4-1-2026 | 14:47

قبل أن تغرب شمس 2025 ويبزغ فجر 2026، سُئل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عما يتمناه ويطمح إليه في العام الجديد الذي استقبلناه منذ ساعات قليلة، فكان جوابه المباشر والسريع "السلام على الأرض". وما أجملها من أمنية غالية ننشدها ويحتاجها عالمنا المضطرب حاليًا، لكنه باغتنا بهجوم عسكري على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وقرينته، واقتيادهما إلى نيويورك للخضوع لمحاكمة أمام القضاء الأمريكي بتهم جنائية تتعلق بتجارة المخدرات. 

تبخر وعد السلام والوئام لتحل مكانه لغة القوة والعنف، عبر منشور مكون من 74 كلمة كتبه ترامب على منصة "تروث" المحببة والمفضلة لديه، غير أن هذه الكلمات المحدودة كانت كفيلة وكافية لبعث رسائل غليظة وحاسمة وواضحة بعلم الوصول للساحة الدولية ولمن يهمه الأمر فيها، ويمكن تفصيلها في النقاط الآتية: 

أولا: غير مقبول أن يقول أحد "لا" لأمريكا على وجه الأرض، ومن يتجرأ على قولها، أو حتى الإيعاز بها، فمصيره سيكون مثل مادورو.  

ثانيا: إن واشنطن، في عهد ترامب، تفرض دائما شروطها، وعلى الجميع الرضوخ والانصياع الكامل لها دون اعتراض أو تبرم. 

ثالثا: إن العم سام يمتلك التوكيل الحصري لتحديد صفة الشرعية، التي يمنحها لمَن يريد ويحجبها عمَن يرغب. ولاحظ أن تصريحات كبار المسئولين الأمريكيين ردوا على استهجان وتنديد بعض الدول والمنظمات الدولية، بمهاجمة فنزويلا والإطاحة بالنظام القائم فيها، بالتأكيد أن "مادورو" لم يكن رئيسًا شرعيًا للبلاد، ولا نعلم بناءً على أي أساس وتقدير نزعت منه الشرعية. 

رابعا: إن منطق القوة سيظل الورقة الأمريكية الرابحة، وأن الولايات المتحدة، تحت إدارة ترامب، ترسخ وتثبت قواعد عصر القوة على القانون، فلا مجال لوضع القوانين الدولية في الحسابات والتقديرات، مع العلم أن من بين البنود الرئيسة لهذه القوانين، التي قام على أكتافها النظام الدولي الراهن، احترام سيادة الدول وعدم التعدي عليها بأي صورة من الصور. 

ولم يتحرج ترامب من الإعلان أن المبدأ التاريخي للسياسة الخارجية المعروف باسم "مبدأ مونرو" قد تم تجاوزه، وتحويله إلى "مبدأ دونرو" نسبة إلى اسمه، وقال بمنتهى الوضوح والشفافية: "مبدأ مونرو هو بالتأكيد أمر مهم، لكننا تجاوزناه بشكل كبير، الآن يُسمى مبدأ دونرو". 

وللإيضاح، فإن مبدأ "مونرو" ظل جوهر السياسة الخارجية الأمريكية بعدما أعلنه الرئيس الأمريكي "جيمس مونرو" في ديسمبر 1823، ودعا فيه القوى الأوروبية إلى الامتناع عن مزيد من الاستعمار أو التدخل السياسي في شئون دول نصف الكرة الغربي. 

ومن الآن فصاعدًا ستدير أمريكا خصوماتها وخلافاتها الدولية المتكاثرة وفقا لمبدأ "دونرو"، الذي يجيز ويشرعن استعمار الدول الأخرى بأشكال مختلفة، وليس بالضرورة بإرسال قوات عسكرية ونشرها فيها. 

ويبدو أن التوجه الجديد للإدارة الأمريكية يتمثل في تنفيذ عمل عسكري محدود يهدف إلى تغيير قيادات، وهذا يفتح مجالاً واسعاً أمام الولايات المتحدة للتحرك والتعامل مع قيادات وسياسيي دول أخرى تتعارض أفعالهم مع مصالح الولايات المتحدة وأمنها، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط".

