في فيلمها الملحمي "فلسطين 36"، تقدم المخرجة والمؤلفة الفلسطينية آن ماري جاسر وثيقة بصرية مذهلة تحاول استنطاق التاريخ وإعادة تلوين رماد لحظة مفصلية تشكلت فيها الهوية النضالية الفلسطينية الحديثة.
في ذلك الفيلم الذي يعد واحدا من أضخم الإنتاجات العربية والعالمية التي تناولت سنوات الثورة الفلسطينية الكبرى، تتضافر الجهود التقنية والفنية لتقديم تجربة تتجاوز حدود المشاهدة التقليدية لتصبح حالة من الانغماس الحسي في زمن مضى، حيث يقف المشاهد وجها لوجه أمام شوارع القدس العتيقة وجبال الجليل وقرى الريف الفلسطيني كما كانت عليه قبل النكبة، نابضة بالحياة والألوان والتفاصيل الدقيقة التي كاد الزمن أن يطويها.
بداية وقبل الحديث عن الفيلم يجب الإشادة بنقطة قوة مركزية تفرض نفسها على المتلقي منذ اللحظات الأولى، وتتمثل في المعجزة التقنية التي تحققت عبر توظيف الذكاء الاصطناعي ببراعة لا يقلل منها قليل من الأخطاء، فقد تجاوز صناع العمل الاستخدام التقليدي للأرشيف كفواصل تسجيلية، وعمدوا إلى دمج اللقطات التاريخية النادرة داخل النسيج الروائي للفيلم، مستخدمين خوارزميات التعلم العميق لترميم الأشرطة القديمة المهترئة، ورفع جودتها إلى دقة عرض فائقة الوضوح، ومعالجة سرعة الإطارات لتتوافق مع انسيابية السينما الحديثة، مما ألغى الفوارق الزمنية بين ما صُوّر بالأمس وما التقطته عدسات الكاميرا اليوم، ليجد المشاهد نفسه أمام نسيج بصري واحد متجانس، تتداخل فيه وجوه الناس الحقيقيين من عام 1936 مع وجوه الممثلين المعاصرين، في تناغم لوني وبصري يثير الدهشة ويمنح العمل مصداقية توثيقية نادرة الحدوث.
يأخذنا هذا الإنجاز البصري مباشرة إلى الرؤية الإخراجية لآن ماري جاسر، التي أثبتت نضجا فنيا كبيرا في إدارة هذا المشروع الضخم، حيث نجحت في تحريك المجاميع البشرية الكبيرة في مشاهد المظاهرات والإضراب العام بأسلوب يجمع بين الفوضى العفوية للثورة وبين التكوين الجمالي للكادر السينمائي، وقد استطاعت الكاميرا أن تلتقط حرارة الشمس على الوجوه السمراء، وغبار المعارك في الأزقة الضيقة، وتفاصيل الملابس التراثية التي تعكس الهوية الثقافية للمجتمع الفلسطيني آنذاك، مدعومة بإدارة تصوير عبقرية وحدت "باليتة" الألوان لتصبغ الفيلم بمسحة ذهبية وترابية تعكس عبق التاريخ ودفء المكان، مما جعل الصورة بطلا رئيسيا يوازي في حضوره أبطال العمل من الممثلين.
الفيلم يزخر بكتيبة من الممثلين الذين قدموا أداء رفيع المستوى، ومن بينهم النجمة الفلسطينية هيام عباس والممثل الفلسطيني الكبير كامل الباشا، مع ياسمين المصري، وجلال الطويل، وصالح بكري، ويافا بكري، وكريم داود عناية، وبيلي هاول، وظافر العابدين، وليام كنينغهام، والطفلان وورد حلو، ووردي العَبوني، بجانب النجم العالمي جيريمي آيرونز الذي قدم شخصية المندوب السامي البريطاني ببرودة إنجليزية مخيفة، عاكسا وجه الاستعمار البيروقراطي الذي يوقع قرارات الإعدام ونسف البيوت بهدوء تام وكأنها معاملات إدارية روتينية، مما أضاف للفيلم بعدا عالميا وساهم في تعرية العقلية الاستعمارية أمام الجمهور الغربي.
وفي سياق الشخصيات التاريخية، يحسب للفيلم استحضاره لشخصيات محورية شكلت ملامح تلك الفترة، حيث ظهر القائد العسكري البريطاني أورد وينجت، الذي جسده ببراعة الممثل البريطاني روبرت أرامايو، مظهرا وحشية هذا الضابط الذي أسس "فرق الليل" لتدريب العصابات الصهيونية على القتال الليلي واقتحام القرى، وقد ظهر وينجت في الفيلم كشخصية موتور، مسكونة بهاجس العنف والتوراتية العسكرية، مما شكل إدانة واضحة للدور البريطاني في تأسيس العقيدة القتالية الإسرائيلية.
