ما زال غبار حروب القرن العشرين معلقاً في هواء القرن الحادي والعشرين، يحمل بين ذراته رائحة نظام عالمي ينزف من جميع جروحه. ذلك النظام الذي بني على أسطورة القيادة الأمريكية الأحادية بعد سقوط جدار برلين، ووصف زوراً بأنه "نهاية التاريخ"، يكشف اليوم عن وهنه البنيوي. لقد تحول من يقين جيوسياسي إلى وهم كبير، تتهاوى أركانه الواحد تلو الآخر تحت وطأة تحولات عميقة لم تأخذها الحسابات الغربية في الاعتبار.
كانت السنوات التي أعقبت الحرب الباردة أشبه بحالة من النشوة الطوباوية التي سيطرت على العقل الإستراتيجي الغربي. تصور صانعو القرار في واشنطن أنهم يقفون على قمة التاريخ، وأن العالم سيسير حتماً نحو النموذج الليبرالي في السياسة والرأسمالي في الاقتصاد. لكن هذه الرؤية كانت تعاني من قصر نظر فادح؛ فالنظام الدولي بطبيعته الفوضوية لا يسمح باستقرار دائم لأي قوة عظمى. لقد أغفلوا حقيقة بسيطة لكنها مصيرية، كل هيمنة تخلق مقاومتها الخاصة، وكل قوة عظمى تزرع بذور انهيارها في ذروة مجدها.
لبناء هذه الهيمنة، اعتمدت الولايات المتحدة على ثلاثة أعمدة بدت وكأنها من حجر الصوان: العمود العسكري عبر شبكة عالمية من القواعد وحلف الناتو، والعمود الاقتصادي عبر هيمنة الدولار والمؤسسات المالية الدولية، والعمود التكنولوجي عبر احتكار المعرفة والابتكار. لكن هذه الأعمدة اليوم تتلقى ضربات متتالية من جميع الجهات. فالقدرة العسكرية الأمريكية ممتدة على جبهات متباعدة من أوكرانيا إلى تايوان، والاقتصاد العالمي يشهد تحول ثقله بثبات نحو آسيا، واحتكار التكنولوجيا تحول إلى ساحة معركة مفتوحة مع صعود الصين في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الإستراتيجية.
في هذا المشهد المضطرب، بدأت تبرز قوى جديدة تتحدى التفرد الأمريكي، كل بطريقتها الخاصة. فالصين تقدم نموذجاً للصعود الهادئ لكن الثابت، لا عبر الخطابات الحادة أو التهديدات العسكرية المباشرة، لكن عبر بناء شبكة معقدة من التبعيات الاقتصادية عبر مبادرة الحزام والطريق، وإنشاء مؤسسات مالية موازية، ونسج تحالفات إستراتيجية مع القوى الإقليمية. إنها تثبت أن الهيمنة في القرن الحادي والعشرين يمكن أن تلبس ثوب الشراكة الاقتصادية قبل الرداء العسكري. في المقابل، تختار روسيا طريق المواجهة المباشرة، مستخدمة القوة العسكرية بجرأة في أوكرانيا لترسيم حدود جديدة للنفوذ الغربي، ومستفيدة من أوراق الطاقة والغذاء كأسلحة جيوسياسية في حرب استنزاف طويلة النفس.
لكن التحدي الأعمق للهيمنة الأمريكية لا يأتي فقط من الخارج، إنما ينبع من الداخل. فالانقسام السياسي الحاد بين جمهوريين وديمقراطيين حول القضايا الدولية يجعل السياسة الخارجية الأمريكية متقلبة وغير موثوقة في عيون الحلفاء. والنزعات الشعبوية الداعية إلى الانكفاء على الذات تهدد بتمزيق النسيج التحالفي الذي بنته واشنطن على مدى عقود. والأكثر خطورة، أن تحالفاتها الخاصة في مناطق مثل الشرق الأوسط أصبحت أعباء إستراتيجية تستنزف مواردها وتصرف انتباهها عن التحدي الأكبر: الصعود الصيني المنهجي.
