مصيدة البحر الأحمر

4-1-2026 | 15:54

من يرصد ما يحدث من تطوراتٍ متلاحقةٍ في المنطقة، وخصوصًا البحر الأحمر، سيكتشف دون عناءٍ في البحث أو مشقةٍ في التحليل أنَّ هناك شباكَ مؤامرةٍ تلتفُّ حول الدول العربية، ومصائدَ موتٍ تُنصبُ للأمن القومي العربي، ونُذرَ خطرٍ محدقةٍ تدقُّ أبواب أمة العرب؛ فما بين ما يُسمى بأرض الصومال إلى جنوب اليمن، مرورًا بغزة وسوريا ولبنان والسودان، ثم امتدادًا إلى إيران، تمتدُّ خيوط المؤامرة، ويتشكلُ مخطط التقسيم، وتتهندسُ خريطة المنطقة على حساب أمن العرب ومقدرات شعوب الأمة. 

ففي جنوب اليمن تتسارعُ الخططُ وتتشكلُ المخططات الرامية إلى إعلان دولةٍ في الجنوب العربي، وربما تعترفُ بها إسرائيلُ؛ لتكون خنجرًا في ظهر دول الخليج، وخصوصًا المملكة العربية السعودية، كما أنَّ تسمية هذه الدولة المزعومة باسم دولة الجنوب العربي يحملُ دلالاتٍ إستعماريةٍ ورؤىً توسعيةً تعكسُ مخطط التقسيم والهيمنة التي تدعمها قوى الشرِّ.

وبالتوازي مع ما تقومُ به القوى الانفصالية في الصومال لإقامة دولةٍ أخرى على البحر الأحمر لتكتمل مصيدة الأمن القومي العربي مع تمدد غلاف غزة ليضمَّ أراضي في سوريا ولبنان، وإذا ما أخذنا في الاعتبار ما يُحاكُ أيضًا ضد إيران مع تصاعد الحديث عن عملٍ عسكريٍّ جديدٍ، يتأكدُ أنَّ المنطقة حبلى بتطوراتٍ خطيرةٍ وأحداثٍ جسيمةٍ، ستعيدُ هذه المرة تشكيل جغرافيتها وترتب توازناتها لتكون الغلبةُ للكيان الإسرائيليِّ.

الأمرُ جدُّ خطيرٍ ويتطلبُ تحركًا عربيًا عاجلًا وحاسمًا يردعُ قوى الاستعمار الجديد، ويوقفُ أطماع دولة الاحتلال، ويدفعُ قوى الشرِّ التي باتت تهددُ الأمن القومي العربي؛ فقد قالها الرئيس الصوماليُّ صراحةً: إنَّ المعلومات الإستخبارية التي تمَّ التحققُ منها أنَّ إسرائيل اتفقت مع ما يُسمى بأرض الصومال الانفصالية على الاعتراف بها كدولةٍ مقابل قيام إسرائيل ببناء قاعدةٍ عسكريةٍ لها في أرض الصومال، وتوطين الفلسطينيين، والانضمام إلى ما يُسمى باتفاقيات إبراهام، وعند حدوث ذلك فإنه يعني أولًا تهديد الأمن القومي العربي في البحر، وخصوصًا مصر والسعودية، ثم تصفية القضية الفلسطينية عبر تنفيذ مخطط التهجير.

وقد بدا ذلك جليًا في تصريحاتٍ للرئيس الأمريكي ترامب مع نتنياهو قبل أيامٍ؛ حين أعلن ترحيبه بهجرة الفلسطينيين من غزة، وهو ما يُعدُّ انقلابًا على اتفاق خطة ترامب للسلام في غزة.

هكذا تتكشفُ خيوط المؤامرة، ولم يعد الوقتُ في مصلحة العرب، بينما تتسارعُ وتيرةُ التهديدات لتؤكد أنَّ ما يحدث في محيطنا لم يكن مصادفةً، ولا وليد لحظةٍ عابرةٍ، أو نتاج تطوراتٍ مفاجئةٍ، وبالتالي التصدي له أصبح ضرورةً عاجلةً لا تحتملُ التأجيل، ولا تفسيرُها يقبلُ التأويلَ.

هو مشروعٌ للعدو واضح المعالم والأهداف، ويعلن تفاصيلَهُ على الملأ نهارًا جهارًا دون خجلٍ وبلا ترددٍ.. مشروعٌ توسعيٌّ له مرجعيةٌ دينيةٌ تلموديةٌ صهيونيةٌ، هو دولةٌ كبرى من النهر إلى البحر، بينما في المقابل يقفُ العرب غارقين في الأزمات والانقسامات والصراعات، والبحث عن زعاماتٍ زائفةٍ تدعمها وتغذيها قوىً شريرةٌ لا تريد الخير للعرب؛ فهم يفتقدون لمشروعٍ قوميٍّ يصون الأمن القومي العربي، ويحفظ مقدرات شعوبها، ويتصدى للمشروع الصهيوني، وتلك هي الخطورة الناتجة عن غياب أو تغييب المشروع العربي المقابل.

إنَّ تحركًا حاسمًا عاجلًا تجاه إشكالية أرض الصومال بات ضرورةً تفرضها مقتضياتُ الأمن القومي العربي؛ لمنع تموضع إسرائيل في هذا الإقليم؛ لما يشكله من خطرٍ جسيمٍ على أمن المنطقة، بل سيفتحُ صندوقَ شرٍّ على كلِّ الدول، ومن ثمَّ يجب أن يكون هدفُ التحرك هو إعادة وحدة الصومال، ودعم الدولة الوطنية في بسط سيطرتها على كامل التراب الصومالي، ومنع أيِّ قوىً أجنبيةٍ من الحصول على موطئ قدمٍ لها في الصومال، أما التأجيل أو التأخير فهو يعني كلفةً باهظةً، وتكلفةً لا يمكن حساب حجم تأثيراتها أو تحمل مخاطرها على الأمن القومي في المستقبل القريب والبعيد، وخصوصًا في ظل عالمٍ بات خارج السيطرة، ونظامه الدولي أصبح مشلولًا ولا تحكمه القوانين والمواثيق الدولية بفعل الولايات المتحدة التي تتحرك وفق مصالحها وأطماعها دون النظر للقانون الدولي، وهذا ما فعلته في فنزويلا حين دخلت قواتها للعاصمة، واعتقلت رئيسها مادورو في عمليةٍ نوعيةٍ خارج القانون الدولي، تعكسُ حالة الفوضى التي تضرب العالم، وتجعل كل الملفات والقضايا الدولية مفتوحةً على كل السيناريوهات.

وللحق أقول: إنَّ مصر بقدراتها ومقدراتها وشعبها تقف اليوم أمام لحظاتٍ فارقةٍ في التاريخ، تتطلبُ من الجميع الاصطفاف يدًا واحدةً في مجابهة تلك المخاطر، والتصدي لهذه التحركات الخطيرة في البحر الأحمر؛ فقَدَرُ مصر أن تكون محاطةً بطوقٍ من لهبٍ في منطقةٍ تعجُّ بالصراعات والأزمات التي تتطلب وعيًا بخطورتها وإدراكًا بتداعياتها، ونحمد الله أن تأتي تلك التطورات، في حين مصر تمتلك من قوة الردع والقدرة الشاملة ما يجعلها قادرةً على حفظ أمنها القومي، ووقف كل مَن تسولُ له نفسُه المساسَ بأمنها القومي.

حفظ الله مصر وجيشها العظيم.

[email protected]

كلمات البحث
الأكثر قراءة