إن أردتم أن تنصحوهم صاحبوهم، صاحبوهم بمنتهى الصدق والرغبة والاقتناع والفهم لأهمية تلك الصداقة.. صاحبوهم إن أردتم حقًّا أن يتقبلوا منكم النصيحة.
اعلموا أن نصيحة الصديق تختلف تمامًا عن نصيحة الأب والأم التي تعتبر دائمًا -بالنسبة لهم- طلقات نارية من العيار الثقيل، الذي لا تحتمله قلوبهم ولا تتقبله عقولهم.
ولِمَ لا وهي تنطلق نحوهم من ألسنة وعيون وعقول منهكة مرهقة ومثقلة بسنوات طويلة من الهموم والمسئوليات، فرفقًا بهم، لا تطلقوها عليهم بأثقالها فتخنقهم بلا رحمة.
أعلم أنكم تريدون صادقين أن تصاحبوهم، لكن المشكلة دائمًا فيهم، هم من يرفض صداقتكم دائمًا! أو هكذا ترددون. لا تقلقوا فالحل بسيط وقريب لكنكم تغضون عنه أبصاركم عمدًا لكسل أو ربما كبرٌ أصاب نفوسكم. البعض لا وقت لديه يضيعه في مناقشة هؤلاء المعتوهين الذين لا يبالون لشيء إلا زيادة المصروف وشراء موبايل جديد!
في حين تراهم يضيعون ساعات طويلة على المقهى! وآخرون تعجبوا وتساءلوا كيف ننحدر إلى مستواهم بكامل إرادتنا لنناقشهم في أمور هم لا يعرفون عنها شيئًا من الأساس؟ لابد وأن ينصاعوا لأمرنا فنحن الأعلم.. نحن الأقدر على رسم خطاهم.
حسنًا يا سادة.. هل فكرتم وأنتم تحاولون مصاحبتهم أنكم لابد وأن تكونوا على علم ودراية باهتماماتهم، لغتهم وألفاظهم ومصطلحاتهم الخاصة التي اعتادوها فيما بينهم. لا تتعجبوا، ألم أخبركم أن الأمر يحتاج جهدًا!
كل ما أطلبه منكم أن تتذكروا أنكم في مثل هذه السن كانت لكم مصطلحاتكم الخاصة التي كان يستغربها الكبار وربما استاءوا وسخروا منها، وأنتم تتعجبون وتتساءلون لِمَ يفعلون ذلك؟
هو صراع الأجيال يا سادة فلا تتركوه يدمر علاقتكم بهم.
إن أردتم جادين أن تصاحبوهم، فلابد وأن تنسوا أعماركم الحقيقية، اعتبروها فرصة للهروب من مشكلاتكم اليومية، دعوة مفتوحة للعودة إلى عمر الشباب؟ انزلوا إليهم، عيشوا معهم وكأنكم في مثل عمرهم وتعاملوا على هذا الأساس.
كونوا على يقين أنهم لن يستطيعوا الصعود إليكم، ليس عيبًا فيهم أو تقصيرًا منهم، لكنهم لا يعلمون شيئًا عن هذا العمر، لا يعرفون تفاصيله، لم يجربوه من قبل. أما أنتم فقد جربتم هذه السن بشقاوتها ومغامراتها وكل بلاويها، أنت من عشت حياة الطفل والصبي والشاب، أنت من تمتلك خبرة السنين والتعامل مع الآخرين في مختلف المواقف، أنت من أثابه هذا الأستاذ وعوقب من الآخر، أنت من تعلم كيف يرضي معلمه، كيف يرضي أبويه في مختلف المواقف، أنت الشاب الذي أحب وانصدم في حبه، وعرف كيف يقف مرة أخرى على قدميه.
لا تتصور أن نصيحتك لهم عبقرية هبطت عليك من السماء، تساءل قبل أن تطلقها في وجوههم: من أين أتت؟ سوف تكتشف أنها خبرة تراكمت عبر السنين من مواقف تلو مواقف، فلا تطلب منهم أن يستوعبوها بمنتهى البساطة! وهل استوعبتها وأنت في مثل عمرهم ببساطة؟ فقط تذكر ما كنت عليه وأنت في مثل عمرهم، وليس ما صرت إليه بعد كل تلك السنين.
