عصر الوميض.. واستثناء القراءة

1-1-2026 | 16:37

كان الفيلسوف العظيم ‏"إيمانويل كانط" -ذلك الرجل الذي قاس الزمن بالملعقة- يزن إفطاره، ويحسب خطواته، ويُدقّق في مواعيد مشيه كأنه يُوقّع عقدًا مع الدقائق.. كل شيء عنده له حدّ.. إلا القراءة.. كأنها الشيء الوحيد الذي يُسمح له بالخروج عن النظام.. لماذا؟ هل القراءة بطبيعتها عصيّة على القيد؟ أم لأنها الفوضى الجميلة التي لا يعيش العقل بدونها؟ يقال إن «كانط» خالف نظامه وكان السبب كتابًا.. كتابًـا هزّ عقله.. فهل الكتاب الجيد جريمة تستحق العقاب؟ أم خلاصًـا يستحق الاستثناء؟

نحن اليوم نقرأ أكثر من أي وقت مضى.. نقرأ في الهاتف.. نقرأ في المصعد.. نقرأ ونحن ننتظر الإشارة الخضراء.. نقرأ.. نعم.. لكن هل نفهم؟.. وهل كل قراءة قراءة؟ علماء الاجتماع يقولون إننا دخلنا عصر «قراءة الوميض».. لم نعد نقرأ، بل نلمح.. نمرّ على العنوان كما يمرّ البرق.. نلتقط كلمة.. نبتلع نصف جملَةٍ.. ثم نحكم.. ونغضب.. ونُعلّق.. ونُدين.. دون أن نعرف عمّا نحكم.. نقرأ تصريحًـا فنفهم عكسه.. نقرأ منشورًا فنُسيء الظنّ بصاحبه.. نقرأ رسالَةً من صديق فنخسره.. ألهذه الدرجة صارت الكلمات خائنة؟.. أم أننا لم نعد نصبر عليها؟.. القراءة لم تعد رحلة.. صارت محطَةً عابرة.. نقف فيها ثانيتين… ثم نغادر.. فكيف نعود إلى القراءة التي لا تُربك، بل التي تُطمئن؟ التي لا تُسلّي.. بل التي تنير الطريق والفهم والعقل.. التي تفتح الأسئلة، لا التي تغلقها؟

الكاتبة الكورية "هوانج بو-روم"، في كتابها "أقرأ كل يوم"، تقدّم لنا مفاتيح صغيرة.. ثلاثة فقط.. لكن الأبواب الكبيرة تُفتح أحيانًـا بمفاتيح صغيرة.. تقول: اقرأ كل يوم.. لا تنتظر الوقت المثالي.. فالوقت المثالي كائن خرافي.. اقرأ سطرين، صفحة، حتى فقرَةً، لكن عد إلى الكتاب نفسه.. دعه يعرفك.. ودعه يألفك.. فالكتب مثل البشر، لا تحب الهجر.. ثم النصيحة الثانية، تقول: لا تُكمل الكتاب.. نعم، لا تُكمله.. تحرر من ذنب الإكمال..

فالقراءة ليست سباقًـا، وليست واجبًـا مدرسيًا، إنها طقس.. والطقوس لا تُؤدّى بالعجلة.. وتقول أخيرًا في نقطتها الثالثة: اكتب ما تقرأ.. لأن القارئ الحقيقي يعيد كتابة العالم في رأسه.. ولأن الفكرة حين نكتبها، تتعرّى.. نفهمها ونفهم أنفسنا معها.. ألم يقل المعلمون قديمًـا: إذا أردت أن تفهم، فاشرح الدرس لشخص آخر؟

أما أنا فأضيف شيئًـا رابعًا.. عليك بالدهشة، اقرأ ما يُدهشك.. ما يجعلك تنسى الهاتف.. وتنسى الوقت.. وتنسى نفسك.. الكتاب الذي لا يُدهشك.. لا يستحقك.. ألقه بعيدًا عنك. فالسؤال ليس: ماذا نقرأ؟ ولا: كم نقرأ؟ بل: كيف نقرأ؟.. وهل ما زلنا نسمح للقراءة أن تكون… استثناءنا الجميل؟ وربما لهذا كسر كانط نظامه من أجل القراءة.. لأنه أدرك -أو شعر دون أن يشرح- أن القراءة ليست نشاطًـا ضمن الجدول، بل استثناءً من الجدول كله.. وهل حقًـا ما نقرأه يمنحنا معنى.. أم مجرد ومضَةٍ عابرة سرعان ما تنطفئ؟

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة