على ضفافه تُروى الحكايات بصمت، وتُغسل الهموم مع جريان الماء، ويجد العابرون لحظاتهم الخاصة بعيدًا عن صخب المدينة. من كافيتريات ومطاعم إلى ممشيات حديثة تعانق النهر، ومن قوارب صغيرة تحمل أحلام العشّاق إلى ليالٍ مضاءة بأفراح الزفاف، يظلّ النيل حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية للمصريين.
موضوعات مقترحة
في هذا التقرير، نرافق النهر ليومٍ واحد، ونستمع إلى أصوات بشر اختاروه شاهدًا على الذكريات، ومأوى للراحة، وفضاءً للاعتراف بما تعجز الكلمات عن قوله
إنه ول يوم عمل فى 2026، يومٌ شتويّ مشمس في القاهرة. تقترب الساعة من الظهيرة في احدى الكافيتريات الذي شُيّد قبل ثمانين عامًا في حي منطقة أغاخان، على ضفاف النيل، ولا يزال يستقبل زبائنه حتى اليوم. ورغم مرور السنين، ما زال نقطة جذب لكثير من المصريين، ولا سيّما سكان شبرا والأغاخان والسبتية حيث يتميّز المقهى بتصميمه المدرّج، بما يتيح لجميع روّاده الاستمتاع بمشهد النيل من مختلف الزوايا.
في البداية، اختارت امرأتان مسنّتان الجلوس إلى طاولة في الهواء الطلق، قريبة جدًا من النهر، يمكن من خلالها لمس الماء بأيديهما. لكن سرعان ما غيّرتا رأيهما بسبب نسمات النيل الباردة في هذا الشتاء، فانتقلتا إلى القاعة المغلقة ذات الواجهة الزجاجية الكبيرة، التي لا تحجب منظر النهر. تقول جاكلين، 50 عامًا، وتبدو أنيقة وعصرية: «أعيش في كندا مع ابنتي وزوجها منذ قرابة عشر سنوات، لكنني أحرص على قضاء عيد الميلاد ورأس السنة مع شقيقتي الكبرى إيزيس هنا في القاهرة». وتضيف: «في كل مرة أعود فيها إلى مصر، لا بدّ أن آتي إلى هذا المكان مع أختي، لأننا نستعيد ذكريات والدينا اللذين كانا يصطحباننا إلى هنا كل عطلة أسبوعية حين كنّا في المدرسة».
نهر النيل
تُقاطعها شقيقتها إيزيس قائلة: «والدانا من جنوب القاهرة، تحديدًا من محافظة المنيا. كانا يعيشان في شقق تطل على النيل هناك». وتضيف، والدموع تترقرق في عينيها، أن والديهما تعارفا على ضفاف النيل أيضا ولكن في القاهرة خلال رحلة نظّمتها كلية الآداب الذان كان يدرسان بها لذلك، كان من الطبيعي أن يتعاملا مع النيل كأنه فرد من العائلة. تقول جاكلين: «في كل مناسبة، سعيدة كانت أم حزينة، كانا يأتيان إلى ضفة النيل».
وتؤكد الشقيقتان أنهما حافظتا على هذه العادة: «فحينما نشتاق البهما ، ونشتاق لذكرياتنا معهم نأتي إلى هنا».
على مقربةٍ منهما، يقف عم عبود ببدلة سوداء، شعره رمادي ووجهه تعلوه التجاعيد. يقول عم عبود، عامل تقديم الطلبات فى الكافيتريا: «أعمل هنا منذ حوالى ٤٠ سنة . كنت موظفًا حكوميًا صباحًا، وفى المساء أعمل هنا لتحسين دخلي. وعندما بلغت سن المعاش ، قررت الاستمرار في العمل هنا، لكن في الوردية الصباحية».
نهر النيل
ويضيف: «لا أستطيع الابتعاد عن النيل. إنه راحة لروحي. يحفظ أسراري، و شاهدًا على أصعب لحظات حياتي، مثل وفاة أمي، التي كانت تاتى هنا لتقابلنى بعد انتهاء وردية العمل بدلًا من زيارتي في منزلى لعشقها للنيل . لذلك بعد أن قمت بدفنها جئت الى النيل ليواسنى ولاشعر إنها مازالت معى . الله يرحمها ».
