اعتقال مادورو.. مؤامرة أم نموذج عالمي جديد؟

6-1-2026 | 13:50

في السياسة الدولية، كما في التاريخ، لا تُقاس اللحظات بما تحدثه من ضجيج، بل بما تكشفه من تحولات كامنة. ولذلك، لم يكن ما حدث في صباح الثالث من يناير 2026 من اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مجرد عملية عسكرية أمريكية خاطفة في كراكاس، بقدر ما كان لحظة كاشفة عن وضع عالمي جديد يبدو أنه سوف يتكرر مرارًا، على الأرجح، في القرن الحادي والعشرين.

فاختفاء الرئيس الفنزويلي من المشهد، وظهوره لاحقًا معتقلًا في قبضة الولايات المتحدة، يمثل إشارة دالة على أن العالم قد دخل طورًا جديدًا، تُعاد فيه كتابة القواعد لا بالحبر، بل بالقوة العسكرية. فما جرى في العاصمة الفنزويلية كاراكاس قد يكون نموذجًا أوليًّا لعالم يُدار بمنطق القوة، حيث تُهمّش السيادة، ويُعاد تعريف الشرعية، وتُستبدل قواعد القانون الدولي بمنطق الأمر الواقع.

ما نشهده في العالم اليوم لم يولد من فراغ. وما حدث في فنزويلا هو نهاية مسار طويل، لا بدايته. دولة أُنهكت ببطء، ومجتمع استُنزف عمدًا، ومؤسسات تآكلت تحت ضغط العقوبات والحصار والعزلة. وحين جاءت الضربة العسكرية من واشنطن، لم تجد أمامها دولة متماسكة، بل جسدًا سياسيًّا واهنًا، ومجتمعًا منهكًا، غادره الملايين، ومن بقي انشغل بالبحث عن لقمة العيش. وفي مثل هذا المناخ، يصبح الصمت الشعبي أمام اعتقال رئيس الدولة مفهومًا؛ إنه صمت الإنهاك، لا صمت الرضا.

الأكثر غرابة وأهمية كان غياب المؤسسة العسكرية الفنزويلية عن المشهد. فلم نشهد مقاومة منظمة، ولا اشتباكًا واسعًا، وهو ما يفتح باب التساؤل: هل كانت هذه المؤسسة منقسمة؟ أم مخترقة؟ أم جرى تحييدها مسبقًا عبر مزيج من الضغوط والعقوبات والتفاهمات؟ وأيًّا كانت الإجابة، يبدو أن الدولة العميقة في فنزويلا كانت قد فقدت أحد أعمدة قوتها قبل أن تبدأ العملية العسكرية الأمريكية، وجاء التدخل ليضع يده على فراغ إستراتيجي، لا على دولة مكتملة الأركان.

ومن جهة أخرى، من يقرأ عملية اعتقال مادورو بوصفها ضربة عسكرية سريعة فقط، يغفل بعدها الأهم. فما جرى كان ذروة حرب هجينة طويلة، امتزج فيها الاقتصادي بالاستخباراتي والنفسي. تعطيل الاتصالات، وشلل مراكز القيادة، والوصول السريع إلى رأس السلطة، كلها مؤشرات على عمل سابق امتد لسنوات؛ حيث لم يكن الهدف إسقاط النظام الفنزويلي "البوليفاري" بالقوة وحدها، بل تفريغه من القدرة على الرد، حتى تصبح الضربة الأخيرة أقرب إلى إجراء محسوب منه إلى حرب مفتوحة.

وعلى المستوى القانوني، فإن ما جرى في كاراكاس يمثل كسرًا متعمدًا، من جانب إدارة الرئيس ترامب، للسقف الذي أقامته البشرية بعد الحرب العالمية الثانية. فلم يكن هناك لهذه الإدارة تفويض دولي، ولا قرار من مجلس الأمن، ولا حتى محاولة لتجميل الفعل بإطار شرعي مقبول.

الولايات المتحدة استندت إلى قوانينها الداخلية، وإلى تصور أحادي للأمن القومي، لتبرير اعتقال رئيس دولة لا يزال في موقعه. وهنا لم يعد القانون الدولي مرجعية، بل عائقًا جرى تجاوزه بمنتهى السهولة من جانب واشنطن.

ولهذا لم يكن مستغربًا أن تصف صحيفة إندبندنت العملية بأنها "غير قانونية ومتهورة"، وأن تحذر صحيفة الجارديان من أن "واشنطن تفتح بابًا يصعب إغلاقه". فحين تُنتهك حصانة الرؤساء بهذه البساطة، يصبح النظام الدولي نفسه موضع سؤال.

وفي واشنطن، سقطت الأقنعة سريًّا. خطاب الرئيس الأمريكي مباشرة بعد العملية لم يترك مجالًا للتأويل. إعلان نية بلاده تولي إدارة فنزويلا مؤقتًا، واعتبار النفط الفنزويلي حقًّا مشروعًا للولايات المتحدة، أعاد إلى الواجهة منطق "الغنيمة"، لا خطاب القيم. وردًّا على ذلك، ظهرت أصوات اعتراض داخل الولايات المتحدة نفسها. حيث وصفت كامالا هاريس التدخل بأنه غير قانوني ومتهور، مؤكدة أنه لا يجعل الولايات المتحدة أكثر أمنًا، بل يكرر أخطاء "حروب تغيير الأنظمة".

ويبقى السؤال الأهم: إلى أين تتجه فنزويلا؟ السيناريوهات مفتوحة، من وصاية أمريكية طويلة تُدار باسم الانتقال، إلى انتقال هش تفرضه موازين القوة، إلى تفكك بطيء للدولة، وربما إلى مقاومة مؤجلة لم تنضج شروطها بعد. لكن المؤكد أن ما بعد مادورو لن يكون شأنًا فنزويليًّا خالصًا، بل حلقة في سياق دولي وإقليمي أوسع.

في الخلاصة، ليس اعتقال مادورو لغزًا، ولا مجرد مؤامرة "حيكت بليل" بالمعنى التقليدي. إنه علامة على زمن جديد، تدار فيه السياسة الدولية بمنطق القوة المباشرة، وتُعاد فيه صياغة الشرعية على مقاس الأقوياء. وفنزويلا، في هذا المشهد، ليست سوى الصفحة الأولى في فصل لم يُكتب بعد، لكنه يحمل من الإشارات ما يكفي ليقلق كل من لا يزال يعتقد أن العدل والحكمة والقانون الدولي هو ما يحكم هذا العالم.

وسوف يتزعزع استقرار العالم بشدة إذا ما تكرر هذا "النموذج" الجديد في المكسيك أو كولومبيا أو إيران، وإذا ما اتجه العالم نحو مشهد جديد تتقاسم فيه القوى الكبرى مناطق النفوذ علنًا، عبر التوافقات والمساومات.

* رئيس وحدة العلاقات الدولية – مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: