"ثرثرة فوق النيل" هي إحدى أجمل روايات نجيب محفوظ، صدرت سنة 1966 وتُعد بنظر الكثيرين نبوءة بما جرى في العام التالي مباشرةً في يونيو 1967.
موضوعات مقترحة
تدور معظم أحداث الرواية في عوامة على النيل، حيث يجلس الأصدقاء والصديقات يستعرضون أحوالهم، ومن خلالهم نتعرف على هموم المجتمع المصري آنذاك.
العوامة النيلية حاضرة في أعمال أخرى لمحفوظ؛ فـ"السيد أحمد عبد الجواد" ("سي السيد")، بطل الثلاثية، امتلك عوامة على النيل وقدّمها هدية لإحدى عشيقاته. كما امتلك رءوف علوان، الصحفي اليساري المتاجر بالأفكار الاشتراكية في رواية "اللص والكلاب"، فيلا على النيل كانت تخص أحد باشاوات العصر الملكي. لكن تبقى رواية "الثرثرة على النيل" متفردة في أنها جعلت النيل هو الملاذ والمستقر في النهاية.
يحضر النيل في أعمال محفوظ من زاوية أخرى غير المتعة والثرثرة؛ تعبيرًا عن الإحباط واليأس. ففي رواية "بداية ونهاية"، وقعت "نفيسة" في الخطيئة مُكرهة ومضطرة، وقُبض عليها في أحد دور البغاء. ولما فُرض عليها شقيقها حسين، المغرور والأناني، أن تتطهر من ذلك العار الاجتماعي، لم يكن هناك مكان للتطهر ورمي الفضيحة في أعماق النهر إلا النيل، الذي يحمل الأسرار ويخفيها إلى الأبد. ألقت نفيسة بنفسها في النيل.
ثرثرة فوق النيل
النيل في أعمال أخرى
ليس نجيب محفوظ وحده الذي شغل النيل موقعًا بارزًا في أعماله. فمن يقرأ أعمال طه حسين يجد النيل حاضرًا بقوة في العديد منها. لديه رواية اسمها "ما وراء النهر"، نشرها مسلسلة في مجلة "الكاتب المصري" التي كان هو نفسه رئيس تحريرها. ولما توقفت المجلة سنة 1948، لم يستكمل نشر الرواية. والنهر هنا هو النيل، على امتداد مصر.
حافظ إبراهيم وأحمد شوقي هما أكبر شاعرين مصريين في القرن العشرين، ولكل منهما أبيات وقصائد حول نهر النيل. حافظ من مواليد أسيوط التي يمر بها النيل ويمنحها رونقها الخاص، بينما بنى شوقي داره على النيل مباشرة في الجيزة وأسماها "كرمة ابن هانئ".
حمل حافظ إبراهيم لقب "شاعر النيل"؛ لم يطلب هو ذلك اللقب، لكن لما أُطلق على شوقي "أمير الشعر" (قبل أن يصير أمير الشعراء)، أطلق محبو حافظ عليه لقب "شاعر النيل". كما أُطلق على القاصة والروائية جاذبية صدقي التي لمعت منتصف القرن العشرين لقب "بنت النيل"، وسمّت الصحافة الفنية الفنانة مديحة يسري "سمراء النيل".
وفي المكتبة العربية، عشرات الأعمال والكتب عن النيل، بدءاً من علي باشا مبارك (ناظر المدارس زمن إسماعيل باشا) ثم د. عوض محمد عوض، ومن بعده سليمان حزين وجمال حمدان ورشدي سعيد وسواهم.
على مستوى الأدب الشعبي والفولكلور المصري، هناك الكثير من الحكايات والأساطير حول النيل والتعايش بين الإنسان وهذا النهر؛ بدءًا من الجنيات التي تخرج من النهر فتُعجَب بشاب أو رجل فتقوم بغوايته وسحبه إلى أعماق النهر ليعيش معها. كان ذلك تفسيرًا مريحًا لغرق البعض في النهر، خاصة أولئك الشباب الذين ينزلون النهر دون أن يعرفوا فن العوم والسباحة.
الرحالة الكردي أولياء چلبي زار مصر في القرن السابع عشر ونزل عبر النيل إلى الصعيد. كان يعاني ضعفًا جنسيًا وقيل له إن تماسيح النيل سوف تعالجه. روى چلبي حكايات يقول إنه مر بها أقرب إلى الأساطير عن معاشرة تمساحة استعاد قوته معها.
تحديات النيل
كان كثير من الباحثين مأخوذين بمقولة هيرودوت "مصر هبة النيل"، حتى جاء تلميذ أرنولد توينبي، المصري شفيق غربال، ليستبدلها بمقولة "مصر هبة المصريين". يمر النيل بعدة دول، لكنه لم يصبح رمزًا للنماء والتحضر إلا في مصر، بجهد وتعب المصريين.
في كتابها الممتع "معك"، تحكي سوزان طه حسين ما كان يتعرض له بيتهم في الزمالك كل صيف مع فيضان النيل، حيث تغمر المياه البيوت والشوارع. ومع المياه، كانت تفد بعض الكائنات، كالثعابين مثلاً. رأت سوزان ثعبانًا ضخمًا مُمدَّدًا على سلم البيت، وخافت على زوجها الضرير. وهذا ما دفع زوجة عميد الأدب أن تترك حي الزمالك نهائيًا مع الأسرة، وبناء بيت في صحراء الأهرامات، التي صارت الآن منطقة سكنية.
ما وراء النهر
خارج الزمالك وفي الصعيد، كان الأهالي يفاجؤون ببعض التماسيح طافت مع الفيضان، وحولها انطلقت الأساطير والحكايات عن أولئك الذين تعشقهم التماسيح فتقوم بخطفهم إلى النهر بلا عودة. وقد أراح بناء السد العالي سنة 1970 المصريين من عناء ومتاعب الفيضان سنويًا.
تحدث كثير من الكتّاب عن الوجه الجميل للنيل، خاصة حين يغني محمد عبد الوهاب "النهر الخالد"، أو حين تشدو أم كلثوم "الموجة بتجري ورا الموجة... عايزة تطولها". لكن هذا ليس كل النيل، فهناك الوجه الآخر.
صراع مع المرض
طوال آلاف السنوات، ظل نهر النيل مصدرًا لقواقع البلهارسيا، التي التهمت أكباد المصريين، حتى إن أحد حكام مصر، حين تم الوصول إلى المومياء الخاصة به وتحليلها، تبيّن أنه كان مصابًا بالبلهارسيا لذا مات شابًا.
أصابت البلهارسيا النحات المعاصر محمود مختار مبكرًا بسبب الاستحمام في النيل فمات شابًا، وكذلك المطرب عبد الحليم حافظ. فقد عشرات ومئات من الأسماء اللامعة حياتهم من جراء الإصابة بالبلهارسيا. صحيح أنه، بجهود علمية وطبية كثيفة، أمكن قبل ثلاثة عقود فقط القضاء نهائيًا على البلهارسيا، لكن بعد خسائر بشرية كبيرة طوال قرون.
ما بين فيضان مُدمِّر يغرق كل شيء، وجفاف قد يمتد لسنوات فتحل معه المجاعات والأوبئة، خاض المصريون صراعًا مع النهر لترويضه والسيطرة عليه. لذا، لم يكن غريبًا أن يحتل النهر مكانة رئيسية في الأدب والثقافة المصرية.