تنتقل بنا هذه الشخصيات المتعددة إلى بنية السيناريو، الذي اختار السرد الملحمي المتشعب وسيلة للإحاطة بكل جوانب الثورة، فتنقلت الأحداث بين المدن والقرى، وبين صالونات السياسة وميادين القتال، وبين الموانئ والجبال، في محاولة لرسم لوحة فسيفسائية شاملة للمجتمع الفلسطيني، وكلها مشاهد صيغت بلغة سينمائية رفيعة تليق بعظمة الحدث التاريخي. رغم تحفظي على مشهد جمع التبرعات للثوار، الذي أظهره وكأنه تبرع بالإكراه بل ومشوب بالسرقة، وأرى أن تفصيلة بسيطة كتلك أضرت بالسيناريو أكثر بكثير مما أفادته.
وقد نجح هذا الأسلوب في تقديم بانوراما واسعة للأحداث، تجعل المشاهد يدرك حجم الحراك الشعبي وشموليته، وتوضح كيف توحدت مختلف طبقات المجتمع من فلاحين ومثقفين وعمال في مواجهة الانتداب، مما يعزز من قيمة الفيلم كوثيقة تاريخية شاملة تسعى لإنصاف الذاكرة الوطنية.
ولكن بموازاة هذا الطموح الملحمي، واجه الفيلم تحديات برزت في عمق المعالجة الدرامية للشخصيات، حيث أدى التوسع الأفقي في السرد وكثرة الخطوط الدرامية إلى بقاء بعض الشخصيات في إطار الرمزية، فبدت أحيانا كنماذج تمثل فئات اجتماعية أكثر من كونها شخصيات لحم ودم تمتلك تعقيدات نفسية ودوافع ذاتية متناقضة، وقد طغى الهم العام والحدث التاريخي الجلل على التفاصيل الإنسانية الصغيرة، مما جعل المشاهد يتابع الأحداث بانبهار عقلي وتعاطف وطني، وربما تمنى في بعض اللحظات اقترابا أكثر حميمية من دواخل الأبطال وهواجسهم الفردية بعيدا عن ساحات المعارك وصخب الهتافات.
حضور الجرائم وغياب الجرائم
في قراءة متأنية للسردية التاريخية التي تبناها الفيلم، نجد تركيزا مكثفا ومقصودا على جرائم الانتداب البريطاني، حيث برع الفيلم في تصوير وحشية الجيش البريطاني، وعمليات العقاب الجماعي، ونسف القرى، والإعدامات الميدانية، مما يجعل الفيلم مرافعة سينمائية قوية ضد الاستعمار البريطاني، ويضع بريطانيا أمام مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية عن نكبة الشعب الفلسطيني، وهذا التركيز يخدم الفيلم في المحافل الدولية كونه يخاطب الغرب بلغة نقد الاستعمار التي أصبحت مقبولة وشائعة في الخطاب الثقافي العالمي اليوم.
ولكن في مقابل هذه الزاوية التي اختارها صناع العمل، بالإشارة إلى الدور التأسيسي للبريطانيين في دعم المشروع الصهيوني عبر شخصيات مثل وينجت، غابت الجرائم المستقلة والمباشرة للعصابات الصهيونية مثل "الإرغون" و"الهاغاناه" في تلك الفترة المحددة (1936-1939) وبقيت في الظل قليلا مقارنة بحضور الجيش البريطاني الطاغي، رغم أن التاريخ يذكر أن تلك السنوات شهدت بداية إرهاب الأسواق والتفجيرات التي استهدفت المدنيين العرب في حيفا والقدس على يد هذه العصابات، وكان من شأن تسليط الضوء بشكل أكبر على هذه الجرائم أن يكمل المشهد الدموي الذي عاشه الفلسطيني، ويوضح أنه كان يواجه عدوا مزدوجا يتبادل الأدوار في القمع والقتل.
ختاما، يشكل فيلم "فلسطين 36" علامة فارقة في تاريخ السينما الفلسطينية والعربية، فهو عمل يمتلك الجرأة على الحلم، والقدرة على التنفيذ بمواصفات عالمية، مقدما وثيقة بصرية تحفظ الذاكرة من التلاشي، وتعيد الاعتبار لجيل الثورة الكبرى، ورغم الملاحظات النقدية حول تشتت السرد أو خيارات التركيز التاريخي، يظل الفيلم إنجازا فنيا يستحق الاحتفاء، وجهدا جبارا في معركة الرواية والصورة، مؤكدا أن السينما قادرة على أن تكون أداة مقاومة، ووسيلة لاستعادة الحق في سرد التاريخ كما عاشه أصحابه، لا كما كتبه المنتصرون، ليبقى "فلسطين 36" شاهدا حيا، ملونا بدماء الشهداء وعرق الفلاحين، على حقبة أسست لكل ما تلاها من صراع وبقاء.
وفي رأيي يمتلك "فلسطين 36" مقومات قوية تؤهله للمنافسة الجادة على جائزة أوسكار أفضل فيلم دولي، فالجمع بين القضية العادلة، والجودة الإنتاجية الضخمة، والابتكار التقني في استخدام الذكاء الاصطناعي، وحضور نجوم عالميين، كلها عناصر تجذب انتباه أعضاء الأكاديمية، كما أن قدرة الفيلم على تقديم سردية فلسطينية بلسان سينمائي عالمي يجعله سفيرا قويا للقضية، قادرا على اختراق الجدران الثقافية وتقديم الرواية الفلسطينية لجمهور قد لا يعرف عنها الكثير.