الآن تستيقظ الحقائق بعد سباتٍ طويلٍ، وفي الواقع لم يكن الجميع منخرطين في هذا السباتِ؛ لأن كثيرين نبهوا، وأكثر منهم حذروا، لكن لم يرد أحدٌ الإنصاتَ.
فالنظام الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية، والمتمثل في الأمم المتحدة، لم يعد صالحًا لإرساء قواعد السلم والأمن الدوليين. أما العوار، في هذا النظام، الذي بدأته صاحبة فكرة "الأمم المتحدة" نفسها (الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها فرانكلين روزفلت الذي صاغ اسمها ووضع مبادئها مع قادة بريطانيا والاتحاد السوفيتي والصين)، يسر لها استغلال ميزة استضافة المقر، ثم حق النقض "الفيتو"، لتعطيل كل ما من شأنه أن يجعل لهذا النظام فعاليةً أو قيمةً.
ما حدث في فنزويلا قبل أيام هو خليطٌ وحشيٌّ من تجاهل القانون والشرعية الدولية وانتهاك سيادة الدول، وغطرسة القوة. و"غطرسة القوة".. عنوان كتابٍ شغل العالم في الستينيات من القرن الماضي، والكتاب سلسلة محاضراتٍ ألقاها وليم فولبرايت رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي سنة 1966، في معهد جونز هوبكنز للدراسات الدولية الناهضة بواشنطن، وُجمعت في كتابٍ في السنة نفسها، أي منذ ستين عامًا. وحدد مدير المعهد فرانسس ولكوكس رسالة الكتاب، باختصار: "يشير في صراحةٍ ووضوحٍ إلى أن إمبراطورياتٍ عظيمةً كثيرةً قد تداعت في الماضي؛ لأن قادتها لم يتذرعوا بالحكمة والأناة، وصواب التقدير في استخدامهم لما يحوزون من قوةٍ". إنهم كما يذهب ولكوكس وصلوا إلى مفترق الطرق "من أجل الطموح المجنون".
والآن نجد الرئيس ترامب يباهي الأمم بما لديه من جيشٍ قويٍّ وأسلحةٍ وبلدٍ يملك كل شيءٍ، وأن على الجميع أن يطيعه، وإلا فإنه سيضعهم في قائمةٍ، وهو وضعهم بالفعل، وعلى العالم أن يترقب التالي. ربما حدد التالي صراحةً بأنها كولومبيا، وكما حدث مع فنزويلا، فإنه لن يعدم المبررات. أما العالم الغربي، والبعض في بقية الأنحاء، يقدمون له الأعذار الإضافية. فالرئيس مادورو يفتقد الشرعية وهو تعليق الاتحاد الأوروبي على ما جرى، وعند آخرين ضيع ثروة بلاده، وشعبه يعيش في فقرٍ والبلد غنيٌّ، وُيحكم بالديكتاتورية.
مبادئ ترامب ليست جديدةً، هو فقط استدعاها من الإرث الوطني، فقد أعلن الرئيس تيودور روزفلت سنة 1904 أمام الكونجرس، أن من واجب الولايات المتحدة أن تمارس "سلطةً بوليسيةً" داخليةً في نصف الكرة الغربي، لنجد بعد سنواتٍ الواجب الأمريكي يتحول إلى "رجل البوليس العالمي".
ويقتنع فولبرايت، بأن جلب القوة دون الفهم جعل للأمريكيين وللأوروبيين آثارًا مدمرةً على مناطق العالم الأقل تقدمًا، "لقد فرقوا المجتمعات"... و"قضوا على ثقة الشعوب بنفسها"... "لقد أقدموا على ذلك مراتٍ عديدةً، بإسداء النصح واقتحام حدود الشعوب التي لا تريدهم، ولكنها لا تستطيع أن تقاومهم".
تدخلت واشنطن طوال الوقت في أمريكا اللاتينية، أو ما أسمته بـ"دول الموز".. في هايتي وجمهورية الدومينيكان وكوبا، وطبعًا في آسيا شرقًا وجنوبًا، وقلبت أنظمةً، ورتبت اغتيالات قادةٍ، ولم تنجح في أي مسئوليةٍ، سوى تدمير البلاد التي دخلتها، وفي معاناتها، التي ربما مستمرة حتى اليوم. ثم كررت خطف رئيسٍ مثلما فعلت مع نورييجا في بنما قبل سنواتٍ، وكانت قامت بغزو نيكاراجوا.
ويرى فولبرايت في كتابه (ترجمه محمود شكري العدوي ونشرته دار الكتاب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة سنة 1966) كحلٍّ لأزمة غطرسة القوة، في الداخل، بقوله: "إن ارتفاع الأصوات بالنقد داخل الأمة في الوقت المناسب، هو الذي يعين إعانةً جبارةً على تصحيح الأخطاء في سياسة الأمة الخارجية" و"أنه يجدر بمجلس الشيوخ ككل، أن يتعهد إحياء وظيفته" و"التي تركها تتآكل وتذبل".
ويعترف فولبرايت بأنه أخطأ بتأييد سياسة الرئيس جونسون في فيتنام، ووصف الدور الذي قام به: "ليس مصدر سعادةٍ أو فخرٍ لي اليوم".
يدار العالم اليوم بعيدًا عن الأمم المتحدة، ومؤسساتها، مع تفاخر واشنطن بعدم الاستماع إليها، فمع اقتراب ساعة الصفر في عملية الهجوم على فنزويلا، واختطاف رئيسها وقرينته، كان الرئيس ترامب يمضي بواكير السنة الجديدة في فلوريدا مع صديقه نيتانياهو، المطلوب توقيفه بموجب قرار المحكمة الجنائية الدولية.
وإذا كان فولبرايت يعلي من شأن النقد الداخلي في أمريكا للحد من جماح القوة المفرطة، فإن كثيرين يرون أن إصلاح الأمم المتحدة، بوسعه تقديم خطابٍ يجعل الولايات المتحدة تتخلى عن نهجها الذي حول العالم إلى غابةٍ. فقد طالبت دول عدة بتوسيع مجلس الأمن، وإلغاء حق النقض (فيتو) ومنها مصر، وفي شهر يوليو الماضي أكد المندوب الدائم لمصر في الأمم المتحدة السفير أسامة عبد الخالق أن حق الفيتو لم يعد ملائمًا مع تطورات القرن الحادي والعشرين؛ لأنه يتسبب في عدم تحقيق العدالة الدولية، كما أنه جرى استغلاله لعرقلة قراراتٍ تتعلق بحقوق الشعوب.
وكرر وزير الخارجية د. بدر عبد العاطي الدعوة في سبتمبر بمنتدىً في سلوفينيا من أن إعطاء حق الفيتو لصالح خمس دولٍ فقط لم يعد صالحًا، إما أن يُعطى الآخرون نفس الحقوق، أو إلغاء مبدأ حق الفيتو للجميع. وفي تصوري أن الدرس المستفاد هو في إعادة النظر في الدول التي تريد أن تحافظ على حريتها في جدول أعمالها، في إمكانياتها وغاياتها؛ لأن القوة فقط هي التي تحمي وتصون، وتصد المغامرين ولو إلى حين.