ولا أدري من أين يستمد ترامب يقينه بأن فرضياته وتوقعاته ستتحقق لا ريب، سواء في فنزويلا أو غيرها. وفيما يخص البلد الأول، وحتى في ظل إعلانه أن بلاده ستتولى تسيير شئون بالاتفاق مع أشخاص ومؤسسات وكيانات فنزويلية، فما هي ضماناته الأكيدة أن الاستقرار سيحل؟ ولو افترضنا أن هناك من يعارض نظام "مادورو" وعانى منه، فهل سيقبل هؤلاء وضع أياديهم في يد أمريكا التي استباحت أرضهم وسماءهم وخطفت شخصًا انتخب عبر صناديق الاقتراع؟ 

وهل يضمن ترامب وإدارته أن أوضاع الفنزويليين سوف تتحسن بعد إحكام سيطرته على موارد البلاد الطبيعية، وفي مقدمتها النفط الذي ستهيمن على حقوله شركات أمريكية؟ ولو افترضنا أن جزءًا من خطة أمريكا تنصيب شخص تثق في ولائه، وأنه ليس عدوًا لها ولن يكون عقبة في طريقها، فهل سيقبله الفنزويليون ويتعاونون معه، أم سيتمردون عليه أو عليها، في ظل ما يتردد بالدوائر الأمريكية عن اتجاه النية للدفع بزعيمة المعارضة الفنزويلية المناوئة لنظام "مادورو" نحو المقعد الرئاسي؟ وهل توصلت واشنطن لتفاهمات مسبقة مع القوى السياسية والفاعلة في فنزويلا قبل الإطاحة "بمادورو" تمكنها من الشعور بالارتياح والطمأنينة؟ 

وهل ضمن ترامب جانب الجيش الفنزويلي، وأنه لن يتصدى للعبث الأمريكي بالأراضي الفنزويلية مكتفيًا بدور المتفرج والمتابع من بعيد، علاوة على احتمال تعرض المصالح الأمريكية، ومن ستضعهم في سدة الحكم، لحرب عصابات مريرة تستنزف واشنطن وحلفاءها؟ 

ولماذا ينسى ساسة أمريكا تجاربهم القاسية والمرة في بلدان جربوا فيها الطريقة نفسها وفشلوا فشلا ذريعًا، وهرولوا منسحبين منها بعدما أنفقوا فيها مليارات الدولارات، وحاولوا تنصيب قيادات اختاروها بعناية وتربت في كنفهم، منها الصومال في التسعينيات من القرن العشرين، وأفغانستان والعراق؟ ولم تحصد واشنطن سوى الخسائر الفادحة على الصعيدين الاقتصادي والبشري، ولم يحالفها الحظ في تشكيل هذه الدول على المقاسات الموضوعة بمعرفتها، ولا تزال تجربتهم الفاشلة في أفغانستان ماثلة أمامنا، إذ لم يجدوا بدًا من مغادرتها على عجل، مخلفين وراءهم معدات عسكرية تقدر قيمتها بمليارات الدولارات.   

وأتساءل عما سيكون رد الفعل الأمريكي، إن لجأت الصين، على سبيل المثال، إلى القيام بعمل عسكري ضد تايوان التي تتعامل معها كمقاطعة متمردة على الوطن الأم وتطالب باستعادتها، وبأي منطق ستواصل مطالبة روسيا بوقف حربها في أوكرانيا، التي تعتبرها خطرًا يهدد الأمن القومي للدب الروسي؟

ولا مهرب من التساؤل أيضا عمن سيكون الهدف التالي ببنك أهداف ترامب بعد فنزويلا. 

وتشير المؤشرات الأولية إلى كوبا، التي تلقت تهديدًا مباشرًا من الرئيس الأمريكي، ومعها كولومبيا، لكنني أرجح أكثر احتمال أن تكون إيران الهدف التالي على القائمة؛ فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان من أوائل المهنئين لترامب على هجوم فنزويلا. وبربط الأحداث، فقد عقد لقاء بين ترامب ونتنياهو مؤخرًا، وتركزت مباحثاتهما على إيران، التي تعتبرها تل أبيب الخطر الأكبر المهدد لأمنها، ولا أستبعد أن يكون لها دور في إشعال المظاهرات الأخيرة التي اجتاحت المدن الإيرانية، كما يحرض رئيس الوزراء الإسرائيلي الحليف الأمريكي طوال الوقت على التخلص من نظام الملالي المسيطر على إيران. 

إن الأيام القادمة حبلى بتطورات وتحولات سيكون لها ما لها من تداعيات خطيرة ومصيرية على البشرية والأوضاع الدولية، مع تدشين ترامب لعصر القوة الأمريكي.

كلمات البحث
الأكثر قراءة