افهم يا صديقي أنهم لا يعرفون شيئًا عن عمر الأربعين والخمسين الذي تعيش وتنعم في خبراته ونضجه، ولن يقتنعوا بشيء تقوله.
أقولها لك وقد جربت وعشت هذا الموقف، بل أزيدك من الشعر بيتًا وأقسم لك أن أصدقاء على أعلى مستوى من النجاح قد أقسموا لي أن أبناءهم يرونهم فاشلين! نعم كما قرأت.. فاشلين.. جعلني هذا أنظر وأراقب وأحلل وأستنتج أن المشكلة الحقيقية أنهم لا دراية لهم بحكمتنا وخبرتنا التي تراكمت عبر سنين طويلة، فكيف إذن نطالبهم بالالتزام بأمور لا يعلمون عنها شيئًا؟ كيف نطلق في وجوههم كلمات ومصطلحات لا يعرفون عنها شيئًا، لا يفهمونها!
اعلموا أن مصاحبتهم إن كانت تتطلب أن تتحدثوا بأسلوبهم فهذا ليس عيبًا.
بالطبع أنا لا أطالبكم أن تتنازلوا عن مبدأ أو تتخلوا عن قيمة، كل ما أطلبه أن تدعوهم إلى تلك المبادئ والقيم بالأسلوب الذي يفهمونه، بالطريقة التي تجذبهم إليه ولا تنفرهم منه ومنكم.
عندما تفكرون في مصاحبتهم تذكروا أنه لا صداقة بدون تفاهم وتقارب بين الأصدقاء.. وطالما أنه لا يمكنهم الصعود إليكم لبناء تلك الصداقة، انزلوا أنتم إليهم حتى تصلهم نصيحتكم.
أخبروني بالله عليكم هل رأيتم صداقة بين شاب عمره خمسة عشر عامًا ورجل في الأربعين، أو آخر عمره عشرون ورجل في الخمسين. قد تكون هناك زمالة عمل، احترام متبادل يجعل الصغير يستمع إلى الكبير بتأدب أو يجعل الكبير ينصت إلى الصغير ببعض الاهتمام، لكن من المستحيل أن تكون صداقة بالمعنى المفهوم، اللهم إلا ما ندر. إن تكوين صداقة بين تلك الأعمار المتفاوتة يتطلب جهدًا أراه يقع على عاتق الكبار بكل قوة، أن ينزلوا من أبراجهم العاجية العالية التي تحملها سنوات عمرهم الطويلة فوق أكتافها، أن يهبطوا إلى هؤلاء الصغار الذين لا يعلمون عن الحياة إلا ما أخبرتهم إياه على مدى عشرة أو عشرين عامًا فقط.
لا تنصحوهم ثم تسبوهم -إن لم يستجيبوا لنصائحكم- بألفاظ مثل غبي.. متخلف.. عبيط.. أهبل، فهي مصطلحات تخلق لديهم بمرور الوقت عقدة وربما صدق بعضهم أنه كذلك بالفعل. وللمرة المليون أطلب منكم أيها السادة أن تتذكروا حالكم وأنتم في مثل عمرهم، هل كنتم تتقبلون النصيحة بمنتهى الهدوء والابتسامة تملأ وجوهكم؟ أم كنتم تنقمون على من يتحدث وتتمنون زواله من الدنيا في تلك اللحظة؟ هل كنتم تتفهمون ما يقول أم تتعجبون من ضيق أفقه وتخلفه ورجعيته؟ ألم تنظروا إليه بمنتهى التهكم وهو يطلق نصائح بالية عفا عليها الزمن وأصبحت غير مجدية في عصركم؟ ألم تتمنوا ألف مرة أن يفهم أنكم جيل مختلف له متطلباته الخاصة؟ كم مرة تمنيتم أن يتحدثوا معكم ويناقشوكم ليفهموا احتياجاتكم فتكون نصائحهم ذات صلة بمشكلاتكم الحقيقية؟
إن كان الأمر كذلك، فَلِمَ لا تفعلون ذلك معهم الآن؟ لِمَ تصرون على تكرار المأساة التي طالما تضررتم منها.
استمعوا إلى النداء، فهو صادق ومن القلب: صاحبني من فضلك.