بدأ قنديل أولى محطات رحلته التي يأمل أن تنتهي بـدار الجبل، ليعود منها بمادة لكتابه عن تجارب الأمم. أول دار زارها هي دار المشرق، رأى الناس عراة بدون أي ملابس، فاكتفى بستر عورته بوزرة خفيفة، ومع ذلك بدا غريبًا في المكان. الدار بدائية فقيرة لكنها تنعم بالبساطة، لا يلفت النظر فيها شيء سوى قصر الحاكم الفخم وسط البداوة المترامية.
أثناء تجواله، التقت عينا قنديل بفتاة أعجبته، فناداه والدها وسأله إن كانت الفتاة راقته، ثم سألها فأجابت ببساطة: "هو مقبول يا أبي." .. وأخذته إلى مكان مغلق. اندهش قنديل من سهولة الأمر ثم علم أن هذا هو الطبيعي في المشرق: "الفتاة تختار الرجل، ومتى ملت منه تركته واحتفظت بالأطفال."
بعد أيام، التقى قنديل بحكيم الدار وبدأ يسأله عن طبيعة العلاقات بين الرجل والمرأة في الدار. قال الحكيم: "نحن بسطاء نحب البساطة" فقال قنديل: "لكن عندنا نظام زواج يحمي الأسرة." ابتسم الحكيم وأجاب: "غالبًا ما تنتهي زيجاتكم بكوارث، وما يستمر منها يعيش على فضيلة الصبر لا الحب. كلا نظامنا أبسط وأفضل" وعندما قال له قنديل إن حتى الحيوانات تغار على شريكها، أجابه الحكيم مبتسمًا: "فلنكن أفضل من الحيوانات." تقزز قنديل ولكنه سأله كيف لحكيم مثلك أن يعبد القمر ويتصور أنه إله، فأجابه محتدًا: "نحن نراه ونعرف لغته. أما أنت، فهل ترى إلهك؟" قال قنديل: "إلهي لا يرى." فردّ الحكيم ساخرًا: "إذن أنت تعبد اللاشيء."
غضب قنديل من الحوار ومن سخريات حكيم المشرق، لكنه قرر أن يسمع أكثر ويجادل أقل. عاد إلى الفتاة وطلب الزواج منها، فضحك والدها طويلًا، ووافقت هي بشرط أن تنتهي العلاقة متى أرادت. أنجب منها أطفالًا، وامتدت علاقته بها على غير عادة أهل المشرق. لكن حين حاول أن ينشئ أولاده على دينه، غضبت الفتاة واتهمته بأنه يعلمهم الكفر وعبادة اللاشيء. وصل الخبر إلى الحاكم، فصدر القرار بطرده وهكذا غادر قنديل دار المشرق، متجهًا نحو دار الحيرة.
كانت الحرب قد اندلعت بين الدارين؛ أعلنت الحيرة أنها شنتها "لتحرير العبيد"، بينما رأى أهل المشرق أن السبب الحقيقي هو الطمع في ثروات الحكام الأربعة. وكعادته، التقى "حكيم الدار". قال له الرجل مبتسمًا: "لقد أرسلوك إلي باعتباري الحكيم، ولكن الحكيم الحقيقي هو الملك الإله؛ يعتكف في غرفته حتى يلتحم بنور الإله، ومنه تصدر القرارات كلها." فسأله قنديل: "وكيف يتصرف الملك في ثروات البلاد؟" فضحك الحكيم وقال: "وهل يسأل إله عما يفعل؟ الصفوة من أسرته يديرون شئون البلاد، أما العامة فيدربون على فضيلة الطاعة والانقياد."
انتصرت الحيرة، وأعلن عن مزاد علني لبيع العبيد!! — وجد قنديل فتاته معروضة بين الأسرى. استعاد عروسه المنهارة التي حدثته عن بشاعة الحرب ومصير الأطفال المجهول.
في اليوم التالي، وصلته رسالة من الحكيم يطلب فيها شراء الفتاة، مرفقة بتهديد مبطن إن رفض. وحين أصرّ على موقفه، لفقت له التهم، وزج به في السجن عشرين عامًا، حتى وقع انقلاب فأفرج عنه. خرج قنديل من السجن مثقلًا بخيبته، وشد رحاله نحو دار الحلبة، بحثًا عن معنى جديد للحياة والحرية.
زار قنديل دار حلبة حيث الحريات التي تصل لحد الفوضى ودار الأمان حيث الخصوصية المهدرة بالكامل ثم وصل إلى دار الغروب، وهي المحطة قبل الأخيرة في طريقه نحو دار الجبل — الهدف الأسمى من رحلته الطويلة. دار الغروب أرض بديعة تمتد بلا حدود، يسودها طقس جميل طوال العام، وفواكهها متاحة للجميع. لا حراسة فيها ولا سرقات، بل لا منازل ولا بنسيونات، فهي أرض خيرات وسكون. حاول قنديل أن يتحدث إلى من صادفهم هناك، لكنهم كانوا قلائل، يجلسون في حالة تأمل عميق، لا يجيبون ولا يشعرون حتى بوجوده. احتار في أمرهم حتى أرشده صاحب القافلة إلى الحكيم معلم المكان.