جاء وقت الرحيل لنغادر المكان الذي بدأ يزدحم بالروّاد نظرًا لأسعاره المناسبة جداً .
وعلى امتداد ضفة النيل، تمتدّ حواجز طويلة لعدة كيلومترات، تمنع المشاة من السير على الرصيف أو رؤية النهر، يوحي بوجود أعمال ترميم أو توسعات .
تستمر هذه الحواجز إلى أن نصل إلى لافتة كبيرة كُتب عليها: «تأجير قوارب في النيل».
يشرح سيد قطب، سائق القوارب: «إيجار ساعة واحدة في قارب يتّسع لـ15 شخصًا تتكلف ألف جنيه مصري، أما القارب الأكبر الذي يتّسع لـ35 شخصًا فيكلّف ثلاثة آلاف جنيه في الساعة». ويضيف أن هذه القوارب، المزيّنة بأعلام معظم الدول العربية، ولا سيما الخليجية، متاحة على مدار 24 ساعة. ويستدرك: «هناك أيضًا قوارب شراعية ، إيجارها أرخص ثمنًا، لكنها ليست لديّ، ويمكن العثور عليها في أماكن أخرى». ويوضح سيد، الذي ورث المهنة عن والده: «القوارب الشراعية يفضّلها السياح الأجانب، بينما يقبل السياح العرب أكثر على قواربي».
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ يضيف سيد أن تقريبًا كل أسبوع يؤجر شباب وشابات أحد قواربه للاحتفال بطلب الزواج، معتبرين أن النيل وسيلة شاعرية و رومانسية لهذه المناسبة.
نهر النيل
راحة نفسية
على بعد خطوات قليلة من موقع التأجير، نصل إلى «ممشى أهل مصر»، وهو ممرّ للمشاة يمتد من كوبري إمبابة حتى كوبري 15 مايو. للدخول، تُدفع تذكرة بقيمة 30 جنيهًا للفرد أيام الخميس والجمعة والسبت، و20 جنيهًا في بقية أيام الأسبوع. أما الزائرون بالسيارات فيدفعون 50 جنيهًا في الساعة، بغضّ النظر عن عدد الركاب. تنتشر المقاعد المجانية في كل مكان، إلى جانب مقاهى ومطاعم تناسب مختلف المستويات الاجتماعية.
تقول لاما، وهي شابة في أوائل الثلاثينات وتشغل منصب مديرة مشروعات في مكان قريب من النيل ، بينما تجلس وحدها على أحد المقاعد، متأمّلة النيل وكأنها تمارس اليوغا: «أنا في استراحة ساعة من العمل، وأتيت إلى هنا للاستجمام». وتضيف: «أسكن في التجمع الخامس، لذا أفتقد النيل خلال أيام الإجازة. الجلوس هنا ساعة واحدة هو راحتي النفسية. أشعر هنا باتصالٍ بأمي التي تعشق النيل. وتضيف وهى تضحك وأنا أراقب الماء وهو يجري، أشعر وكأنى شديت الفيشة، ثم أعود إلى المكتب منتعشة وقادرة على استكمال يومى ومواجهة مشاكل الشغل».
نهر النيل
غير بعيد عنها ، يلفت الانتباه صوت ضحكاتٍ عالية. أربعة رجال مسنّين، بشعرٍ أبيض، يحاولون التقاط صورة «سيلفي» دون إتقان التقنية. يقول مصطفى معروف، عضو اتحاد الجالية المصرية في هولندا والمقيم في أمستردام: «نحن أصدقاء منذ أكثر من أربعين عامًا، وكلنا مهندسون. عشنا طفولتنا في حي شبرا، ثم تزوّج كلٌّ منا وتفرّقنا بين محافظات مختلفة أو خارج البلاد». ويضيف: «كلما زرت القاهرة، أتصل بأصدقاء الطفولة ونجتمع هنا على ضفاف النيل».