وإذا كانت الحرب في أوكرانيا قد كشفت عن حدود القدرة الغربية على حسم الصراعات لصالحها، فإن مستنقعات الشرق الأوسط من العراق إلى سوريا إلى اليمن تثبت أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع استقراراً. على العكس، تترك وراءها فراغات سياسية وأمنية تمتلئ بالقوى غير الحكومية والصراعات الطائفية، في حلقة مفرغة من العنف وعدم الاستقرار.
هذا التحول البنيوي يقودنا حتماً إلى عالم جديد، ليس هو عالم التعددية القطبية الهادئة التي يتخيلها البعض، هو عالم الفوضى الخلاقة بامتياز. عالم تتصارع فيه قوى عظمى عبر وكلاء في ساحات إقليمية، وتتنافس على قلوب وعقول الدول النامية بوعود اقتصادية وأمنية. عالم تذوب فيه الحدود بين الحرب والسلم، حيث تتحول السلاسل التكنولوجية والتجارية إلى أسلحة إستراتيجية في حرب باردة جديدة. عالم تضعف فيه المؤسسات الدولية وتتآكل الشرعية العالمية، لتحل محلها تحالفات سائلة قائمة على المصالح الآنية، قد تتشكل وتتفكك حول قضية واحدة.
في هذا المشهد، تبرز نقاط اشتعال قد تحول الفوضى إلى حريق شامل. فتايوان ليست مجرد جزيرة، بل هي الخط الأحمر الذي قد تشتعل عنده المواجهة المباشرة بين القوتين العظميين. وبحر الصين الجنوبي هو ساحة اختبار للإرادات المتصادمة. والموارد الإستراتيجية من الطاقة إلى المعادن النادرة تتحول من سلع تجارية إلى أوراق ضغط في لعبة القوة الكبرى.
أمام هذه التحولات الجيوسياسية العميقة، تظهر حقيقة مؤلمة، أن العالم لم يعد آمناً أو أكثر استقراراً بزوال الهيمنة الأحادية. على العكس، نحن نعيش في مرحلة انتقالية خطيرة، حيث تزداد احتمالية النزاعات الإقليمية الكبيرة، وتنتشر الحروب بالوكالة، ويتآكل القانون الدولي لصالح منطق الغابة حيث القوي يأكل الضعيف.
وفي هذا البحر المتلاطم الهائج، على السفن الصغيرة والمتوسطة أن تتعلم فنون الملاحة الجديدة. فالنظام القادم لا مكان فيه للضعفاء أو المتواكلين. البقاء للأكثر مرونة واستعداداً للتكيف، للأقدر على المناورة بين الأقطاب المتصارعة، للأذكى في استغلال التنافس الدولي لخلق هامش للحركة وتحقيق المصالح الوطنية. لم يعد كافياً أن تكون تابعاً مخلصاً لقوة عظمى، لكن يجب أن تكون شريكاً ذا قيمة، أو لاعباً إقليمياً فاعلاً، أو على الأقل، كياناً متماسكاً داخلياً يصعب اختراقه أو ابتلاعه.
الخلاصة التي تفرض نفسها بهدوء لكن بثبات، نحن نعبر من عالم كان يحلم بقيادة واحدة، إلى عالم تغزوه الفوضى الخلاقة. المستقبل ليس محتوماً نحو الهاوية، لكنه بالتأكيد لن يكون سهلاً أو مريحاً.
السؤال المصيري الذي يواجه جميع دول العالم، كبيرها وصغيرها، هو هل تمتلك الشجاعة والحكمة لرسم مسارها في هذا الضباب الجيوسياسي الكثيف، أم ستستسلم لقدرٍ تكتبه لها عواصم القوى الكبرى؟ الإجابة ليست في الكتب أو النظريات، إنما في الإرادة السياسية، والرؤية الإستراتيجية، والقدرة على قراءة تحولات العالم العميقة دون خوف أو أوهام.
فالتاريخ لا ينتهي، والمستقبل لا ينتظر ..والغبار الذي نراه اليوم ليس نهاية الطريق، إنه علامة على أن شيئاً قد تحرك، وأن شيئاً جديداً يولد من رحم الفوضى. والسؤال الأبقى هو أي عالم نريد أن نولد له؟.