قرأ الحكيم تاريخه وأفكاره، فاندهش قنديل من قدراته، وسأله إن كان حاكمًا لتلك الدار، فأجابه: "لا حاكم هنا، إنما أنا معلم أدرب من يريدون الوصول إلى دار الجبل." قال قنديل: "وإن قررت الذهاب الآن؟" فأجابه الحكيم: "ستكون كالحيوانات، بلا وسيلة تواصل." فسأله عن نوع التدريب والزمن المطلوب وكيف يعرف أنه بلغ الغاية، فقال المعلم: "التدريب هو لاكتشاف الكنوز المطمورة في داخلك، والزمن يختلف من إنسان لآخر. وستعلم أنك مؤهلًا عندما تطير بلا أجنحة." ذهل قنديل وسأله: "أهذا على سبيل الرمز؟" فأجابه الحكيم: "بل هي الحقيقة."
بدأ قنديل التدريب مع آخرين، وذات صباح ذهب إلى معلمه قائلًا: "ها أنا ذا." فسأله المعلم: "ما الذي أحضرك؟" قال: "دعوة صدرت منك إليّ." فقال المعلم مبتهجًا: "تلك بداية طيبة، وأول الغيث قطرة."
لكن ما لبث أن حدث غزو من دار الأمان، وأمر القائد أهل الغروب بالعمل في الأرض أو الذهاب إلى دار الجبل. حذرهم الحكيم قائلًا إنهم لم يحصلوا على التدريب الكافي بعد، لكنهم أصروا على الرحيل. رافقهم قنديل، غير أن مذكراته انقطعت عند هذه النقطة، ولا نعلم إن كان قد وصل إلى دار الجبل أم لا.
المعنى والتحليل
تمثل دار المشرق أول مراحل الرحلة الرمزية لقنديل بن فطومة، وهي صورة للحياة الإنسانية البدائية قبل أن تعرف القوانين والرسالات والعقل المنظم. يعيش الناس فيها عراة كما ولدوا، جسديًا وروحيًا. علاقاتهم قائمة على الغريزة، ودينهم على عبادة المحسوس.
الحوار بين قنديل وحكيم القمر يجسد الصدام بين الإيمان الغيبي والإيمان الحسي، بين الإنسان الباحث عن معنى يتجاوز الطبيعة، والإنسان العالق في أسرها. عندما حاول قنديل إدخال القيم الدينية في هذا العالم، طرد منه لأنه جاء بالمعرفة إلى أرض البراءة.
أما دار الحيرة، فهي نقيض دار المشرق: من الفوضى إلى النظام، ومن الغريزة إلى الطاعة، لكنها طاعة عمياء. هنا يتحول الحاكم إلى "إله"، وتصبح قراراته وحيًا لا يسأل عنه. تشن الحروب الوحشية باسم الفضيلة، ويباع المحررون في الأسواق، ويقمع الإنسان باسم النور الإلهي.
دار الجبل تمثل دار الكمال أو الحقيقة المطلقة، والوصول إليها يقتضي التأمل واستخراج الكنوز المطمورة في النفس، أي بلوغ الصفاء الروحي. هي النيرفانا في البوذية، أو الفناء في الصوفية، حيث يفنى الإنسان في المطلق ويزول الإحساس بالفصل بين الذات والكون.
دار الغروب هي مرحلة السكينة والتأمل قبل الفناء، حيث تسكن الحركة ويبدأ الصمت، وحيث يفقد الكلام معناه لأن التواصل يصبح بالحدس الداخلي لا باللغة. أما الحكيم فهو صورة المعلم الروحي أو الشيخ الصوفي الذي لا يمنح الحقيقة، بل يوجه السالك لاكتشافها بنفسه. وقوله: "ستعلم أنك بلغت عندما تطير بلا أجنحة" هو رمز لتحرر الروح من قيود الجسد، والوصول إلى حالة من الإدراك لا تحتاج لأدوات مادية.
انقطاع المذكرات في النهاية مقصود، فمحفوظ يترك الباب مفتوحًا للتأويل: هل بلغ قنديل دار الجبل وفني في الحقيقة؟ أم بقي في الطريق إليها؟ هكذا تتحول الرواية إلى تأمل في معنى الرحلة نفسها، لا في نهايتها. فالمعرفة عند محفوظ ليست في الوصول، بل في السعي الدائم نحو النور.
في النهاية، تبدو دار الغروب عند نجيب محفوظ محطة الصفاء قبل الفناء، ودار الجبل هي رمز الوعي الكامل الذي لا يقال ولا يكتب. أما قنديل، فهو الإنسان الأبدي في بحثه عن الحقيقة، يخطو خطوة بعد أخرى نحو نور لا نهاية له.