يتدخل المهندس مصطفى رشاد قائلًا: «تتذكرون حين كنا نستقل قاربًا إلى جزيرة الوراق لنسبح في النيل، لأن أهلنا لم يكونوا قادرين على اصطحابنا إلى البحر؟ كان النيل ملاذنا الوحيد من حرّ الصيف». ويقاطعه آخر: «أعيش الآن في الإسكندرية على البحر، لكن العودة إلى القاهرة والجلوس أمام النيل هي راحة لروحي. هنا طفولتنا وشبابنا، والآن شيخوختنا».
تقترب الساعة من الخامسة مساءً. عند الخروج من «ممشى أهل مصر» ومواصلة السير بمحاذاة النيل، تبدأ الشوارع بالازدحام. انتهى الدوام، تمتلئ المقاعد، ويفضّل بعض المارّة الجلوس على سور النيل، متأرجحين بأقدامهم في الفراغ، كأنهم على أرجوحة خفية. تسود أجواء من الفرح العميق.
بعضهم يأكل الفشار، وآخرون الذرة، وغيرهم يحتسون الشاي، بينما يلعب أطفال بزيّهم المدرسي الغميضة. تصرخ أم مصطفى، 35 عامًا وأم لثلاثة أطفال: «انتبهوا يا أولاد، لا تزعجوا طنط وانكل !»، موجّهة كلامها لأشخاص لا تعرفهم لكنهم يجلسون بالقرب منها. وتوضح: «أعرف أن أولادي اشقياء ، لكنني أحتاج إلى الجلوس أمام النيل قبل العودة إلى البيت». وتروي: «أسكن في إمبابة، في حارة ضيقة، ولا أستطيع التنفّس من ضيق المكان، إذ أعيش مع حماتي وسلفتي في نفس الشقة المكونة من غرفتين فقط».
وتضيف أنها تأتي كل يوم بعد الظهر إلى كورنيش النيل لتتنفس وتفصل وتتمكّن من مواصلة الحياة .
نهر النيل
أعراس وجلسات تصوير
بعبور كوبري 6 أكتوبر إلى الضفة الأخرى، تظهر صورة مختلفة. هنا، النيل ليس مجانيًا. في هذا الحيّ الراقي، ترسو بواخر ضخمة تضم أفخم مطاعم القاهرة، مثل «الباشا» و«نايل ماكسيم»، بما فيها مطاعم ومقاهٍ وملهًى ليلي من فئة الخمس نجوم. تصطف حافلات النقل السياحي على طول الكورنيش، في إشارة إلى الإقبال الشديد. وعلى هذه الضفة أيضًا يوجد «ممشى أهل مصر» آخر لكنه لم يُفتتح بعد للجمهور.
في الزمالك، وعلى ضفة النيل، يتشكّل ازدحام مروري كبير: حفل زفاف اختار المكان لالتقاط الصور مستفيدًا من أضواء النيل ليلًا. وعلى بُعد أمتار، حفل زفاف آخر. هذا الزفاف مختلف، إذ حجز الزوجان قاعة في أحد أندية هذه الضفة. وكما للنيل سحره صباحًا، له أيضًا سحره ليلًا.
يقول عم شطّة، الذي يُعدّ الشاي والقهوة للسائقين المنتظرين لساعات طويلة: «آتي إلى هنا للعمل مساءا ». ويضيف بابتسامة أنه موجود هنا منذ أكثر من خمسة عشر عامًا. «رأيت عشّاقًا، ورأيت خصومات بين أزواج. ومرّة شاهدت أمًّا حاولت الانتحار بعد وفاة أبنائها في حادث، وأنقذها روّاد النيل». ويختم قائلًا: «النيل هو سرّ أجيالٍ عديدة… اتركوه بسلام».
رحلة ليوم واحد فقط، لكنها حافلة بالأحداث، تؤكد أن النيل ليس مجرد مجرى مائي يعبر قلب مصر مرورًا بـ22 مدينة. إنه شريان حياة حقيقي، يجسّد الصدق والراحة والسلام لكثير من المصريين. ولآخرين، هو ملاذ مقدّس للشكوى والبوح والتحرّر، حيث تنطلق الروح وتعبّر عن نفسها.
النيل ليس مجرد مصدرٍ لمياه الشرب، بل هو الوريد الحيوي الذي يجري في دماء المصريين.
نهر النيل
* نقلًا عن الأهرام إبدو