبالثقافة المحلية. وكما يقول عوض صبري: «نحن الأقدم، ولذلك نحتل أفضل مواقع النيل».
ورغم وجود محطات لتنقية المياه، لا يزال كثيرون يشربون من مياه النيل مباشرة، إذ تعمل التيارات والدوامات كمنظّم طبيعي لجودة المياه. وتُلاحظ مستويات أعلى من التلوث شمال أسوان، بينما تبقى القرى الواقعة جنوبًا بمنأى عنه.
وذاكرة جماعية
ينعكس غنى البيئة الطبيعية في المطبخ المحلي الذي يجسّد نمط حياة قائمًا على الاكتفاء الذاتي؛ فالفتّة، والملوخية، والفول، والسمك، والخبز المصنوع في المنازل تشكّل الوجبات اليومية التي تُحضَّر منذ الفجر. ويشرح عوض صبري بفخر: «السمك هو مصدر البروتين لدينا، ودقيق الذرة للكربوهيدرات، والفاصوليا البيضاء للخضروات».
ويكتمل الاكتفاء الذاتي عبر تبادل المنتجات بين الجيران، فيما تتجلّى روح التضامن في المناسبات الكبرى، إذ يذكّر عبد الحكيم: «في الأعراس كما في الوفيات، تتعاون القرية بأكملها».
ويجسّد النيل، بوصفه القلب النابض للثقافة النوبية، الذاكرة والهوية الجماعية. فاللغة النوبية «نوبيين» يتحدث بها نحو 500 ألف شخص بين أسوان وشمال السودان، وتظلّ المحافظة عليها أولوية قصوى. يقول عوض: «أصررنا على الحفاظ على لغتنا»، فيما يؤكد عبد الحكيم: «من دون لغتنا نصبح صامتين. على كل إنسان أن يحافظ على لغته، حتى مع التحديث».
وهكذا يبقى النيل ذاكرة جماعية وعمودًا فقريًا للثقافة النوبية، لأنه — كما يجمعون — «علّمهم كل شيء».
* نقلا عن «الأهرام إبدو»